كان يؤمن بأن الحب والحرية هما أصل البشرية.. فرسم على الورق شعرا حفظه العشاق.. والفقراء.. وتداخلت فيه ألوان المرأة.. وأنفاس الثورة..ورائحة الزهرة.. لكن بعد عامين فقط انقلب الشاعر الفرنسي أرتورد رامبو على نفسه, وعلى موهبته, وانضم الى جماعة من تجار الرقيق الذين يستجلبون العبيد من افريقيا ليصبح واحداً منهم .. فقد حاسته الشعرية, وغرق في ثروته الحيوانية, وعندما سئل عن السبب في توقفه عن نظم الشعر والاحساس به أجاب:(لأني اصبحت غير أخلاقي) , لقد فقد أخلاقه فتحولت المرأة عنده من زهرة الى ذبيحة.. ومن أميرة الى جارية. هل في أعماق كل رجل (رامبو) من نوع آخر, يمكن ان يصبح فجأة (غير أخلاقي) فينقلب على المرأة التي أحبها وعشقها وذاب في هواها.. ويحولها من نسمة طرية الى زوجة منسية؟ ان هذه القصة قد تقدم اجابة مثيرة على السؤال المباغت, وكل كلمة فيها حقيقة, والحقيقة غالباً أغرب من الخيال. هو طبيب لامع.. برع في تخصصه الى حد أنه اصبح واحداً من طاقم الاطباء الذين يستشيرهم احياناً الرئيس جمال عبدالناصر, وعندما جاء الرئيس أنور السادات اقترب منه اكثر.. لكن سرعان ما افترقا بعد ان قبضت أجهزة الامن على شقيقه الاصغر الذي لم يستوعب حكمة الحياة فحول الدين الى ديناميت.. ورسالة الله الى رسالة ملغومة. كان هذا الطبيب متفقها في الدين وله مؤلفات بعضها يتحدث عن أهمية الدين في رفع الروح المعنوية للأمة في وقت الازمات.. وبعضها يجيب على كافة امور الدنيا.. ولكنه لم يكن متطرفا.. كما كان يعرف حدود الله.. وحقوق العباد.. شخص ببصره الى السماء دون ان يفقد رسوخ قدميه على الارض.. وسافر الى احدى دول النفط ليحول خبرته الى ثروة.. ومهارته الى أسهم وسندات وعقارات.. وكانت وراءه زوجته التي تحولت الى مأساة بعد حوالي ثلاثين سنة من الخدمة والعشرة والتفاني والوفاء منها عشر سنوات كاملة كانت ترعى فيها امه بضمير حي يندر وجوده. كانت تكتب الشعر عندما تخرجت في معهد الكونسرفتوار.. كانت تحفظ اشعار صلاح عبدالصبور واحمد عبدالمعطي حجازي ونزار قباني.. كانت تحلم بأن تلحن قصيدة من قصائد الشاعر الفرنسي (بودلير) في ديوانه الشهير (ازهار الشر) حيث يعتذر الرجل للمرأة لأنه يحبها بعنف وجنون.. ويخلط في عشقه لها بين الحنين والسكين.. كانت تتمنى ان تعيش في حياتها سطرا واحدا او شطرا واحدا في قصيدة حفظتها.. لكن ذلك لم يحدث.. ولم يتحقق.. فقد رفض زوجها ان تعمل.. وان تقرأ.. وان تسرح وهي تصطاد الانغام الشاردة من صوت عبدالحليم حافظ.. (اهواك واتمنى لو انساك وانسى روحي وياك وان ضاعت تبقى فداك) . واستسلمت مثل اي زوجة مصرية لمصيرها.. تناست موهبتها وطموحها واحلامها وتصوراتها التي رسمتها لنفسها.. وراحت تربي اولادها وبناتها ودفنت كل شيء فيهم.. ونجحت كثيرا.. وتعذبت كثيرا.. وكان صبرها بلا حدود. كثيرا ما كانت الدنيا تضيق في عينيها.. حلمت بشوارع ضيقة تبتلعها.. وبمركب مغامر يأخذها ولا يرجعها.. وبسواحل مفتوحة رحيبة.. وبشر يتكلمون