قرر مجلس الامن الذي تترأسه الولايات المتحدة حاليا, ان يخصص هذا الشهر لمناقشة معضلات القارة الافريفية, وهو امر في حد ذاته ينم عن بداية تبلور وعي بضرورة معاملة افريقيا بشكل خاص اعتبارا لحدة المعضلات التي تواجهها,. والتي تجعل اجزاء كثيرة منها خارج دائرة التنافس والاستفادة من تيارات التبادل التي توسعت مع تنامي ظاهرة العولمة . وفي سابقة اولى من نوعها منذ اكثر من خمسين سنة, فقد عقد مجلس الامن اجتماعا استثنائيا للنظر في الاوضاع المدمرة الناتجة عن انتشار مرض الايدز في القارة السمراء. لقد كشفت الارقام التي راجت خلال مؤتمر لوساكا الذي انعقد في شهر اكتوبر الماضي لتقييم انعكاسات الايدز في افريقيا عن معطيات مهولة. فهذا المرض الذي ظهر في بداية الثمانينيات في العالم المتقدم, والاساس في الولايات المتحدة, قد تحول الى وباء حقيقي في العالم الثالث, وخاصة في افريقيا, وهكذا تحتضن القارة الافريقية 70% من المصابين بالايدز في العالم, والذين يقدر عددهم التقريبي باربعة وثلاثين مليونا, وأكثر من ذلك, فان 60% من الوفيات الناتجة حاليا عن الايدز تتمركز في افريقيا. وعلاوة عن ذلك, فان هذا الوباء الخطير يخلف وفاة مليوني شخص سنويا, اي عشر مرات اكثر مما تخلفه النزاعات المسلحة التي تقتل ما يناهز المائتي الف سنويا في القارة الافريقية. لذلك, فان تصدي مجلس الامن لهذه الآفة يشكل في مغزاه اقرارا بخطورة الوضع في القارة الافريقية, وبانعكاساتها الكارثية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي الامر الذي قد يشكل تهديدا للسلم والامن الدوليين, بفعل حالة اللااستقرار التي ستسود الكثير من الدول في السنوات المقبلة. ومن هذا المنظور فان الموقف الامريكي الذي بلوره مندوب الولايات المتحدة الدبلوماسي المشهور ريتشارد هلبروك, والذي يسانده نائب الرئيس, والمرشح الحالي للرئاسة آل جور, انما يهدف الى توسيع تدخلات مجلس الامن من خلال قراءة واسعة للفصل 24 من الميثاق الذي اناط بهذا الجهاز مهمة حفظ السلم والامن الدوليين, والتي تعتبر من الاهداف الاساسية للمنتظم الدولي. ان هذا التصور يعني توسيعا لحقل الاسباب المؤدية لتهديد السلم والامن الدوليين. وهو يساير الممارسة الامريكية التي درجت منذ نهاية الحرب الباردة على محاولة ادخال قضايا جديدة ضمن الحالات المهددة للسلم والامن الدوليين, ولا سيما تلك التي نصت عليها المادة 39 والمتعلقة بحالة العدوان وتهديد السلم, والاخلال به, وقد لاحظنا كيف تم ادراج قضايا التدخل الانساني والارهاب ضمن الحالات التي تستوجب لجوء مجلس الامن الى استعمال الفصل السابع من الميثاق, ولا شك في ان هذا المنحى نحو توسيع اختصاصات مجلس الامن لا يلقى ارتياحا عند كافة الدول دائمة العضوية, ولا سيما تلك التي تواجه انتقادات في بعض المجالات كحقوق الانسان. فالصين وروسيا عبرتا عن تحفظهما من تصدي المجلس لقضايا لا تتعلق باختصاصه الامني, مما يشكل تطاولا على اختصاص اجهزة اخرى لها الصلاحية لدراسة مثل هذه المواضيع. وفي الواقع, فان هذا الاعتراض لا يخلو من وجاهة. لا سيما في ظل غموض المقتضيات المتعلقة بالسلم والامن الدوليين, لكن ينبغي الاقرار ان مناقشة مجلس الامن لمثل هذه القضايا يمكنها من جدية وفعالية اكبر, ويكشف في نفس الوقت عن اخفاق الاجهزة الاخرى المكلفة بمحاربة هذا الداء. فوطنيا لا تملك اغلب الدول الافريقية لا البنيات الاستشفائية ولا الوسائل القمينة بمواجهة هذا الداء اعتبارا لضآلة مواردها وكثافة المتطلبات الاجتماعية, ودوليا, فان المجلس الاقتصادي والاجتماعي, وكذلك منظمة الصحة العالمية من خلال برنامج الامم المتحدة لمحاربة الايدز لا يبدو انها حققت نتائج ملموسة