في مقابلة منقولة بالبث المباشر من قناة CNN الفضائية العالمية قبل بضعة ايام تحدث جيمس روبن المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية مطولا عن دور الولايات المتحدة العالمي في نصرة حقوق الانسان وملاحقة الانظمة والمنظمات التي تخرقها. ومن بين المشاهدين الذين طرحوا اسئلة بالهاتف على الضيف الامريكي الكبير مواطن عربي مقيم في هولندا خاطب روبن قائلا: اذا كانت الولايات المتحدة كما تقول فلماذا تدعم بقوة انظمة استبدادية في العالم الثالث من بينها انظمة عربية؟ كانت اجابة المسئول الامريكي كما يلي: ان حرص الولايات المتحدة على حقوق الانسان لا يعني انها تخاصم العالم كله. ولذا فاننا نهتم بالمحافظة على علاقات صداقة مع الدول التي تبادلنا الصداقة وتحترم المصالح الامريكية. (المصالح الامريكية) اذن هي بيت القصيد ولا اريد ان انحرف الى نقاش تجريدي حول التناقض الازلي بين المبدأ والمصلحة. اريد ان احصر نفسي في الواقع الدولي المعاش. ومن منظور الواقع فان حديث جيمس روبن يتزامن مع بروز قضية الدكتاتور التشيلي السابق الجنرال اوغستينو بينوشيه مرة اخرى في بؤرة الاحداث الدولية. وبما ان الشيء بالشيء يذكر فاننا نطرح سؤالا: لماذا التزمت الولايات المتحدة السكوت ازاء هذه القضية منذ بدايتها في العام الماضي وحتى اليوم؟ نستذكر ان الجنرال بينوشيه اعتقلته الشرطة البريطانية بعد وصوله لندن في زيارة للاستشفاء. وكان الاعتقال بناء على مذكرة من القضاء في اسبانيا الى السلطات البريطانية يطالب فيها القضاة الاسبانيون بتسليم بينوشيه ليمثل امام محكمة اسبانية ليواجه اتهامات بالقتل والتعذيب يقال انها وقعت في عهد حكمه. لماذا اسبانيا؟ لان عددا من المواطنين التشيليين الذين قتلوا او عذبوا من اصل اسباني. وبعد ان اعتقل الجنرال ثار جدل عظيم انتهى الى صدور قرار قضائي بريطاني بتسليم بينوشيه الى القضاء الاسباني. ثم ان محامي الجنرال خسروا ايضا قضية الاستئناف. وفي هذه الاثناء انقسم الشعب البريطاني بقدر ما انقسم الشعب التشيلي ما بين فريق متعاطف مع الجنرال وفريق يطالب بالثأر منه. وما جعل القضية تطفو الى السطح مرة اخرى بعد خمود قرار نهائي صدر عن وزير الداخلية البريطاني يقضي بعدم تسليم بينوشيه الى القضاء الاسباني بناء على تقرير طبي يفيد بان حالته الصحية لا تسمح له بالمثول امام محاكمة. والجدل الذي استعر مرة اخرى على نطاق عالمي بعد صدور قرار الوزير البريطاني ولا يزال يتفاعل حتى اليوم تزامن مع حديث جيمس روبن المطول في قناة CNN الذي اطنب فيه في تزيين الدور الامريكي العالمي في حراسة قيم حقوق الانسان. واللافت للانتباه حقا ليس ما قاله روبن... وإنما ما لم يقله.. فقد تجاهل قضية بينوشيه تماما مؤكدا بذلك على سياسة السكوت التي التزمت بها واشنطن منذ ان تفجرت القضية عالميا للمرة الاولى. وليس من الصعب تفسير هذا السكوت المريب. فالجنرال التشيلي اوغستينو بينوشيه الذي تسلم السلطة بانقلاب عسكري عام 1973 هو اصلا صناعة امريكية. ومن هنا كان الحرج على واشنطن. فلو دفعته وايدت تقديمه الى محاكمة في اسبانيا فان ملابسات القضية قد تكشف العملية الانقلابية واسرارها باعتبارها تدبيرا ابتدرته وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. ولو دافعت عنه وعن مسلكه الاستبدادي فانها ستناقض مواعظها المعلنة عن قدسية حقوق الانسان. بينوشيه اسقط في السبعينيات حكومة منتخبة ديمقراطيا برئاسة الزعيم الاشتراكي الماركسي سلفادور اليندي لان اليندي شرع في تنفيذ برنامج لتأميم الشركات المفتاحية في تشيلي وفي مقدمتها شركات انتاج النحاس ومعادن اخرى وكبرى البنوك.. وكلها كانت في يد رأسمال امريكي.