وصول الاشتراكي (ريكاردو لاجوس) إلى قصر الرئاسة في التشيلي لم يكن طريقا مفروشا بالزهور, فقد كانت انتخابات الأسبوع الماضي الثالثة في تاريخ هذا السياسي المخضرم, كانت انتخابات عام 1988 الأولى بعد تخلي الجنرال الانقلابي اوجوستوبينوتشيه عن الحكم تحت ضغوط محلية ودولية, في تلك الانتخابات الأولى كان ريكاردولاجوس مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي للرئاسة, وكان يمكنه أن يفوز بها, لكن حرصه وحرص حزبه على نجاح الخطوة الأولى نحو الديمقراطية بعد سنوات الدكتاتورية جعلته يتنازل لصالح (باتريثيو الوين) مرشح الديمقراطي المسيحي, بعد توقيع تحالف بين مجموعة من الأحزاب الديمقراطية لإبعاد اليمين الفاشي عن الحكم نهائيا, لذا كان تنازله مطلوبا, على الرغم من الدور المشبوه للزعيم الديمقراطي المسيحي وحزبه في دعم انقلاب الجنرال بينوتشيه عام 1973ثم كانت فرصته الثانية في عام 1993 عندما فشل ريكاردو لاجوس في الحصول على موافقة أحزاب التحالف التي كانت تضم الأحزاب المعادية للفاشية, لأن التحالف كان يرى استمرار الحزب الديمقراطي المسيحي في المقدمة مطلوبا لإنجاح عملية التحول الديمقراطي, وحتى لا يصيب الجيش التشيلي القلق من وصول لاجوس إلى الحكم باعتباره امتدادا للرئيس المغدور سلفادور الليندي, الذي ذهب ضحية انقلاب الجنرال بينوتشيه, وفي تلك السنة تم اختيار (ادواردو فريح) كرئيس للدولة, ليكون ثاني رئيس بعد عودة الديمقراطية, التي كان الجيش يراقبها حسب الدستور الحالي الذي وضعه الجنرال والجيش ليضمن لنفسه حصانة مدى الحياة, ولا يستطيع أحد أن يطالبه قضائيا بتقديم كشف حساب عن الجرائم التي أمر بها وارتكبها بوليسه السياسي وبعض ضباط الجيش خلال فترة الدكتاتورية لكن التضحية من اجل تحقيق هدفه لم تكن أمرا غريبا على الرئيس التشيلي الجديد, وليس كذلك غريبا عنه مواجهة الفشل في السباق السياسي, الذي يعتبره جزءا من لعبة الديمقراطية, والتضحية, هذه المرة الثانية كانت للحيلولة دون استمرار الفاشية التي سيطرت على بلاده لأكثر من 17 سنة, بل أنه فشل في الحصول على مقعد برلماني في انتخابات عام ,1989 على الرغم من حصوله على عدد من الأصوات يفوق ما حصل عليه ممثل اليمين الفاشي (خايمي جوثمان) , الذي يعتبر أحد ابرز واضعي الأيديولوجية الفاشية التشيلية, وصاحب النظرية القانونية التي قام على أساسها دستور ما بعد الدكتاتورية العسكرية المعوق للحرية, ولأن قانون الانتخابات الذي وضعه الجنرال بينوتشيه قبل تخليه عن السلطة كانت فيه من الثغرات المقصودة التي تمنع وصول عدد كبير من ممثلي أحزاب اليسار إلى البرلمان لكن بعد 17 عاما من الدكتاتورية, وعشر سنوات من الديمقراطية المحدودة, وجد ريكاردو لاجوس نفسه في موقف لا يحسد عليه, لأنه وصل إلى أعلى سلطة في البلاد, فيما الجنرال الدكتاتور ينتظر المحاكمة في بريطانيا, فإذا كان ريكاردو لاجوس عاش في الماضي ضحية لممارسات الجنرال غير الديمقراطية, وكاد يفقد حياته اكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي, فان الضحية والجلاد من جديد وجها لوجه, ولكن بينهما جدار الديمقراطية, هذه المرة, الجلاد في حاجة إلى رحمة الضحية اكثر من حاجة الضحية لرحمة الجلاد, ولو تم الإفراج عن الجنرال في لندن وتمت إعادته إلى التشيلي فإنه سوف يواجه عددا من القضايا التي يبحثها القضاء بالفعل وتحت يديه من الأدلة مايدين الدكتاتور السابق, وهذه المرة لن يهرب من المحاكمة, إلا إذا قرر رئيس الدولة, وهو في هذه الحالة ضحية الجنرال سابقا التدخل بما له من سلطات لإنقاذ الجنرال من عذاب الزنازين الذي أذاقه للآلاف