منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن مشغولون بمسألة الانتماء لدى انسان المجتمع العربي, ذلك ان الانتماء يعتبر محوراً مفصلياً يكشف الكثير عن الآلية النفسية التي تتحكم في علائقية المجتمع بأفراده, وما زال الكثيرون ينظرون الى الانتماء على انه يخص الجانب السياسي وتجلياته في قضايا الصراع مع أعداء المجتمع الحقيقيين أو الوهميين , في حين انه يتجذر في كافة الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية, ذلك ان تثوير الانتماء او استنفاره عبر خطابات حماسية قابل للتراجع او التعطل بعد انتهاء الخطر الخارجي او تهدئة وتيرته الصراعية, في حين ان الانتماء الذي نتقصده هو الجانب المستقر في البنية العقلية والشعورية لتكوين الفرد. وليس تعسفاً اذا قلنا ان العمود الفقري لموضوعة الانتماء في عالمنا العربي يستند على قاعدة صلبة من العاطفة والرومانسية, والتي غالباً ما تنتهي بنكوص عند اول تقصير من قبل الوطن ورموزه, نتيجة هيجان ذاكرة الفرد المثخنة بعدم التماثل بين الشعارات والتطبيق, لذلك فإن حالات الصلح التي يمارسها الوطن على طريقة ذر الرماد لا تشبع جوع الفرد الى الاحتواء والاحتضان, مما ينتج عنه غيبوبة الانتماء بسرعة غير متوقعة. طرفا الانتماء والانتماء يصيغه طرفان احدهما الوطن وما يملكه من ارض وبشر ومؤسسات وتاريخ وعادات وتقاليد وقانون ونظم الثواب والعقاب وطرق النظر الى الذات والموضوع, والآخر هو الفرد الذي يتكىء في تكوينه على ركيزتين أساسيتين الاولى هي الهيكل الداخلي للشخصية الذي هو حصاد التربية المباشرة للأسرة وما تبثه من ضوابط داخلية تجاه الافكار والممارسات مع ما عداها من اطراف, اما الهيكل الخارجي فيبدأ بروزه على أيدي المجتمع من رفاق وأنشطة ومؤسسات وظيفية وابداعية, فضلاً عن الوضع الاعلامي المناط به صياغة الوطن في ذهن الفرد. وفي بادىء الأمر يبدو الفرد مستسلماً لخطاب الأسرة, الى ان ينتقل هذا الخطاب الى دائرة أوسع سواء خلال مراحل التعليم او نطاق الوظيفة, وبما ان المجتمع هو المعمل الاخير للخبرات العقلية والنفسية فإن الوعي بالانتماء يبدأ من خلال خطاب اجتماعي يضغط باتجاه ضرورة العطاء الشعوري للوطن, لكن منذ ان تراجعت مشاريع النهضة, والهوية العربية الواحدة بكل أدبياتها السياسية والدينية والثقافية, فإن الانتماء اصبح يصاغ من اجل التخندق امام بلاد اخرى من نفس المنظومة العربية, ولا شك ان هذا الانكفاء المجتمعي علت نبرته ابان حرب اكتوبر وما صاحبها من تحولات انقلابية على ثوابت الأمة وتوجهات اعلامية مؤدلجة ومحيرة, ومع ذلك يبقى هذا الكلام بمنأى عن مبتغانا, فلقد ذكرناه على سبيل السياق, وليس من قبيل الهدف المنشود. فنقول ان الانسان ما ان ينضج حتى تتكون لديه الذات الانسانية بكل مطالبها والحاحاتها, لذلك يبقى الانتماء رهناً بأول اختبار قرابة عصبية بين الفرد ووطنه, وهو نوعان, احدهما داخلي, والآخر خارجي, او ما يسمى بالمغاير الجغرافي, اما الاول فيتبلور من خلال استحالة الفصل بين طموحات الفرد بوصفه كائناً بيولوجياً له حاجات أولية حياتية لا بد من تلبيتها, وبوصفه انساناً له مطالب نفسية وعقلية من الضروري اخذها في الاعتبار, ومن غير الممكن فصل ذلك كله عن مشروعية الانتماء, ذلك انه كلما زاد وعي الفرد بذاته