ثمانون الفا من الاسلاميين المسلحين سلموا حتى الآن اسلحتهم الى السلطات الامنية الجزائرية, استجابة لاعلان العفو الصادر عن الرئيس بوتفليقة قبل ستة شهور. الرقم باهر دون شك. لكن القصة لن تنتهي عند هذا الحد. وهي قصة من ثلاثة فصول اهمها الفصل الاخير . وبعد ان يتمكن الرئيس بوتفليقة من اغلاق الملف الامني بنجاح يتبقى الملف السياسي. واذا افترضنا ان الرئيس نجح في نشر الطمأنينة الامنية وتحقيق التصالح الوطني السياسي على الوجه فان النتائج الايجابية على هذين الصعيدين لن تصمد طويلا اذا اخفق الرئيس في معالجة جذور المحنة الجزائرية التي تتمثل في الملف الاقتصادي. فالانفلات الامني الدموي وليد ازمة سياسية هي بدورها وليدة تذمر شعبي ناشىء عن تفشي الظلم الاقتصادي. ان النجاح الامني الذي تحقق حتى الآن هو في حقيقته نصف نجاح. فاذا كان المقصود من العفو الرئاسي الشامل عن من يحملون السلاح ويمارسون العنف المنظم فان اعداد من قرروا الاستفادة من هذا العفو بتسليم انفسهم واسلحتهم الى السلطات لا ينتمون الا الى تنظيم مسلح واحد من بين ثلاثة تنظيمات مسلحة. فبينما جنح للسلم (جيش الانقاذ الاسلامي) فان كلا من (الجماعة الاسلامية المسلحة) و(الدعوة والجهاد) لم يستسلما. وقد تفجر فيما يبدو جدال بين قادة كل من التنظيمين حول الاستجابة او عدم الاستجابة لنداء العفو اسفر عن غلبة الرافضين للسلم. ولا يعرف ما اذا كانت الصورة سوف تتغير ام تبقى على ما هي عليه. الحقيقة الماثلة اذن هي انه ليس بوسع الرئيس بوتفليقة او الجزائريون العاديون الخلود الى الاطمئنان طالما بقى مئات المسلحين الذين يتخذون من العنف منهجا ثابتا على الجانب الاخر من القانون وبعيدا عن متناول سلطات الامن. المنطق البسيط يقول بان هناك خيارا متاحا للرئيس لمواجهة هذه المعضلة. فلماذا لا يتفق الرئيس مع قادة (جيش الانقاذ الاسلامي) على استخدام هذه القوة المدربة بعد اعادة تسليحها لتتولى تحت اشراف السلطة مهمة القضاء على الجماعتين المسلحتين الآخريين الرافضتين للسلام؟ غير ان المسألة ليست بهذه البساطة. وهنا نأتي الى الملف السياسي. فجيش الانقاذ الاسلامي هو الجناح العسكري لجبهة الانقاذ الاسلامي. وقادة هذا (الجيش) يطالبون الرئيس الآن باطلاق سراح عباس مدني وعلي بلحاج, قائدي جبهة الانقاذ اللذين لا يزالان رهن الاحتجاز المنزلي, وذلك على طريق تصالح كامل يسمح للجبهة بالعودة الى الساحة السياسية كحزب مشروع. لكن لن يكون بوسع الرئيس بوتفليقة الاقدام على مثل هذه الخطوة دون ان يصطدم بجنرالات المؤسسة العسكرية الذين يرفضون بعناد اعادة الاعتبار السياسي الى (الجبهة) . والى ان يحل الرئيس بوتفليقة معضلة المصالحة السياسية بصورة او بأخرى... وقبل ذلك استكمال حل المعضلة الامنية فان الملف الاقتصادي يبقى في الانتظار. ومرة اخرى يقول المنطق البسيط: لماذا لا يتجه الرئيس الى معالجة الازمة الاقتصادية الآن.. فقد يؤدي تخفيف وطأتها على الصعيد الشعبي الى حالة انفراج نسبي تخفف بدورها من وطأة الظروف الامنية والسياسية؟ غير ان الازمة الاقتصادية من التعقيد بحيث تحتاج زمنا وصبرا. بايجاز يتطلب علاج الازمة الاقتصادية احداث انقلاب في المعادلة الاقتصادية السائدة بحيث يجري تفكيك بنية (اقتصاد السوق) لتعود الجزائر الى حالة الاقتصاد المخطط مركزيا التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فالانتفاضة الشعبية التي تفجرت في الشارع في اواخر الثمانينيات وكانت بداية المحنة الدموية يرجع سببها الى سياسة (تحرير الاقتصاد) التي افرزت حل الف شركة تابعة للدولة وتسريح نصف مليون عامل واستنزاف مستديم للخزينة العامة في سبيل سداد مديونية خارجية تناهز 31 مليون دولار.