تبدو احداث لبنان الاخيرة فصلا جديدا وخطيرا في تطورات الوضع اللبناني, وربما كانت تلك الاحداث هي الاهم والاكثر خطورة منذ ان وضعت الحرب الاهلية أوزارها, واغلقت اخر فصولها, وتكمن خطورة الاحداث في امرين اثنين: الاول, انها اوسع واكبر اشتباكات تحصل في لبنان, حيث شملت منطقة جغرافية واسعة , وتسببت في قتل وجرح عشرات من جنود الجيش اللبناني ومن اعضاء الجماعات المسلحة, ومعهما اعداد من المدنيين اللبنانيين ممن لم يكونوا طرفا في الاشتباكات وانما وقعوا صدفة في اتونها. والامر الثاني, ان الاحداث ارتبطت بوجود مسلح جديد في لبنان, وهو وجود جماعة (اصولية اسلامية سنية) قيل انها مؤلفة من لبنانيين وعرب واجانب, تبنوا خط التكفير والهجرة, ووسعوا حضورهم في شمال لبنان, وربما في مناطق اخرى. ومما يزيد في خطورة الحدث انه يأتي في ذروة سلسلة من احداث, كان قد شهدها لبنان في خلال العام الماضي, وكان بين محطاتها الاساسية, جريمة اغتيال القضاة الاربعة في صيدا, وسلسلة الاعتداءات على الكنائس المسيحية, واغتيال راهبة في ظروف غامضة, ومعها جميعا, كانت تتواصل الاحتقانات واعمال التفجير التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان, ثم اعقبتها الاشتباكات الاخيرة التي شهدتها منطقة الضنية القريبة من طرابلس في شمال لبنان. وبطبيعة الحال, فان لكل واحد من هذه المحطات في مسيرة التدهور الامني في البلاد, معنى ودلالة تتصل باجمالي الوضع في لبنان, ولعل المعنى الرئيس في عملية قتل القضاة في صيدا هو تأكيد تحدي الدولة وجهازها القضائي, وفيه اشارة واضحة الدلالة الى ان هذا الجهاز موضع اعتراض من الذين هاجمواه, وقد يكون عرضه لهجمات مسلحة ضده من اجل اسقاط هيبته واضعافه. كما ان في دلالة الاعتداءات على اماكن العبادة المسيحية واعضاء السلك الكينسي محاولة لاحياء صراع من طبيعة دينية بين المسيحيين والمسلمين في لبنان, والقول بان هذا الصراع لا زال ممكنا, بل انه لا زال كامنا في قاع المجتمع اللبناني رغم الهدوء الذي ساد لبنان في السنوات العشر الاخيرة. ورغم ان الاحداث في احد جوانبها هي اعتراض على سياسات وممارسات الدولة اللبنانية, فقد تكون محاولة تأكيد وجود تناقضات بين الدولة اللبنانية وجزء من الشعب اللبناني, واحتمال وصول هذه التناقضات الى حد المواجهة الشاملة التي تستخدم فيها كل الامكانيات والاسلحة في خطوة هدفها الاخير تفجير الوضع اللبناني برمته. واذا كانت الدلالة الرئيسية والمشتركة لكل هذه المحطات في مسلسل اعمال العنف, وهو تأكيد التناقضات والصراعات داخل البيئة اللبنانية بين الدولة ومواطنيها من جهة, وبين الجماعات المؤتلفة والموجودة في اطار الكيان اللبناني, فان دلالة تطورات الوضع الفلسطيني في لبنان تشير الى مستوى اخر من الصراعات والتناقضات اساسها التناقض بين اللبنانيين حكومة وشعبا وبين الفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان منذ العام 1948. وعودة الى تفاصيل المحطة الفلسطينية في لبنان, يمكن ملاحظة انها احتوت على سلسلة متواصلة من التفجيرات والاغتيالات في الاوساط الفلسطينية, كما انها شهدت توترات واحتفالات سياسية, وتصريحات تصعيدية, ترافقت مع استنفارات امنية ــ مسلحة داخل المخيمات تهدد بتفجير الاوضاع, وحصارات للمخيمات, ثم زاد في ذلك الاعتداء الاخير على حاجز للجيش اللبناني على مدخل