رغم الكلام الكبير والكثير والمثير في العالم العربي عن السلام مع اسرائيل فإننا فيما يبدو ننظر الواقع ولا نراه, فبعد انسلاخ 21 عاما على المعاهدة المصرية مع اسرائيل وسبعة اعوام على اوسلو وستة اعوام على (وادي عربة) ومرور الذكرى الثالثة والثلاثين للعدوان الاسرائيلي الذي نتج عنه احتلال سيناء والضفة والجولان لم يعد وضع اي ارض من الاراضي المحتلة الى ما كان عليه قبل الخامس من يونيو من عام 1967, فالضفة الغربية لنهر الاردن والجولان لاتزالان حتى اليوم تحت الاحتلال, واذا كانت سيناء قد اعيدت الى مصر بموجب المعاهدة المصرية الاسرائيلية فان اعادتها كانت مصحوبة وفقا للمعاهدة بشرط.. هو ان تكون منطقة منزوعة السلاح مما يجعل السيادة المصرية عليها منقوصة بهذا القدر, والى هذا كله اضف الاحتلال الاسرائيلي لشريط ارضي في الجنوب اللبناني. (لا عودة لحدود ما قبل 5 يونيو 67) شعار اسرائيلي صار من الثوابت (القومية) ولا يهم انه ينبثق بالنسبة لفريق في القادة الاسرائيليين من منظور (توراتي) او بالنسبة لفريق آخر من منظور امني. انطلاقا من هذا الشعار الاجماعي أقبل ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي على عملية التفاوض مع الجانب السوري التي انتهت جولتها الثانية الى طريق مسدود, وربما نتساءل لماذا حاق فشل اولى بهذه العملية التفاوضية اذا كان من المعلوم ان الجانب الاسرائيلي قبل الدخول في التفاوض مع السوريين على اساس قبول الانسحاب من ارض الجولان. لقد كان الشرط الذي تمسكت به دمشق بصلابة لقبول التفاوض مع تل ابيب هو ان يستأنف المسار التفاوضي من النقطة التي انتهى اليها في عهد حكومة الزعيم الاسرائيلي الراحل اسحاق رابين.. وهو موافقة اسرائيل على الانسحاب من الجولان, ونعرف الان انه في سياق اتصالات سرية بين دمشق وتل ابيب عبر وساطة واشنطن قبل باراك اخيرا بالشرط السوري وما كان لمفاوضات (شيبردزتاون) ان تنطلق لولا رسالة شفاهية بهذا المعنى بعث بها باراك الى الرئيس الامريكي كلينتون الذي ابلغها بدوره الى الرئيس السوري حافظ الاسد. ولكن ما ان انتهت الجولة الاولى من العملية التفاوضية حتى اتضح ان لعبارة (الانسحاب) لدى الجانب الاسرائيلي معنى غير المعنى العادي المفهوم ضمنا. فالانسحاب الاسرائيلي من الجولان كما يتصوره الجانب الاسرائيلي لا يعني بالضرورة عودة هذه الارض الى كامل السيادة السورية, وما يقترحه الاسرائيليون من (ضمانات أمنية) في الجولان وتعديلات في خطوط خريطتها يعني, اولا: ان تتحول ارض الجولان الى منطقة منزوعة السلاح.. ويعني ثانيا: ان الوضع الحدودي بين اسرائيل وسوريا لن يعود كما كان عليه قبل 5 يونيو 67. هذا هو ما دعا الجانب السوري الى وقف التفاوض اولا.. تم المطالبة ثانيا بتعهد اسرائيلي مكتوب بقبوله مبدأ الانسحاب الكامل دون شروط كشرط لاستئناف التفاوض. وهكذا تريد اسرائيل ان تبيع الاطراف العربية اوهاما باسم السلام, ولكن هذه المرة ربما يكون الموقف مختلفا فدمشق رأت واستوعبت التجارب الاسرائيلية مع الاطراف العربية الاخرى واستخلصت منها عبرة كما يبدو.