رغم تفاهة مسرحية السلام وهبوط مستواها الفني بسبب افتضاح ادوار اللاعبين الذين يتشبثون في اصرار يثير السخرية بخيوطها الواهية ويتغنون بمستقبل وردي للشعوب المأخوذة بالمفاجأة, ويوهمونها بأن تواقيعهم السحرية على تلك الاتفاقيات ستذيب في لحظة تاريخية ركام العداوات والضغائن والأحقاد , ويخرج بعدها الاسرائيلي بسيارته من تل ابيب ليتمتع بعطلة نهاية الاسبوع في شرم الشيخ او يخرج العربي من دمشق او القاهرة او عمان ليتسوق في القدس, ويكون للفلسطينيين ارض وجوازات سفر, ويكون ويكون, ولكن قراءة فاحصة ومتأنية لما يجري ويحاك, واخضاعه لسنن حركة البشر ومعطيات المستقبل تكشف عن غد آخر يختلف عما يبشر به الانطباع المبدئي لما يسمى سلاماً, هناك ثلاثة ابعاد للقضية يجب التركيز عليها حتى تعطينا (رؤية) لما يمكن ان يحدث بعد الاتفاقيات. البعد الاول: الرؤى التي تحكم مواقف الاطراف التي تعنيها الاتفاقيات, وهي: * الادارة الامريكية: ومن ورائها ذيلها الاوروبي, باعتبارهما الحليف الأعظم لاسرائيل.. وايضاً (الصديق) الثقة للعرب والمسلمين ممن يظنون ان (جميع الاوراق لحل المعضلة المستعصية) بيدها وحدها, هذه الادارة تلقي بثقلها في عملية اقرار السلام في المنطقة ــ كما هو شأنها دوماً ــ لضرب عشرين عصفوراً بحجر واحد, فمن تلك العصافير: * تكريس مفهوم سيادة العصر الامريكي وقيادة الرأس الأوحد بفرض الهيمنة الامريكية على العالم من خلال املاء الافعال على الدول. * درء المخاطر المحتملة عن الحليف الاستراتيجي والابن الدعي في أكثر مناطق العالم سخونة وتوتراً. * تقليم اظافر الاعداء الاستراتيجيين الجدد (المسلمين) وابقائهم ارانب في حظيرة يتسيدها هر يتضور جوعاً وتعطشاً للدماء. * احكام السيطرة على منابع النفط بزعم حمايتها. * قطع الطريق على الحلفاء وافهامهم ان الدخول الى المنطقة لن يتم الا من خلال البوابة الامريكية. * تمويل الخزانة الامريكية من صفقات السلاح الذي يباع للعرب ولا يجدي حتى في البط البري, او للاستعراضات القومية. وهناك عصافير اخرى لن نسهب في سردها لانها اوضح من ان تخفى على رجل الشارع العادي. * اسرائيل: القطعة الدخيلة في اللوحة الفسيفسائية المتناغمة, بيد ان (ارض الميعاد) في وجدان قيادتها وحاخاماتها,, وعد مقدس تحتمه نبوءات السماء, وامل قديم سعت يهود وخططت من اجله, والمدهش حقاً انه رغم يقينهم بأن السلام لن يستتب ولو ابرمت مئات الاتفاقيات بل سيبقى المسلمون اعداء حقيقيين حتى يأتي اوان ملحمة (هرمجدون) التي يرقبونها ويرون فيها ذريعة لاستئصال شأفة اعدائهم (الاميين) الى أبد الآبدين.. الا ان ما يدفعهم الى مسايرة قطيع السلام الهائم على وجهه امور منها: * ايجاد صك براءة شرعي لعدوانهم السافر, يكتبه اصحاب الارض انفسهم بدماء جراحاتهم النازفة بفعل السيف الاسرائيلي. * تحويل استراتيجية الصراع وطبيعته من عدو واحد معزول في محيط من الاعداء في صراع عسكري الى مجموعة من الصراعات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية, واطلاق يدها لبث الفساد في الشعوب المغلوبة على امرها حتى لا ترجى منها فائدة ولا يقام لها وزن. * توسيع نطاق السيطرة على المنطقة من خلال قيادات تزرعها الايدي الخفية لكي تنفذ مخططات اسرائيل وتعمل على تحقيق مصالحها وتدور في فلكها السياسي والاقتصادي. * انعاش الاقتصاد الاسرائيلي ذي الموارد المحدودة, ولأن المساعدات الامريكية مرشحة للتوقف لأن دافع الضريبة الامريكي سئم من تحمل اعبائها, فإن التسول اليهودي الذي يرتدي البزة العسكرية على الرصيف الامريكي والاوروبي ويولولون بالشكوى من حالة الحرب وكثرة الاعداء, سيستبدل (بجزية) تتحمل اعباءها دول المنطقة (الغنية) كثمن للأمن المصطنع. * اعتبار الاتفاقيات مرحلة مؤقتة تنتهي بنهاية الظروف التي حتمتها, والتحضير اثناء ذلك بصمت حتى يحين الوعد المنتظر. * الدول العربية: التي يفترض بداهة انها تنطلق من خندق واحد إلا ان الهلع من الانياب والمخالب الامريكية جعل منها اطرافاً لكل منها مصالحها الخاصة.. حتى انه لما بدىء بالجانب الفلسطيني, انزوى الباقون في خوف خجول وقالوا قولتهم التي فاحت بهتاناً ومهانة (السلام شأن فلسطيني) اما ما هو ادهى وامر فإن مواقف بعض القيادات لا تعبر عن رأي شعوبها, بل كانت تعبيراً عن مصالحها ومكاسبها الشخصية, ولهذا فقد عملت منذ اللحظة الاولى على تهميش الارادة الشعبية وكأن تلك الملايين من المشاعر والعقول والرؤى.. صفر لا شأن له. * الدول الاسلامية: التي تمثل العمق الاستراتيجي في الصراع وقفت معظمها موقف المتفرج, بينما القى بعضها الآخر بثقله من منظور الحق التاريخي والسياسي واوجدت لنفسها دورا يمكنها من خلط الاوراق اذا خرج عن مكاسبها المأمولة, والمكاسب هنا هي الوجه الآخر للاعباء والتكاليف التي يتحمل سدادها الدول العربية وحدها. * الامة العربية والاسلامية: ويمثلها اكثر من 50 مليون عربي واكثر من مليار مسلم, يعيش المسجد الاقصى في وجدانهم ويشعرون صباح مساء بحرارة الخنجر المغروس في خاصرتهم .. وتأبى زعاماتهم الا ان تذرهم صفرا لا شأن له, ولايملكون من الامر الا اصلاح انفسهم والتصديق بان الساعة لن تقوم حتى يقاتلوا اليهود, وحتى يقول الحجر والشجر يامسلم يا عبدالله, هذا يهودي ورائي تعال فاقتله. البعد الثاني: النظام السياسي العربي والاسلامي: وهو نظام متغير بتغير القيادات وبذلك فهو يفتقد الى ثبات المبادىء والمواقف كما يفتقد الى الرؤية المستقبلية لانه يتخذ قراراته بفردية وليس من خلال نظام مؤسسي, ومثل هذا النظام من شأنه ان ينهار بتغير الظروف والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي اوجدته. البعد الثالث: طبيعة الصراع: الذي لم يكن في يوم من الايام صراعا بين دولة ودولة او شعب وشعب, ولم تفرضه مصالح سياسية او اقتصادية او اجتماعية عرضية, كما انه صراع لايحمل في داخله بذرة تسويته وانهائه, انه نتاج طبيعة عدوانية مغروسة في النفس اليهودية وتكرسها الكتب المزعومة عندهم, وهذه العداونية الابدية التي اثمرت في الماضي بما فيه التاريخ الحديث قلاقل ودسائس وافسادا عريضا حيثما وطئت اقدام اليهود . لن تتوقف اليوم ولا غدا مهما ابرمت من مواثيق وعهود واتفاقيات يسهل النكوص عنها لاسيما اذا كانت هشة منخورة كاتفاقيات السلام, حتى تشبع نهمها وتعطشها الى خيانة العهود وسرقة حقوق الآخرين واذلال الشعوب حتى لاتحكم الارض وما عليها الا بشريعة التلمود, ولايكون بقية البشر الا عبيدا لهم. ان محاكمة اتفاقيات السلام الى (1) هذه الابعاد التي تلقى بظلالها الثقيلة على ارضية اتفاقيات السلام, والى (2) العوامل الموضوعية والتاريخية التي حكمت الصراع العربي الاسرائيلي منذ بدايته مهما جرى من الترتيبات في كواليس السياسة وغرف عمليات التجميل والجراحة لنصوص الاتفاقيات او لتلميع صورة المفاوضين, والى (3) قواعد الحق والعدالة بين بني البشر بما فيها تلك التي وضعوها واتفقوا عليها بانفسهم, والى (4) محك اختبار الاتفاقيات والعهود التي يكون اليهود طرفا فيها .. كل تلك الحيثيات تنبىء بان تلك الاتفاقيات تحمل في طياتها جرثومة موتها .. وانها تنتظر انهيارا مدمرا وان هذا البناء المجوف ليس اكثر من غطاء مزخرف لمستقبل يوعد بالجثث والدمار .. والدماء والبارود .. طال الزمان ام قصر.