لغة غريبة.. وبحياة سهلة مريحة.. لكن.. جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.. لقد سقط زوجها وهو على عتبة الستين في هوى ممرضة فلبينية من عمر بناته, أجلسته وأطعمته من لحمها فستقا وعنبا, وقصت عليه قصة شهريار قبل ان ينام. نجحت الفلبينية الصغيرة في ان تلغي زمن زوجها وأدخلته في زمانها هي.. لعبت به كما تلعب القطة بكرة الصوف.. ذبحته.. لكنه تركها تتلذذ بطعم دمه الساخن.. شطبت عناوين زوجته المصرية وعناوين أولاده وبناته.. وكتبت عناوين أسرتها في مانيلا.. عاصمة الفلبين.. وتعاملت معه كطفل عمره شهران. كانت الزوجة المصرية تعرف ان الزمن هو اللص الوحيد الجريء الذي يسرق عقل الرجال في عز النهار.. ولا توجد شرطة قادرة على القبض عليه أو تقديمه للمحاكمة.. انه يسرق بريق العين. ورعشة القلب.. ومسام التنفس.. وسخونة الرغبة.. يسرق طعم الأيام وألوانها وأشكالها.. فتصبح الحياة رمادية.. وتصبح الزوجة ثكنة عسكرية.. كانت الزوجة تعرف ذلك.. وكانت تعرف أيضا ان الرجل في الخريف قد يعود للمراهقة.. لكن بشرط الا يفقد كيانه ولا يهدد وجود أسرته ولا كرامة زوجته. ان الحب ممكن في أي وقت.. في سنوات المراهقة .. في سنوات النضج.. في سنوات الشيخوخة والحكمة.. ولكن بشرط ألا نجرح الذين بيننا وبينهم مودة ورحمة.. ألا نجرح الذين عاشوا معنا أيام البناء والتكوين الصعبة.. فليس من الانسانية ان نأكلهم لحما ونلقي بهم في عرض الطريق عظما. فوجئت الزوجة بأن رقة زوجها تنقلب إلى خشونة.. وبلسانه الذي لم يخرج العيب وقد تحول إلى حديقة حيوانات تتسابق فيها الزواحف والثعابين, ولم يكن لديها تفسير لهذا الانقلاب الحاد سوى ان زوجته الفلبينية الصغيرة قد سحرته سحرا أسود, تصورت انها أخذته إلى بلادها وخرج منها كالخاتم في اصبعها.. لم يكن هناك تفسير آخر يمكن ان يرضيها سوى هذا التفسير.. ان تكون كل شياطين السحر هي التي حولت زوجها من قصيدة إلى مصيبة. وهو تفسير لا تؤمن به وحدها وانما تؤمن به كل زوجة في بلاد النفط وجدت زوجها ينصرف عنها ويتزوج فلبينية.. والعدد بالمناسبة ليس قليلا فالزواج من الاسيويات اصبح على ما يبدو ظاهرة تحتاج لفحص وتوقف ودراسة.. خاصة وان الاسيوية غالبا ما تكون الزوجة الثانية.. وغالبا ما تقدر على ان تجعل الرجل يهمل زوجته المصرية.. وغالبا ما يقع الاختيار على المصريين الذين يشغلون مناصب لها قيمة في الطب والهندسة والبنوك.. وغالبا ما يسارعن بالانجاب.. ليلدن جيلا من المصريين اسمر على اصفر.. وعيناه ضيقة. وهويته ضائعة.. وانتماءاته مشتتة. وتصوراته مهددة. لقد سمعت قصصا كثيرة عن فتنة الفلبينيات للاطباء المصريين في دول الخليج.. سمعت عن الزوجة الصغيرة التي عادت وعلى كتفها طفل رضيع بعد ان وجدت زوجها في الفراش مع مساعدته الفلبينية.. وعندما غضبت واعترضت اتهمها بالبرود والغباء والامية.. ووصف الفلبينية بانها تجيد التعبير عن نفسها بكل اللغات.. وسمعت عن شخصية مصرية في موقع مرموق ضحت بكل ما فيه