يامنصف الموتى من الأحياء ماكدت اقرأ اسم (محفوظ عبدالرحمن) على شاشة التلفزيون في ختام الحلقة الاخيرة من مسلسل (ام كلثوم) باعتباره مؤلفا, حتى تذكرت شطرا من قصيدة امير الشعراء احمد شوقي في وصف زميله شاعر النيل (حافظ ابراهيم) وهتفت: يامنصف الموتى من الاحياء ! وليست هذه اول مرة ينصف فيها (محفوظ عبدالرحمن) الموتى من الاحياء, فله في هذا المجال عملان سابقان على الاقل, كان اولهما هو (بوابة الحلواني) الذي انصف فيه تاريخ الخديوي اسماعيل, وكان الثاني هو فيلم (ناصر 56) الذي ازاح فيه الغبار عن افضل سنوات حكم (عبدالناصر) حتى بدا لي وكأن (محفوظ) الهادىء دائما, الحيي الذي يفتقد الى حد القدرة على اقتحام الاخرين, الخافت الصوت يحتفظ بكل جسارته وبطبقات صوته العليا وقدرته على الاقتحام الى تلك اللحظة التي يجلجل فيهاصوته, في ساحة العدالة, دفاعا عن هؤلاء, الذين هضمت ذاكرة الايام السوداء حقوقهم. ومع ان هذا النوع من هضم الحقوق التاريخية مرض قديم وحديث ولا برء منه, الا انه ارتبط اكثر بالنظم الثورية التي تكاثرت في الخمسينيات والستينيات على خريطة الوطن العربي, وصكت مصطلح (العهد البائد) او (العهد المباد) لوصف العهود والانظمة التي سبقتها, وهو مصطلح كان يعني ـ بالبلدي او بالعربي ــ ابادة تاريخ الوطن, ومحوه بأستيكة ثورية لاتترك منه اثرا, بحيث يبدو وكأن الوطن والشعب, وربما العالم والكون كله لم يولدا الا في تلك اللحظة السعيدة, التي اذيع فيها البلاغ رقم واحد, لتبدأ الحركة المباركة, فإذا بالوطن يتخلق من العدم, والشعب يولد من الفراغ, واذا بالاثنين ينزلان من بطن امهما عملاقين يهزان الكواكب والافلاك, ويثيران الرعب في نفوس الشيطان الاعظم الساكن في كوكب المريخ. اما ما حدث قبل ذلك فقد ابيد, واذا ظهر منه شيء يعتبر لاغيا. واذا كان قد دون في كتب التاريخ فهي كاذبة وتستحق الحرق, واذا كان لابد من ذكر شىء ما ورد فيها, فلابد وان يذكر مشفوعا بكل اللغات, فكل الزعماء السابقين على الحركة المباركة خونة وعملاء وفاسدون ومتواطئون مع الشيطان الاعظم الساكن في كوكب المريخ, والشعب نفسه كان مجموعة من الرعاع والسفلة, الذين رضوا بذلهم ورضى عنهم ذلهم! وحتى لا نظلم هذه النظم الثورية فإنها لم تكن دائما مسئولة عن رش كل هذه الكمية من المبيدات الحشرية على التاريخ, ولكنها استجابت بسهولة لاغواء رابطة صناع الطغاة, وهي اقدم مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي واكثرها حرية وهي رابطة شعبية, شعارها الدائم (عشان ما نعلا.. نعلا.. لازم نطاطي.. نطاطي) لذلك تنافق كل عهد الى ان يصبح بائدا, فتمحو تاريخه بأستيكه العهد الجديد, وهي لا تكف طوال الوقت عن رش المبيدات على التاريخ في صورة مقالات صحفية ومسلسلات اذاعية وتلفزيونية وكتب صحفية من النوع الذي يصدر بواقع كتاب كل ست ساعات لمؤلف واحد, وفي احيان ليست نادرة في صورة اطروحات جامعية لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ المعاصر, تعطي صاحبها الحق في ان يسبق اسمه بحرف الدال, وهي اختصار كلمة (دوده) ! ولان الدنيا تسير طبقا لقاعدة (كله سلف ودين, حتى المشى على الرجلين) فإن الله عز وجل يرزق ـ او يرزأ ـ تلك العهود الثورية عادة, بمن يفقعها بلاغا رقم واحد