مخيم عين الحلوة اكبر مخيمات الفلسطينيين في الجنوب. ويمكن القول, ان ثلاثة اتجاهات متناغمة من اعمال العنف في لبنان تتواصل, الاول هدفه تفجير مستوى من الصراع داخل جناحي لبنان: المسلمون والمسيحيون, والثاني خلق صدامات ما بين الدولة واجهزتها الامنية ــ العسكرية وجماعات منظمة, والثالث العودة الى صراع لبناني ــ فلسطيني, وكلها ملفات يفترض انها اغلقت, وبخاصة الملف الفلسطيني, والذي تحولت فيه قضية الوجود الفلسطيني في لبنان الى قضية سياسية ــ اجتماعية, تتصل في جانب منها بحياة الفلسطينيين المقيمين من جهة وبمستقبل وجودهم من جهة ثانية اكثر مما هي قضية تشكل واحدا من تحديات لبنان الخاصة. غير ان التوجه الى تفجيرات الوضع في لبنان وانهاء عشر سنوات من الجهود المختلفة في سبيل سلم اهلي, امر لا يمكن ان يتم ببساطة, لكن التطورات يمكن ان تخلق تراكمات في اتجاه تفجير الاوضاع, وشروطا تضعف لبنان في مواجهة تحديين اساسيين: * التحدي الاول وهو تحدي داخلي, يتصل باستمرار الجهود نحو رأب الصدوع في اللحمة الوطنية اللبنانية, والتي لازالت فيها اثار وتشوهات من بقايا الحرب الاهلية, ونتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, التي لازالت تمنع استعادة لبنان عافيته وقوته وازدهاره. * التحدي الثاني, وهو تحدي مزدوج داخلي ــ خارجي, تنطلق ازدواجيته من الاحتلال الاسرائىلي لجنوب لبنان, ومن احتمالات المفاوضات اللبنانية ــ الاسرائيلية والتي من المتوقع استئنافها في وقت قريب. ويتطلب الوضع في لبنان معالجة جدية وشاملة تتجاوز مجرد الاجراءات الامنية, والتي قد يكون اتخاذها في بعض الاحيان مهما, لكنه غير كاف, بل بداية الى اتخاذ اجراءات سياسية, اقتصادية اجتماعية, لعل من ابرزها التأكيد على ضرورة تعميق التوجهات الى السلم الاهلي في لبنان, وهو امر يتم ليس من خلال الاعلانات والبرامج, وانما من خلال الخطوات العلمية والاجرائية, والتي في بنودها الاساسية العمل على تجديد النخبة السياسية في لبنان وحل رموزها, قد استهلكت في سنوات الحرب الاهلية وما بعدها, ثم التقدم الى مواجهة المشاكل الاقتصادية المتفاقمة والتي لا تعكس فقط ركودا وجمودا, وانما بطالة وفقرا في اغلب المناطق اللبنانية وبين الاوسع من اوساط السكان, ويتعدى المطلوب ذلك الى حل مشكلات ما بعد الحرب ومنها مشكلة عودة المهاجرين الى مناطقهم, وهي مشكلة متعددة الابعاد والانعكاسات. ولا شك ان بين القضايا التي تتطلب معالجة في لبنان قضية الوجود الفلسطيني, وفي هذه جوانب متعددة, لعل الابرز فيها ايجاد حل للبنى والهيكليات المسلحة في المخيمات, واعطاء المؤسسة الرسمية اللبنانية حق الاشراف المباشر على الامن في المخيمات, ثم في خلق انفراجات لانشطة سياسية فلسطينية, وافساح المجال للفلسطينيين في لبنان من اجل العمل والكسب وممارسة حياتهم الاعتيادية, وهي امور لا يتعارض حصولها مع التوجه الى حل نهائي لمشكلة الفلسطينيين في لبنان, يقوم على مبدأ عودتهم الى وطنهم في اطار حل نهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين, وهو مطلب من المطالب اللبنانية, بل هو من المطالب العربية ايضا. ان خطوات ومعالجات في هذا الاتجاه, ستكون اساس حاسم في مواجهة احداث العنف المتلاحقة وتداعياتها في لبنان, وهي الاساس الذي يمنع تجدد هذه الاحداث وما يماثلها من تطورات. * كاتب سوري