في هذا المجال. ولا شك في ان هذه المعاينة السلبية للاجهزة الاممية المكلفة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية تطرح من جديد ضرورة اصلاح الامم المتحدة, وخاصة التفكير في احداث جهاز اكثر فعالية من اجل مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي اصبحت تستقطب اهتمام الانسان, بعد تراجع الهواجس الاستراتيجية, وفي معرض النقاشات الرائجة حول اصلاح ميثاق الامم, فقد سبق للبعض ان اقترح انشاء مجلس امن اقتصادي يتوفر على الامكانيات والارادة اللازمة. من الواضح جدا, ان هدف هذا الاجتماع الاستثنائي انما توخى بالاساس تحسيس الرأي العام الدولي بالوضع الكارثي الناتج عن هذا الوباء, ورغم اعلان الادارة الامريكية عن تخصيص مائتي مليون دولار لمواجهة هذه الوضعية, فان ذلك يبقى غير كاف. فمكافحة انتشار الايدز, او على الاقل التحكم في نموه السرطاني يتطلب استراتيجية شاملة تنخرط فيها كافة الاطراف, وتتطلب القيام بعدة اجراءات منها ما هو اخلاقي مرتبط بالعادات والتقاليد والسلوكيات, حيث يتطلب الامر في هذا المستوى تكثيف الحملات التحسيسية بالاخطار الناتجة عن الاصابة بهذا المرض. وواضح ان ذلك ينبغي ان يتم باساليب تراعي الخصوصيات, وتترافق بمجهود من اجل محاربة الامية, لاسيما في المجال القروي, وكذلك تحسين الظروف المعيشية للمواطن الافريقي. فضلا عن ذلك العمل على توفير نسبة من العلاجات الباهظة للمصابين في اتجاه تطويق المرض. واضح ان العبء ثقيل جدا, ولا يمكن للحكومات الافريقية ان توفر ذلك لوحدها. ومن هنا تأتي اهمية استنفار مجهود دولي يأخذ بعين الاعتبار هول الكارثة الانسانية وتداعياتها العالمية, ومن ثم العمل بجدية وبدون حسابات تجارية على تكثيف الابحاث من اجل انتاج لقاح يمكن ان يساهم مستقبلا في تجنيب ملايين البشر مستقبلا مضار هذا الوباء الخبيث. ان الكارثة الناتجة عن تفشي هذا الوباء في عدد من الدول الافريقية, لا يشكل الا معضلة انضافت الى المعضلات الكلاسيكية التي وسمت افريقيا منذ استقلال اقطارها. وتأتي في مقدمتها النزاعات المسلحة, التي اتخذت اشكالا مأساوية, وتحولت بعد نهاية الحرب الباردة الى صراعات عرقية خلفت آلاف القتلى, وصراعات من اجل السلطة, وزادت كلها في تعميق جراح القارة, وفي المزيد من معاناة شعوبها, وبالتالي في تدهور توازناتها الهشة اصلا. في هذا السياق, فان مجلس الامن, وهو يتدارس اوضاع افريقيا في هذا الشهر سينكب اصلا على دراسة النزاعات المستمرة في منطقة البحيرات الكبرى وخاصة في الكونغو وبورندي, وكذلك استمرار التدهور السياسي في سيراليون, مع الاهتمام بقضية اللاجئين الذين يهيمون في بعض الدول, والذين يشكلون احدى ابرز خرق ابسط حقوق الانسان. وفي معالجته لهذه الصراعات, وسبل تجاوزها سيتدارس المجلس تقارير بعض الوسطاء, وخاصة منهم الزعيم نلسون مانديلا الذي يقوم بواسطة لدى اطراف النزاع في بورندي. من الواضح جدا, ان ابرز مدخل, وأول شرط لمساعدة القارة الافريقية على الانخراط اكثر في التيارات العالمية الحالية, انما يكمن في خلق حالة الاستقرار في مجموع ربوع القارة. فبدون الاستقرار والسلام, لا يكمن الحديث عن تنمية مستديمة. فالقارة الافريقية ليست فقط محتاجة الى الامكانيات, بل هي مطالبة باقرار تغييرات عميقة تتخى التصالح بين كافة الفرقاء, والعمل على تسوية الخلافات في اطار حوار ديمقراطي. فهل سيحقق هذا النقاش المفتوح في مجلس الامن, والذي سيستمر طيلة هذا الشهر اهدافه؟ وهل ستتمكن افريقيا بمؤازرة المجتمع الدولي من الرد على التحديات والرهانات التي تواجهها؟ ذلك ما سنحاول الاجابة عليه لاحقا. * استاذ العلاقات الدولية, جامعة محمد الخامس, الرباط ــ المغرب