جديدا, في صورة ثورة على الثورة, او حركة تصحيح للثورة القديمة, تحولها من ثورة الى نكبة, ومن عهد حالي الى عهد بائد, وعلى الفور تنشط رابطة صناع الطغاة لتمشي على تاريخها بأستيكه تصحيحية, فاذا بزعماء الثورة يتحولون من ابطال الى خونه, ومن مناضلين الى مهرجين, ومن اصحاب مقام رفيع الى اصحاب مقام في زنزانة, ومن قادة الحركة المباركة الى قادة العهد الاسود, واذا بالمقالات والمسلسلات تتكاثر بسرعة هائلة لا تقل عن السرعة التي يتناسل بها الذين يحملون درجة (دودة) في التاريخ الحديث والمعاصر! ولم ينتبه الذين اسسوا هذه المدرسة الصحفية والتلفزيونية في كتابة التاريخ, الى انهم بما يفعلون يسيئون الى تاريخ الثورة ذاتها ويحولونها من ظاهرة تاريخية لها ما يبررها الى ظاهرة نشأت من العدم وما ينشأ من العدم ينتهى الى العدم.. ولم يهتموا بالاثار السلبية التي يمكن ان يتركه هذا المنهج على وجدان الاجيال الشابة التي تتلقى كل دروسها في التاريخ وكل معرفتها عن الوطن من افلام السينما ومسلسلات التلفزيون فاذا به تاريخ اسود وليس فيه ما يدعو الى الفخر او الاعتزاز او الانتماء. ومع ان الحقيقة التاريخية كانت دائما متوفرة في كتب لاساتذة عظماء التزموا بالتقاليد الاكاديمية التي تحترم الحقيقة وتبحث عنها, إلا ان جهدهم العظيم كان محدودا والتأثير بالقياس الى تأثير رابطة صناع الطغاة, لان الادوات الاكثر انتشارا وتأثيرا في الجماهير, وهي الصحف والمسلسلات والكتب التي تستثمر التاريخ للاثارة الصحفية, لم تكن في ايديهم, او لانهم عزفوا عن استخدامها, او لان استخدام هذه الادوات لتقديم صورة صحيحة للتاريخ ولانصاف الموتى من الاحياء, يتطلب مهارات خاصة لم تكن متاحة لمعظمهم. وكان ممكنا ان تظل الساحة خالية امام مدرسة رش المبيدات على التاريخ العربي لولا ان برزت خلال السنوات الخمس الاخيرة مدرسة جديدة تنحو لانصاف الماضي, ربما لان عهود البلاغ رقم واحد, والبلاغ رقم واحد مصحح, قد انتهت وربما لان الكثير من تلك العهود كان قد اسفر عن انظمة حكم لا تختلف كثيرا عما سبقها, بل لعل بعضها كان اسوأ واضل سبيلا, اما المهم فهو ادراك اصحاب تلك المدرسة, ان الاستيكة الثورية التي محت تاريخ الوطن والامة, قد محت معها ظاهرة الانتماء لهما, فأصبحنا امام جيل من الشباب الكوزموبوليتاني الذي ينتمي للعالم دون ان ينتمي للوطن, ويرتدي بنطلونات جينز يلصق عليها العلم الامريكي. في هذا السياق برزت اعمال المؤلفين (نهاد سيريس) ودياب عامر والمخرجين نجدت اسماعيل انزور وهاني الروماني وآخرين في الدراما التلفزيونية السورية, في اعمال مثل (اخوة التراب) و(تل الرماد) و(خان الحرير) و(حمام القيشاني) وهي مسلسلات اجتذبت اهتمام مشاهدي التلفزيون على امتداد ساحة الوطن العربي, لكنها لم تعرض للاسف في التلفزيون المصري, الذي لايزال اسير نظرة ضيقة تنظر الى الفنون العربية باعتبارها منافسة للفنون المصرية, لذلك يفضل واضعو خريطة برامجه, المسلسلات الامريكية عن المسلسلات السورية او الاردنية, كما برزت في الدراما المصرية اعمال (اسامة انور عكاشة) و(يسري الجندي) و(محفوظ عبدالرحمن) التي تتخذ من وقائع التاريخ خلفية او موضوعا لاحداثها. قبل مسلسل (بوابة الحلواني) كانت الصورة الشائعة عن (الخديوي