انحسرت عن اهتماماته اي معطيات جغرافية او حضارية او تاريخية لا تنمي فيه تلك الذات. لذا قال علماء الاجتماع ان الانتماء علاقة عضوية بين شخصية الانسان ومصدر نموها الحضاري والانساني, فالعلاقة بين الفرد ووطنه علاقة تعاقدية, وهي المعضلة التي لم يتنبه لها القائمون على أمر الاوطان, فما زال الوطن هو الأغنية الحماسية واليافطات الاعلامية والصور الجاهزة عن عظمة الوطن, ولذلك ليس مستغرباً ان يقع الفرد في مأزق الاغتراب, بين وطن لا يكف عن اعلان تقدمه وحاضره المبهج, وبين احلام الفرد التي لم تبرح يقظتها. الاغتراب واللامبالاة والاغتراب انتاج وطني محض, فأنت وحيد وسط الزحام, وعطاؤك على مضض, لا يخرج عن نطاق الضرورة المعيشية (أكل عيش) ويتجلى الاغتراب من خلال بعض الممارسات المتعلقة بالانتماء, فعلى سبيل المثال اجرت (جماعة تنمية الديمقراطية) دراسة ميدانية في مصر حول معدلات المشاركة السياسية فكانت النتيجة ان 88% من أفراد العينة ليست لها اي مشاركة سياسية, وان 98% من المواطنين لا ينتمون لأي نشاط عام, والنتيجة كما نرى تعبير صارخ عن مدى مكانة الوطن والانتماء لدى الفرد, ولا تفوت نباهة القارىء ان عدم وجود ديمقراطية حقيقية يمكن للفرد من خلالها ان يساهم في صناعة الوطن هي المنتج الفعلي لهذا الشعور العدمي. واذا كان هذا هو حل الديمقراطية السياسية, فما بالنا بالديمقراطية الاجتماعية وهي المناط بها صياغة (مواطنية) الانسان, واحقيته في استخدام قدراته في الوقت والمكان المناسبين, لكن صعود رموز الفساد والوساطات والعلاقات العامة وغير الاكفاء الى أعلى المراتب, فضلاً عن عدم جدية الروادع القانونية والأخلاقية التي تحول دون استمرار تجاهل القدرات, تصيب الفرد في مقتل, تارة باللامبالاة, وباللاادرية تارة اخرى. واللامبالاة حسب تعريف بعض علماء النفس, حالة نفسية لمن يظل محايداً عاطفياً ونفسياً امام حلول متعارضة مختلفة دون تفضيل احدها, وهي كما يقول الدكتور حسن حنفي في كتابه (قضايا معاصرة في الفكر المعاصر) عبارة عن انسان يفتقد الى الباعث على الحركة, او اتخاذ اي قرار ايجابي, ذلك ان قراره الوحيد هو (حرية اللامبالاة) تجاه ما يحدث حوله من تغيرات في الحوادث والاشياء, فهو من خلال تجارب سابقة قد اكتسب عدم الثقة وقدرته على الانفعال أو الجدل والصراع, اضافة الى عدم تحسين اهمية وجوده, وهذا ما نقلته لنا حكاية (بيوريدان) وهي اسطورة تحكي عن حمار وضع على مسافتين متساويتين من معلفين بهما نفس الكمية, فنفق الحمار, لأنه لم يجد الباعث على الحركة نحو أحد المعلفين, يتبين من ذلك ان الباعث مرتبط ـ حصراً ـ بسمعة التاريخ المرئي والمنظور للجدوى, فالحركة تجاه أي نشاط انتمائي يلزمها محرض يضمن لها عدم سرقة الجهد والافكار والمساهمات, او على الاقل اضفاء الاهتمام والتقدير على كل تضحية. اما (اللاأدرية) فهي مذهب فلسفي ينادي بانكار قيمة العقل وقدرته على المعرفة والمعاينة, أي القدرية المطلقة في أن كل شيء واقع لا محالة, ودون اي تدخل من طالب الانتماء, وبالتالي ليس من ضرورة لأي مشاركة او مؤازرة للوطن, وتأخذ اللاأدرية في المجتمعات مظهرين لا ثالث لهما, اولهما الاكتفاء بحرية التجارة وارتفاع معدلات الاستثمار والربح مقابل الاستغناء عن حريات اخرى, لذلك يبقى هذا النوع من ملامسة