العلاقة بين الصحافة والوزارات والمؤسسات الحكومية سيئة, والثقة بينها معدومة, واللوم في ذلك يقع أولاً على هذه الوزارات والمؤسسات, من التي تتبرم بنقد الصحف ولا توضح الحقائق وتكتم المعلومات ثم تتهم الصحف بعد ذلك بالتحريض والتحريف وعدم الدقة الى آخر ما يمكن وتشاء من تهم, كالتي ذهب اليها مؤخراً بيان المكتب الفني لمعالي وزير التربية وهو يحاول الرد على انتقادات وجهت لبرامج وخطط واجراءات تربوية . شخصياً وجدت في بيان التربية المذكور ايضاحات معقولة وردوداً منطقية ووقائع مقبولة ومقنعة لما أثير حول الهيكل التنظيمي ونظام المياومة وتأخر صرف رواتب معلمين وغير ذلك من قضايا كانت مثار تعليقات الصحف مؤخراً, وهي ردود مع ذلك قابلة للنقاش والبحث والرد, وفي ذلك سمة الحوار والاختلاف الذي لا يفسد للود قضية, طالما أن الجميع يسعى للصالح العام ولاظهار الحقيقة والمساعدة على اصلاح الخلل كلما وجد. غير أن البيان أفسد الود المعدوم أصلاً, كما أفسد القضية كلها لأنه بدأ بالهجوم غير المبرر على الصحف والصحفيين وفتح على نفسه النار مرة اخرى, لأنه سارع الى اتهام الصحف بما لا يليق, ليؤكد مجدداً سوء العلاقة بين المؤسسات الخدمية والصحف, وليؤكد أيضا التبرم من النقد والملاحظات والضيق الشديد منها الى حد عدم قبولها على الاطلاق. وهكذا فقد تمنيت لو اكتفى البيان بايضاح الحقائق كما تراها الوزارة وبالرد على الانتقادات والملاحظات وحتى الهجوم ذي الطابع الشخصي, فيما لو اعتبرت الوزارة ان هناك مثل هذا الهجوم, بالحكمة والعقل والتي هي أحسن من قول واثبات ودليل ومنطق, من دون الهجوم والاتهامات غير المبررة التي ساقها البيان للصحف, فخير وسيلة للدفاع هو الهجوم منطق لا يستقيم مع الصحافة, لأن عمل هذه هو ابداء الرأي والملاحظات والانتقادات, وليس أي عمل آخر, ومن دون ذلك لا تعود ثمة قيمة للصحافة. وتذكرت وأنا أقرأ بيان التربية مؤخراً مقابلة صحفية أجريت مع خبيرها الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وكأنه المتنبي من كثرة ما تعرض للهجوم والانتقاد الى حد الشتيمة أحياناً, حول خطط التربية وبرامجها خاصة رؤية التعليم ,2020 فوجدت فيما يقوله الرجل في المقابلة كثيراً من الصحة ومن المنطق, كما وجدت فيها ردوداً منطقية على ما أثير ضده من كلام, فيما هو كان ملتزماً باستمرار جانب الصمت, لولا تلك المقابلة. طبعاً الصمت من ذهب حين يكون الكلام من فضة, وهو ربما يكون فضيلة من الفضائل حين يتعلق باتقاء الشرور مثلاً أو الفتن, غير أنه في الشئون العامة التي تتعلق بأحوال الناس وأمورهم, كشئون التعليم مثلاً, يصبح دليل خطأ وتهرب وضعف وتآمر وتخبط وكل أمر سيئ آخر, فلا يعود من مهرب سوى الكلام والحديث والحوار, خاصة مع ما تثيره الصحف لأنها قنوات صحيحة للايصال والتوصيل ما بين الذي يقدم الخدمات وما بين الذي يتلقاها. وهكذا فقد تمنيت مثلاً, كما تحدث الخبير في مقابلة صحفية, ان يتحدث المسئولون في التربية باستمرار للصحافة, من الوزير حتى الخفير, كل في اختصاصه ومجاله, للرد على الاستفسارات والانتقادات أولاً بأول, وبعقد مؤتمرات صحفية مثلاً كل حين لاتاحة الفرصة امام الصحفيين لنقل استفسارات الرأي العام وتلقي الردود عليها بشجاعة, لأن ذلك من الوسائل الكفيلة بردم الفجوة بين الوزارات والمؤسسات من جهة والصحافة من جهة اخرى, كما ان الكلام وحده هو سبيل معرفة الحقيقة, لا الصمت, لأن الصمت هو الذي يكون من فضة هنا بينما الكلام من ذهب.