لماذا اصبحت قراءة المستقبل العربي اشبه بقراءة الفنجان وفتح المندل وتحضير الجن والعفاريت؟ الجواب على هذا السؤال بسيط للغاية, فهذه القراءة التي يفترض فيها اقصى درجة من الجدية والعلمية اصبحت مرتعا للهواة الذين يقفزون على الماضي ويتجاهلون حقائق الحاضر ليقدموا تنبؤات اقرب الى التكهنات تماما مثلما تفعل قارئة الفنجان او قارئة الكف التي لاتسألك عن ماضيك او حاضرك ثم تسرد على مسامعك ما يرضيك في النهاية! ولعل مايغري على تشبيه قراءة المستقبل العربي من الهواة بقارئات الفنجان من المحترفات, هو ما نقره ونسمعه ونشاهده في وسائل الاعلام العربية عشية انتهاء الالفية الثانية, من مقالات وحوارات تحوي تنبهات عديدة لمستقبل العالم العربي في القرن الجديد فالشبه كبير جدا بين اطروحات مدرسة المستقبل الهلامي وبين مدرسة قراءة الفنجان فأبناء المدرستين ـ رغم تباين المستوى الثقافي ـ يتجاهلون ربما عن عمد احيانا وعن جهل في اغلب الاحيان حقيقة ان قراءة المستقبل لابد ان تنطلق من قراءة جيدة للماضي وفهم مستنير للحاضر. وللدلالة على ماسبق نسوق مثالا واحدا لما يقدمه قراء المستقبل على الطريقة الفنجانية للاعلام العربي في القرن المقبل, وبداية يجب ان نتفق على ان مستقبل الاعلام العربي لايمكن فصله عن المستقبل العربي بصفة عامة, كما ان هذا المستقبل تحدده عوامل كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية ويحدده اكثر ماضي الاعلام العربي وحاضره يقفز قراء المستقبل على كل هذا ليبشروا بعهد اعلامي جديد ترتفع فيه رايات الحرية. فمع كل انفراج ولو محدود في حرية الصحافة في بلد عربي ما تتسابق الاقلام للحديث عن اتساع هامش حرية الاعلام, وتؤكد ان القرن الجديد الذي ستزداد فيه السماوات انفتاحا سوف يكون قرن حرية الاعلام العربي. هذا التصور في رأىي هو من قبيل التنجيم الذي لايستند الى حقائق الماضي والمشهد الاعلامي العربي الراهن فالسيناريو المتفائل بازدهار حرية الاعلام لايدعمه مامر في تاريخ الاعلام العربي من نكسات كثيرة جعلته ابعد ما يكون عن الحرية, كما لايدعمه مايحدث في الوقت الحاضر من تضييق لهوامش الحرية في غالبية الدول العربية ومن ابتعاد عن مصوغات هذه الحرية. سيناريوهات ضبابية في مقابل القراءة المتفائلة التي ـ كما ذكرنا ـ اقرب الى قراءة الفنجان فإن القراءة العلمية لمستقبل الاعلام العربي وعلى الاخص على مسار حرية هذا الاعلام, تبدو غير مبشرة بالمرة, فجميع السيناريوهات التي يمكن وضعها لمستقبل حرية الاعلام العربي تنتهي من حيث تبدأ. وينطلق السيناريو الاول من حقيقة ان الاعلام الحر لايمكن ان يقوم في ظل الارتباط القائم حاليا بين الحكومات العربية وبين وسائل الاعلام هذا الارتباط الذي بدأ منذ ظهور وسائل الاعلام الاولى في العالم العربي حيث تسابقت الحكومات للسيطرة على كل منافذ التعبير في المجتمع بما فيها المنافذ الجماهيرية ويؤكد التراث التاريخي لاساليب التعامل مع وسائل الاعلام ان وسائل الاعلام العربية على اختلاف انواعها ومسمياتها قد ولدت ونمت وترعرعت في كنف السلطة السياسية, واذا كان المثل العربي الذي يقول (من شب على شيء شاب عليه) صحيحا فان الاعلام العربي لايستطيع ان يعيش بعيدا او بمعزل عن الحكومات العربية, ومن المشكوك فيه ان تكون هناك وسيلة اعلام عربية تصدر داخل العالم العربي دون دعم حكومي مباشر او غير مباشر فالحكومات هي التي تنفق على وسائل الاعلام. وبالتالي فإن من يملك