من ضحايا جبروته. هذه المرة الثالثة التي يدخل فيها السياسي الاشتراكي ريكاردو لاجوس السباق من اجل الوصول إلى مقعد الرئاسة في التشيلي, ولم تكن تجربة سهلة, بل كانت على وشك أن تكون تجربة مريرة جديدة من تجارب السياسي اليساري الذي لا يتعب, على الرغم من انه انطلق في بداية الحملة الانتخابية وخلال عام كامل كالحصان الرابح, وكانت كل التوقعات والاستفتاءات ترشحه كرئيس بلا منازع, بل ووصلت بعض التوقعات إلى أنه لن يحتاج إلى جولة انتخابية ثانية. لكن ظهر في الجانب اليميني الفاشي المرشح الشاب (خواكين لافين) , الذي تربى في أحضان سياسات الجنرال الانقلابي اوجوستو بينوتشيه, لكنه نجح خلال الأشهر الأخيرة من الحملة الانتخابية في استخدام (ديماجوجية) سياسية, جعلته يرفع شعارات اكثر تطرفا من اليسار التشيلي نفسه الذي انقلب عليه الجنرال بينوتشيه قبل سبعة وعشرين عاما, ونجح في إبعاد شبح الجنرال عن صورته بتخليه عن الدفاع عنه, لأنه يعرف تماما ان الأسرار أصبحت مكشوفة والدفاع عن الجنرال أمر يثير الشبهة ويفقده أصواتا يمكن أن تحرمه من الرئاسة. أيضا نجح في استقطاب فئات كثيرة من الجماهير المحرومة التي لا ترى في السياسة سوى تحقيق مطالبها الأولية والأساسية, دون النظر إلى الأيديولوجية التي يمثلها المرشح, وانتهت الجولة الأولى بنتيجة غير متوقعة بكل المقاييس, نجح ريكاردو لاجوس في الفوز بالمركز الأول ولكن بفارق 30 ألف صوت فقط عن مرشح اليمين خواكين لافين, لكن لم يحصل أي من منافسيه على النسبة المطلوبة للفوز بمقعد الرئاسة, مما كان ينذر بان الدورة الثانية من الانتخابات ستكون ملتهبة والصدام فيها محتملا بكل المقاييس, بل وإن نتيجتها ستظل حتى اللحظات الأخيرة تحت رحمة الأيدي التي تحصي عدد الأصوات في كل صندوق انتخابي.إلا أن ريكاردو لاجوس قرر في اللحظة الأخيرة تغيير تكتيكه الانتخابي, والاستفادة من دروس منافسه, فتخلى عن برنامجه كمثقف سياسي لينزل إلى حلبة رجل الشارع العادي ويتحدث لغته, ويحاول أن يقنعه بتأييده باعتباره الأمل الوحيد في إبعاد شبح الجنرال المقبوض عليه في لندن من التحليق على تلك الانتخابات, والتأثير على نتيجتها النهائية, وقرر أيضا استقطاب الأصوات النسائية التي تمثل نسبة تصل إلى أكثر من نصف عدد الناخبين في التشيلي, وذلك من خلال استقطاب وزيرة العدل في حكومة اتحاد يسار الوسط التي تتمتع بسمعة مشرفة, ودفع بها إلى خضم الحملة الانتخابية لتكون صوته النسائي. وأيضا رفع راية (قانون الطلاق) على الرغم من معارضة الكنيسة لمثل هذه القوانين التي ترى أنها ضد معتقدات الكاثوليكية, لكن صوت المجتمع أقوى من صوت الكنيسة في زمن معقد أصبحت العلاقات الإنسانية فيه محكومة بالعلاقات الاقتصادية, ولم يكن ريكاردو لاجوس في حاجة إلى دعاية ليؤكد دعمه لإصدار مثل هذا القانون لأنه في وضع اجتماعي يسمح له بذلك, لأنه مطلق سابق وزوج حالي رغم معارضة الكنيسة الكاثوليكية.من خلال هذه التوجهات الجديدة, استطاع أن يتقدم في تلك الجولة الانتخابية التي جرت الأحد الماضي بفارق ليس بالكبير عن منافسه, لكنه استطاع أن يحصل على النسبة المطلوبة لتوليه الرئاسة بفارق 200 ألف صوت, مما يعني انه استطاع أن يوسع الهوة ما بين شعبيته وشعبية منافسه اليميني خواكين لافين.