الانتماء مزعزعا لارتباطه بمدى العقبات التي يمكن ان تعيق دائرته الوحيدة, ينتج عن ذلك نشوء فجوة كبيرة بين المعدمين والمحرومين وبين أصحاب الحرية ذات البعد الواحد, فالطلاق النفسي والجبري لكل مظاهر الاوضاع السياسية والاجتماعية والانسانية في مقدوره انتاج عوازل طبقية تذهب بضرورة التواصل والمساندة والمواساة. وثانيها ان بعض المجتمعات تختزل الوطن الى مجرد رموز ودلالات روحانية وميتافيزيقية مثل الاضرحة والزار وتحضير الارواح, اذ تصبح هذه الوسائل, في غياب الشفافية والقنوات الشرعية او بطء العدالة أو تزييفها, هي الوسيط الملائم لكل شكايات الانسان, بسيطة وعاجزة ومقهورة, من أحلام وآمال منكسرة على عتبة الوطن النائي عن طموحاتهم, وينظر هؤلاء الى هذا العالم غير المرئي على أنه وطن الضد والخيال والحرية. الظل والهجير ولقد أثبتت بعض الدراسات لجوء الكثير من رموز الثقافة والوعي الى هذه الطرق لفك طلاسم الواقع او تبريره ليصبح الانتماء الى الظل بدلاً من الهجير, او الهجرة الى الداخل على حد تعبير الدكتور صلاح قنصوة, وغالباً ما يكون الداخل هو الاسرة حيث الخلاص الوحيد والانتماء المتاح. اما الاختبار الخارجي او المغاير الجغرافي آنفاً فهو يخص المجتمعات التي اجتاحتها ظاهرة المغتربين, والذين يقدرون بالملايين. وبما ان هذه النقطة تحتاج الى دراسة في حد ذاتها فإننا سوف نعرج عليها في عجالة على سبيل الاشارة. ان الحكمة القائلة:(ان السمك يعرف كل شيء عن البحر الا الماء) تعتبر مدخلاً قاصماً لظهر المعنى الاحتفالي والغنائي المروج له من قبل اجهزة الاعلام, خاصة اذا كان هذا المغاير يملك امكانات آنية ومستقبلية مريحة تسمح بنمو الذات ومرافقها الحياتية, ولقد تمخض عن ذلك حالة يسميها علماء النفس (انتقام الدونية) , وهي ـ كما يقولون ـ حالة ذات ضدين, احدهما ضد القهر الاجتماعي حيث اكتساب عادات استهلاكية مستفزة, وشراء سلع غير مألوفة, ولا مانع احياناً من تداول بعض الكلمات الانجليزية كدليل اضافي على ارتقاء المغترب طبقة غير التي أتى منها, والضد الثاني موجه للقهر السياسي حيث يصبح الوطن منحصراً في مدى تخفيض الضرائب والجمارك وارتفاع قيمة العملة الصعبة.. الخ. ورغم ان سخونة الانتماء غالباً ما تزداد لدى المغترب كدفاعات رومانسية ضد الغير, الا ان هذه الدفاعات سرعان ما تتكشف هشاشتها ازاء اول مطلب وطني, وفي هذا يقول الباحث محمد جواد رضا :(ان الدولة قد تطالبك بالولاء دون ان تعلمك ما هو عدم الولاء.. والسلطة تريد منك الالتزام دون ان تتفق معك على الفرق بين الالزام والالتزام وتريد منك الاخلاص دون ان تسمح لك بصدق النصيحة اساساً للاخلاص.. وقد يطلب منك الوطن اداء الواجب دون ان يوافقك على ان الواجب له مضمون اخلاقي يضبط ايقاعه) . وفي نهاية الامر يبدو ان العلاقة الضبابية بين الفرد ووطنه تستوجب غائمية الانتماء حيث انها غير محمية بالاقناع والاقتناع فالقانون, واذا كنا ننحاز الى المواطن في ارتباكه الانتمائي فذلك لأننا نعلم ان معظم مجتمعاتنا العربية مليئة بالخيرات وامكانات تمتين العلاقة التعاقدية مع افرادها, واذا كان الانتماء لا يزال يستدعى كقوانين الطوارىء, الا ان من في استطاعته ان يجبر الحصان على الشرب حتى لو قاده الى النهر كما يقول المثل الانجليزي. * كاتب مصري