مقابل البقاء الى جوار المرأة الفلبينية التي يعرفها.. واخشى ان تكون المأساة مستقرة في بيوتنا ومستشفياتنا بعد انتشار ظاهرة الخادمات والممرضات الاسيويات.. ولكننا لا نريد ان نكشف الغطاء عنها. تصورت الزوجة ان الحب الذي كان بينها وبين زوجها يحميها من غدر الزمن ويواجهه ويصرعه.. ولكن تصورها خاب.. وتصورت ان العشرة بينهما تكفي لوقايتها من الشرور والاهانات.. لكن مرة اخرى تصورها خاب.. فلم تجد مفرا من ان تطلب الطلاق.. لكنها كانت كمن يكتب فوق الماء.. او كمن يرسم فوق السحاب.. او كمن ينفخ في قربة مقطوعة.. فقد دخلت محاكم الاحوال الشخصية منذ 13 سنة ومعها 8 محامين.. ولم تخرج منها حتى الآن.. وكل ما حصلت عليه نفقة لا تزيد عن 500 جنيه شهريا.. عليها ان تنتظر تحويلها من الخارج عبر وزارة الخارجية.. واذا لم تأت فليس عليها سوى الصبر والانتظار والدعاء واللجوء لأولياء الله الصالحين.. ولو لم تكن من عائلة مستورة تركت لها ما يكفيها لكانت الآن تتسول في الطرقات. وبينما هي تنتظر النفقة المغموسة بالذل كانت زوجته الفلبينية تستمتع بكل ما شقيت هي في تكوينه الثروة.. القصور.. السفر في طائرة خاصة حول الدنيا.. لتفطر (الكروسون) الساخن في باريس.. والمكرونة (الاسبجيتي نابلوتان) في روما.. وتلحق بوجبة (مخ القرد) او (مخ الكلب) الشهيرة في بلادها.. وقد حكمت وتحكمت فيه وفي امواله التي جمعتها معه زوجته المصرية في الغربة على مدى سنوات طوال كان العرق فيها رفيقه والوحدة اقرب الناس اليها. بل اكثر من ذلك راح الرجل يصفي كل ما يمتلكه في مصر قصرا في طريق العربة في ضاحية هليوبوليس, 10 الاف سهم في البورصة.. مزرعة شاسعة في طريق القاهرة ـ الاسكندرية الصحراوي.. الارصدة المالية التي وضعها في البنوك لتأمين مستقبل اولاده.. لقد سعت الزوجة الفلبينية الصغيرة الى تجريد الرجل من لحمه فهل تلقى به حطاما عندما يصبح يا مولاي كما خلقتني وهل ينتظر هو هذه النهاية ولهذا السبب هو يترك زوجته المصرية على ذمته حتى تتلقفه؟ لكن رغم كل ذلك فإن الزوجة المصرية لا تريد منه سوى حريتها.. ليس لانها تحلم برجل آخر فهي على مشارف الستين.. وانما تريدها للحفاظ على ما تبقى من كرامتها ولو كان زوجها قد اختار حياته فما سر اصراره عل ان يعطل حياتها.. ان يتركها معلقة كالذبيحة التي تصفي دمها نقطة..نقطة.. كالبيت الوقف الذي لا يمكن بيعه او رهنه او تغيير مالكه.. حسب التعبير الشائع الذي اصبح جزءا من حياتنا العائلية والزوجية والعقارية. ويزداد الموقف صعوبة, وجود الزوج خارج مصر.. ان اجراءات الطلاق والزوج في مصر معقدة وشبه مستحيلة وتحتمل المراوغة وتستمر سنوات وسنوات.. اما اجراءات الطلاق والزوج خارج مصر فهي كارثة بكل المقاييس... كارثة يستمتع فيها الزوج بلذة غريبة وهو يعذب زوجته وكأن بينه وبينها ثأرا ودما.. وليس مودة ورحمة.. مجرد ان تطلب المرأة الطلاق حتى يفقد الرجل عقله وادبه وعفة لسانه ويصبح سوقيا.. وكأنه لم يتعلم في مدرسة.. او يقرأ كتابا.. أو يتربى في بيت.. ان ما أزعج هذه الزوجة واثار دهشتها هو تحول زوجها من رجل مهذب يتكلم بحساب.. ويتصرف بحساب الى رجل شرس لا يتردد في ان يقول كل ما يخطر على باله من الفاظ مهينة لو لم يعاقب عليها القانون الجنائي عاقب عليها القانون الاخلاقي. ولو كان هذا مصير وقدر الزوجة فما ذنب الاولاد والبنات ان احدى بناته قد فقدت الثقة في نفسها وفي زوجها بعدما فعله الاب.. فكانت النتيجة انها كرهت حياتها الزوجية. واصبحت على شفا حفرة الطلاق.. لكنها حتى في هذه اللحظات الحرجة لاتجد ابيها الى جوارها لقد تعلمت حتى تخرجت في الجامعة ووجدت وظيفة لائقة وتزوجت عن حب واثمر الزواج اطفالا ولكن ما فعله الاب القى بظلاله على حياتها فكان ان شعرت باليأس والاحباط وتوقعت الفشل وبدلا من انتظار الفشل والطلاق بعد عمر طويل سعت هي اليه بنفسها ومن الان حتى لا تكرر مأساة امها.. ان الاباء يزرعون الحصرم والابناء يحصدونه ويمضغونه لكن المثير لكل علامات التعجب ان الاب لم يهتم حتى بخبر طلاق ابنته ولم يجد وقتا ليكون الى جوارها في تلك اللحظات العصيبة.. ان كل مايتصوره بعض الاباء هو ان ابناءهم لايحتاجون منهم سوى السيارة الجيب والبنطلون الجينز والحذاء الذي يبرق في الظلام لقد اعطينا ابناءنا كل مانملك الا الرعاية والحنان. لقد جاءت الي بطلة هذه القصة تسعى بعد ان نشرت مقالتي الاخيرة عن القانون الجديد للاحوال الشخصية لم تمانع في ان انشرها بالاسماء لكنني اخفيت ملامح ابطالها, فليس الهدف سوى ان نقدم دليلا جديدا حيا من لحم ودم على اهمية هذا القانون الذي تأخر طويلا والذي يعارضه الرجال لانه ببساطة يسحب منهم مستعمراتهم النسائية التي نهبوا فيها ثروات المرأة النفسية والجسدية والعقلية كما نهبت الامبراطوريات الامبريالية ثروات وشعوب العالم الثالث ومن ثم فالقانون الجديد هو قانون للتحرر الوطني اكثر منه قانون للتحرر النسائي فللمرة المليون لا يوجد مجتمع حر بدون رجل حر.. ولايوجد رجل حر بدون امرأة حرة.. ولكن من يسمع ومن يفهم. ان المرأة المكسورة الحزينة قد تصلح ارضا لاستيعاب الدراما التلفزيونية والافلام السينمائية ولكنها لاتصلح ارضا لاستنبات الاطفال وتربيتهم ورعايتهم والمحافظة على سلامتهم النفسية وصحتهم العقلية, المرأة المزهوة السعيدة هي الوحيدة التي تصلح لهذه المهمة.. وعندما يعاملها الرجل بمزيج من الاهمال والاهانة فانه لايفقد فقط رجولته وشهامته وهويته وانما يتحول الى كناس في البلدية ايضا. لا احد منا يقف مكانه ... ولا الكرة الارضية التي نعيش عليها تقف مكانها .. وفي كل دقيقة تحدث تحولات خطيرة في جهازنا العصبي وفي واقعنا الاجتماعي ... فلماذا نصر على كل شيء في مكانه جامدا .. لماذا نقفل الابواب والشبابيك علينا وندثر بالبطاطين الصوفية ونقرأ موسوعة الف ليلة وليلة ونتصور انه ليس في الامكان اروع مما كان .. هذه كارثة .. مأساة .. مصيبة ... لكن اغلب الناس لايعلمون .. بل انهم بما هم فيه يتباهون. * كاتب مصري