لكن هذه النتيجة أيضا ليست كافية من اجل أن يقتنع الرئيس التشيلي الجديد بدوره كثاني رئيس يساري يصل إلى مقعد السلطة في بلاده, بعد سبعة وعشرين عاما من اغتيال سلفادور الليندي, الذي كان أول رئيس يساري في تاريخ التشيلي الديمقراطي الطويل, من هنا يمكن توقع أن تكون معارضة اليمين قوية, وان فترة الرئاسة ستكون جحيما دائما, خاصة أن المنافس السياسي اليميني شاب لا يزال في بداية حياته السياسية, ويتمتع بتأييد حوالي 48 في المئة من مجموع الناخبين, أي أن التشيلي لا تزال منقسمة ما بين اليسار واليمين بالنسب نفسها التي كان عليها الانقسام الناتج عن انتخاب الرئيس الليندي عام ,1971 والذي أدى إلى الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح به, ووضع البلاد تحت رحمة الدكتاتورية العسكرية طوال سبعة عشر عاما.لكن لا يبدو أن التاريخ سيعيد نفسه بعد هذه الانتخابات, وذلك لأسباب داخلية وخارجية, من الأسباب الداخلية أن اليمين لا يمكنه أن يقدم على تحريك العنف العسكري ضد الرئاسة الديمقراطية كما حدث عام ,1973 وذلك لان الحزب الديمقراطي المسيحي الذي أيد الانقلاب العسكري قبل سبعة وعشرين عاما يوجد الآن في التحالف الديمقراطي الوطني الحاكم الذي يمثله الرئيس ريكاردو لاجوس, ولا يمكن للكنيسة-التي تمثل تأثيرا كبيرا على الأغلبية الكاثوليكية في التشيلي - أن تؤيد اليمين بغير وجود الحزب الديمقراطي المسيحي كقوة رئيسية في المعارضة للرئيس الجديد. أيضا ان الرئيس المنتخب ريكاردو لاجوس استفاد من خبرته بعد الانقلاب الذي أودى بحياة سلفادر الليندي عام ,1973 وأيضا استفاد من التحولات المحلية والعالمية التي حدثت من حوله ليقدم وجها اشتراكيا اقل تطرفا من الصورة التي كان عليها خلال شبابه, لذلك فإنه قدم صورة أكثر تحررا من النظريات اليسارية, وأعلن اكثر من مرةانه يساري, ولكنه يساري في إطار الاشتراكية الديمقراطية على النسق الأوروبي, ويؤمن باقتصاد السوق المفتوح, لكنه ضد الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي استغلت دعوات العولمة لتسيطر على الاقتصاد الوطني في الدول الصغيرة, لذلك فهو يؤيد رقابة وطنية على اقتصاد السوق.أيضا هناك ظروف دولية تجعل من تحرك الجيش ضد رئاسة الدولة أمرا صعبا, فنجد أن التوازن القديم والحرب الباردة التي تم فيها انقلاب الجنرال بينوتشيه عام 1973بتخطيط وتمويل من الولايات المتحدة لم يعد موجودا, ولم تعد الولايات المتحدة في حاجة إلى إغراء الجيش للقيام بمغامرة عسكرية جديدة.الأوضاع في مجموع دول أمريكا اللاتينية تغيرت, وأصبح التوجه نحو التكامل الاقتصادي والسياسي مع الدول المجاورة مطلوبا, ومن هنا كان ارتباط التشيلي كدولة متضامنة مع مجموعة دول (ميركوسور) , وهذا يجعل أي تحرك من جانب الجيش أمرا صعبا لأن جيوش الدول المجاورة تخلت عن دورها القديم وعادت إلى معسكراتها.ربما كان وضع الجنرال اوجوستو بينوتشيه كسجين تحت التحفظ في لندن , ومطلوب محاكمته من عدد من دول العالم هو إحدى القضايا التي يجب أن يتعامل معها الرئيس ريكاردولاجوس بحرص, إلا أن إطلاق سراحه لأسباب صحية أو إنسانية يمكن أن يساعده على التخلص من هذه القضية الحساسة, وإن كان وجود الجنرال طوال عام ونصف تحت التحفظ في لندن, والزوبعة التي أثارها القبض عليه هناك خفف كثيرا من حساسية هذه القضية. بل يرى بعض المراقبين أن عودة الجنرال لن يكون لها صدى سلبي على المستوى الوطني,لأن التشيليين مؤيدين ومعارضين للجنرال تعبوا من المشاكل التي تثيرها قضيته, لذلك يمكن أن تنحصر عودته في صورة تدل على هزلية التاريخ أكثر من دلالتها على مأساوية الحدث, لأن الجنرال عند عودته سيجد نفسه وجها لوجه أمام المثقف الذي تحداه طوال سنوات, ونجح في الهروب من ماكينات الاغتيال التي كان يديرها ليكون الرئيس الذي يقرر مصيره.الرئيس والجنرال, أو الضحية والجلاد وجها لوجه, لكن هذه المرة الصورة بالمقلوب,الجلاد يطلب العفو من الضحية. (*) كاتب مصري مقيم في اسبانيا.