يحكم! واذا كانت بعض الدول العربية قد عرفت في الربع الاخير من القرن العشرين ظاهرة الصحف غير الحكومية عندما رفعت بعض الحكومات يدها على استحياء عن اصدار بعض الصحف التي سمحت باصدارها لاحزاب سياسية, فان هذه الصحف الجديدة لاتستطيع منافسة صحف الحكومات الغنية بالاموال والكفاءات الاعلامية ويشير الواقع الى ان الصحف الكبرى في كل الدول العربية تقريبا مازالت مملوكة للحكومات وبالقطع فان الحكومات ليست مستعدة للتفريط في هذه الملكية مهما كانت مغريات الخصخصة والسمعة الدولية. واذا كان الامر على هذا النحو مع الصحف التي لايتعرض لها سوى المتعلمون فان احتكار السلطة السياسية لوسائل الاعلام يبدو اوضح واشد مايكون مع الاذاعة والتلفزيون ولايشير المستقبل المنظور الى تغير جوهري في هذا الاطار فاذا افترضنا ان بعض الدول العربية قد سمحت او سوف تسمح في المستقبل بصدور صحف مستقلة عن الحكومة ولو من الناحية الشكلية, فان قيام محطات اذاعية وتلفزيونية مستقلة, حتى ولو شكليا, عن الحكومة يبدو مستحيلا فالعالم العربي لم يجرب في تاريخه الحديث وجود محطات اذاعية وتلفزيونية مستقلة اذا استثنينا تلفزيون المستقبل في لبنان ومحطة الجزيرة في قطر, ولكل منهما خصوصيته وعلى هذا لايمكن ان نتوقع قيام اعلام حر في ظل احتكار الحكومات لوسائل الاعلام الالكترونية. ان سيناريو المستقبل في ظل ماسبق من حقائق يشير الى مزيد من الانغلاق الاعلامي, وليس الانفتاح للحيلولة دون التدفق الحر للمعلومات في المجتمعات العربية, ولن تعدم الحكومات مبررات اخلاقية ودينية جاهزة لتبرير ذلك. ولاشك ان استمرار زواج المصلحة بين الحكومات العربية ووسائل الاعلام يصب في صالح الرؤية المتشائمة لمستقبل الاعلام العربي التي لا تتوقع ان يسير في القرن المقبل في اتجاه الحرية, وانما في الاتجاه المعاكس خاصة اذا اخذنا في الاعتبار ان تحقيق حرية الاعلام في مجتمع ما لايمكن ان يتم الا بعد ان تكتمل لهذا المجتمع اضلاع الحرية الاساسية, فحرية الاعلام هي الحرية المكملة للحريات الاخرى التي ان لم تتحقق فلا امل في تحقق حرية الاعلام فالمجتمعات التي تتمتع فيها وسائل الاعلام بالحرية لم تحقق ذلك الا بعد ان اقرت وحمت الحريات الاخرى المرتبطة بحرية التعبير. وتؤكد التجارب العالمية ان حرية الاعلام هي محصلة الحريات الاساسية بما فيها الحرية السياسية والحرية الاقتصادية, ولذلك فإن التوقعات التي تتحدث عن خصخصة وسائل الاعلام العربية ـ على سبيل المثال ـ في القرن المقبل على غرار خصخصة مصانع الملابس والالبان, تتجاهل خصوصية صناعة الاعلام في العالم العربي كما تتجاهل ان النظم الاقتصادية المتبعة في غالبية الدول العربية لازالت تعطي الاولية لفلسفة القطاع العام وفي ضوء ذلك لايمكن ان نتوقع قيام اعلام عربي حر في القرن المقبل مالم يسبق ذلك اقرار للحريات الاخرى وحماية هذه الحريات, والا فإننا سنظل ندور في دائرة وضع العربة امام الحصان. ان ما نطرحه هنا وان كان يميل الى التشاؤم يؤكد الحاجة الماسة الى تفعيل دور مراكز البحوث ودور الجامعات العربية في دراسة المستقبل العربي بجميع ابعاده دراسة علمية موضوعية, وهو جهد يفوق طاقة الافراد ولا بد له من مؤسسات وهي كثيرة لحسن الحظ في العالم العربي تكون قادرة على تقديم رؤى للمستقبل يستفيد منها صانع القرار في رسم السياسات المستقبلية القائمة على العلم وليس على قراءة الفنجان * قسم الاعلام والعلاقات العامة ـ جامعة عجمان