اسماعيل) في المسلسلات التلفزيونية والافلام والمسرحيات هي انه حاكم هلاس لا هم له الا الجري وراء النسوان, وان الديون التي اقترضها من اوروبا, كانت كلها فواتير ليالي الانس في فيينا وباريس التي كانن يمضيها بين أذرع الغواني, ومع ان (اسماعيل) كان فعلا مصابا بهذا الداء الوبيل ـ عفانا الله وعافاكم منه ــ الا ان كثيرين من صناع التاريخ وابطال الحرب والسياسة كانوا ايضا كذلك, ولا داعي للتفاصيل لأن الله أمر بالستر, اما المهم ـ الذي جاء مسلسل محفوظ عبدالرحمن ليقوله ـ فهو ان اسماعيل كان حاكما مثقفا درس الرياضيات والهندسة والطبيعيات في فيينا وباريس, وعرف من فنون اوروبا واستوعب من ثقافتها اكثر مما عرف من نسوانها, وانه كان صاحب رؤية وبصيرة سياسية ثاقبة, قارته للايمان بأن تقدم الاوطان هو الذي يهيئ لها سبل الاستقلال, فقفز بمصر من ظلام العصور الوسطى الى نور العصر الحديث, بنى المدارس وشق الطرق وفتح الشوارع وانار الحارات, وسمح للاهالي باصدار (الجرانيل) و(الكازيتات) ـ اي المجلات ـ واشاع في المجتمع كله مناخا من التحرر الاجتماعي والفكري, حتى اصبح الناس في عهده, يتكلمون في (البولوتيقا) وهو ما يعرف في ايامنا السوداء بالسياسة. وأسوأ ما يفعله (محفوظ عبدالرحمن) هو انه يشعرك بالغيظ حين تنتهي مسلسلاته, وهذا ما حدث مع مسلسل (ام كلثوم) الذي غضب الناس لأنه انتهى بعد 37 حلقة, مع ان الشائع لديهم هو ان يغتاظوا لأن معظم المسلسلات لا تنتهي بعد الحلقة الاولى, فهو ككاتب ودرامي مقتدر, لا يدعك تفلت منه, وهو لا يترك لك فرصة لأن تشعر بالملل, وهو قادر على ان يضحك عليك ويوهمك بأنك تتسلى, بينما هو يتسلل الى عقلك وقلبك ليغير افكارا ويثري وجدانك من دون ان يشعرك بأنه يفعل شيئا من ذلك. وهو كمؤرخ لا يختار موضوعاته ولا شخصيات مسلسلاته عشوائيا, ولكن لأن هناك هما حاضرا يضغط عليه, فيبحث في الماضي. هذا زمن المنافسة المتوحشة الذي ما يكاد يلمع فيه صاحب موهبة حقيقية, حتى تتكاثر فوق رؤوسه الفؤوس تسعى لتحطيمه, فألف رحمة على الزمن الذي احتشد فيه كل هؤلاء حول الفلاحة المسكينة القادمة من (طماي الزهايرة) لكي يصقلوا موهبتها ويعلموها ويدفعوها الى طريق النجاح, لا شيء الا لأن نجاحها.. يمتع الناس ويرفع من شأن الوطن. هذا زمن نسي فيه الجميع الحديث النبوي الشريف (ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا أن يتقنه) فألف رحمة على زمن أم كلثوم؟ التي لمعت لأنها حرصت على ان تتعلم وتتثقف لحكمة ترهف احساسها بما تغنيه, وعلى ان تجود في عملها, ومع انها كانت واثقة انها لو غنت (ريان يافجل) او (خضرة يا ملوخية) فسوف يصفق لها الناس الا انها رفضت ان تغني لهم الا ما يرتقي بذوقهم ويثري مشاعرهم, فغنت قصائد لشوقي وحافظ ورامي وبيرم وصلاح جاهين وحتى عبدالرحمن القس والشريف الرضي, فألف لعنة على الذين يفسدون اذواقنا ويسممون حياتنا بأغان من نوع (كامننا) و(كاجولوه) و(جرى ايه يا دلعدي) ! ولأن الفن اختيار, وليس ثرثرة, حتى لو كان الامر يتعلق بالتاريخ, فليس مصادفة ان يختار (محفوظ عبدالرحمن) شخصية الشيخ مصطفى عبدالرازق (يبرز الدور الذي لعبه في مساندة (ام كلثوم) مضحيا بشخصيات اخرى قد يتصور البعض انها لعبت دورا اهم: هذا شيخ ازهري درس في السوربون