بدأ القرن الجديد بتحولات تكنولوجية تؤكد لنا ان الاتجاه المقبل في البشرية سوف يشهد تركيزا كبيرا على ادوات ووسائط تكنولوجيا الاعلام والمعرفة وانتشارها الى كل مجال. وقد شكلت اكبر صفقة في التاريخ بين شركة تايم وارنر وبين امريكا اون لاين والبالغة 183 مليار دولار بداية على هذا الاتجاه في المرحلة الجديدة التي يمر بها العالم والتي بدأت بوادرها في بدايات التسعينيات تنمو الحاجة لمزيد من الابداع في توسعة وتطوير شبكة الانترنت ووسائط التفاعل من خلالها ولكن الحاجة تنمو لتداخل عدة انواع وانماط من التكنولوجيا تشكل الانترنت روحها ومركزها. وبالفعل سوف يكون الحكم في كل دولة ومجتمع على مدى مقدرة ذلك المجتمع ومؤسساته الخاصة والحكومية في التعامل اساسا مع جوهر الانترنت الصاعدة. ففي الانترنت طبقات وطبقات من الابحاث والافكار التي تتطلب معرفة في كيفية الوصول اليها ومعرفة في كيفية التعامل معها, ثم معرفة في كيفية التأثير عليها.. عبر الانترنت سوف تزداد التعبيرات السينمائية والتجارية وصفقات البيع والشراء والتبادل والخبرات. من خلالها يتفاعل عالم متكامل وتتداخل حقول معرفة وملايين الناس وتيارات وسياسات وآراء. هذه الوسيلة المبدعة كسرت الحدود بين المجتمعات والدول, ولكن الاهم ان الانترنت تتداخل وعوالم السينما والتلفزة والاعلام والعلم والتعليم والتسلية, والاتصال والهاتف والبريد والتجارة اما الاساس الذي يوجه الانترنت فمرتبط بالبرامج (السوفتوير) ومدى تطويرها وتقدمها فهذه البرامج اصبحت جوهر الادارة والتقدم العسكري والاداري والعلمي والامني وغيره. واللافت للنظر ان الكثير من الافكار والاختراعات الخاصة بالانترنت بدأت في أوروبا, فالمخترعون الاوروبيون قدموا اهم الاختراعات الخاصة بالانترنت, لكن التربة الاوروبية لم تنجح في تطوير هذه الاختراعات, فأوروبا نسبة للولايات المتحدة ما زالت غارقة في هرميتها بطيئة في حركتها, تقليدية في وسائط ادارتها وفي عدم رعايتها للابداع الفردي.. لهذا كانت الاختراعات الاوروبية غير قادرة على النمو في اوروبا, اذ هاجرت مع مخترعيها الى الولايات المتحدة حيث تتوفر تربة تشجع على الابداع الفردي والارتقاء واللامركزية وعلى المجازفة والتجديد, وفوق كل شيء المنافسة المفتوحة, في البيئة الامريكية نشأت الانترنت وتطورت الاختراعات الاوروبية لتتحول الى سلسلة من التغيرات والتجديدات لا تقل عن اختراع الراديو والطائرة. وتزداد مخاوف الدول والمجتمعات وخاصة في اوروبا من عدم اللحاق بهذا الاطار الكبير. وبينما 50% من الافراد في الولايات المتحدة لديهم الانترنت في منازلهم نجد ان 12% من الافراد لديهم الانترنت في اوروبا. ان المدقق في الانترنت سوف يجد ان 75% من المعلومات والابواب والمواقع امريكية, وهذا يعني سيطرة امريكية اكبر على حركة المعرفة في العالم كما ان 95% من تعبيرات الانترنت باللغة الانجليزية, وهذا لن يتغير بالمدى المنظور. ويمكن القول ان الحروب الثقافية بين شعوب وحضارات تعني خسارة كبيرة لصاحب الثقافة الاقل قوة وتأثيرا اكانت هذه الثقافة عربية ام فرنسية ام يابانية, اذ لا معنى الان لمقولة صدام الثقافات, اذ لا يوجد مجال للتصادم ولا ارضية للتصارع المفتوح وذلك نظرا لاختلال الموازين.. ان الاساس اليوم هو الاعلام ووسائل الاتصال, وهذه اصبحت عالمية بكل الابعاد وتسيطر عليها اللغة الانجليزية على كل المستويات, لهذا فالثقافة التي لا تتقن التعامل مع هذه الابعاد سوف تتراجع في مكوناتها الاساسية وتضمحل قدراتها على التأثير. وهذا يعني ضرورة تنمية جيل جديد في كل مجتمع ثقافته المحلية لديها المقدرة على التعامل مع اكثر من عالم واكثر من ثقافة: اي مع الثقافة المحلية ثم مع الثقافة العالمية. ان هذه التطورات تخلق بطبيعة الحال ردود فعل عديدة, الرد الاول خاصة في العالم الثالث يأخذ طابع الاستلام لهذا الوضع والقبول بنتائجه ثم التراجع امامه والانغلاق. هذا امر نجده في مجتمعات عديدة تعتمد طريق الانغلاق على الذات, اما الرد الثاني فهو يأتي بعد اكتشاف مساوىء الانغلاق. ان الطريق الذي تتحدث عنه اوروبا ودول اخرى في العالم والقائل بضرورة فتح باب الاستثمار امام القطاع التكنولوجي على اوسع نطاق يشكل اساسا لزيادة حصة هذه المجتمعات في مجال التكنولوجيا ان اوروبا على وشك البدء بتعميم الحاسب الآلي في مؤسساتها وشركاتها, وعلى وشك ادخال الحاسب الآلي في كل فصل ومدرسة وكل منزل وعلى وشك البدء بتوسعة باب الاستثمار في مجال التكنولوجيا.. ويبقى السؤال الكبير: اين هي الحالة العربية من كل هذا؟ فان تخلف العرب في هذا المجال فسوف يعني هذا ان جيلا جديدا سوف يكون غريبا عن العالم, ان فرصة العرب في ردم الهوة واللحاق بالوضع الجديد لا تقل عن غيرها لكن هذا مرتبط بالارادة السياسية والادارية والثقافية للمجتمع ولمؤسساته. * استاذ بقسم العلوم السياسية ــ جامعة الكويت