وتولى مشيخة الازهر في اواخر حياته, لكن ذلك لم يمنعه من ان يسمع الغناء ومن ان يقف الى جوار (ام كلثوم) ليحول بينها وبين ان تعتزل الفن, قائلا لها: صوتك موهبة من الله ولا يجوز لأحد ان يهدر موهبة منحها الله له, فمن اي ارض خراب برزت هذه الاصوات التي تشيع التعصب والتزمت وتعتبر الغناء دعارة والفن كفرا, وتشجع على اهدار المواهب التي منحها الله لعباده, واي اسلام هذا الذي يخدمونه بما يفعلون! ولم تكن مصادفة كذلك ان يركز المسلسل على دور طلعت حرب في مساندة ام كلثوم: ذلك هو زمن الرأسمالية الحقيقية, التي تحترم قيمة العمل, وتؤمن انه مصدر كل الطيبات, والتي ساهمت في الدفاع عن استقلال الوطن, واسترداد سوقه الوطنية من أيدي المغامرين الاجانب ودعمت الفنون والآداب, لأن ذلك ما يعطيها قيمة, ويثبت مكانتها في المجتمع, ويحقق ربحاً كذلك, فملعون في كل كتاب يا زمان الهبيشة وآكلي السحت, والربح على طريقة (اخطف واجري) , ورأسمالية التحالف بين فساد رأس المال والفساد البيروقراطي. اما لماذا احيط هذا المسلسل بكل هذه المشاعر الجياشة من الاعجاب والحب, التي لم يشذ عنها احد ممن رأوه على امتداد الخريطة العربية, فلأنه أنصف ام كلثوم, التي كانت مظلومة, فقد اختارت كما يقول (شوقي) في قصيدته الشهيرة في وداع (المنفلوطي) يوم الهول يوم وداع, ونعاها في عصف الرياح الناعي وكما كادت تتوقف عن الغناء في أعقاب صدور البلاغ رقم واحد, في 23 يوليو ,1952 باعتبارها من آثار العهد البائد, لولا تدخل عبدالناصر, فقد توقفت عنه ــ تقريباً ــ بعد صدور البلاغ رقم واحد مصحح في 15 مايو 1971 الذي اعتبر عهد عبدالناصر عهداً بائداً, واعتبرها من مخلفاته, وحتى لو لم تكن واقعة الحرب التي شنتها السيدة (جيهان السادات) عليها صحيحة, فإن الزمن الذي ماتت فيه لم يكن زمنها, كان باختصار زمن (احمد عدوية) و(كتكوت الامير) و(دلعني يا زغلول) . وما حدث هو ان المسلسل ما كاد يزيح غبار زمن احمد عدوية عن ذاكرة الناس, حتى اكتشفوا انهم ظلموا ام كلثوم, فكان هذا الاعجاب بالمسلسل, رد فعل طبيعي لمشاعر الذنب التي تلابسهم لأنهم اغلوا ترابا وارخصوا ذهباً. أما الثانية فلأن المسلسل وضع أم كلثوم في اطار عصرها الذي كان عصراً يحاول فيه المصريون والعرب, ان يثبتوا انهم اهل للاستقلال والديمقراطية, ولاحتلال المكانة التي تليق بأمتهم على خريطة العالم. فكان عصر النهضة الذي بدأ في أعقاب الحرب الاولى وانتهى في السبعينيات, الذي صعدت فيه الامة مدارج الرقي من اسفل السلم, الى قمته, كما صعدت أم كلثوم سلم المجد فبدأت من (طماي الزهايرة) وانتهت في مسرح الاولمبياد بباريس! ولعل الناس نظروا لى مظاهر الخيبة العربية التي تحيط بهم وتساءلوا: اذا كنا قد استطعنا ان نصنع كل هذا فيما مضى, فما الذي يحول بيننا وبين صنعه اليوم. اما الثالثة, فلأن المسلسل الذي ينصف قيماً عظيمة مثل الموهبة والاتقان والانتماء للوطن, قد صنع بطريقة تثبت ان كل الذين صنعوه من (محفوظ) و(انعام) الى اصغر كومبارس وكل عامل, قد التزموا بالقيم نفسها, فأتقنوا عملهم, وسخروا مواهبهم للتعبير عن حبهم للوطن! وتعظيم سلام للوطن الذي انجب (أم كلثوم) وانجب الذين انصفوها في زمن اغلى تراباً وارخص ذهباً لذلك تسطع الشمس فيه على الوحل فيلمع!