محمد جابر الانصاري مفكر عربي من الطراز الفريد. وله مساهمات تأصيلية في العديد من قضايا الفكر والمعرفة. وهو غني عن التعريف بما يكفي, فلا ازيد سوى انه لو لم يكن بحرينيا لتمنينا ان يكون كذلك .في الفترة الاخيرة اثار د. الانصاري, كعادته دائما, قضية على قدر كبير من الاهمية والحيوية , حول التلفزيون او فلسفة الصورة. وملخصها (كما فهمتها انا على الاقل) ان عصر التلفزيون الذي نعيشه الآن, وابتداء من اللحظة التي بدأ فيها انتشاره الساحق اطاح بالكثير من الصور التخيلية التي طالما احتفظ بها الانسان في ذهنه, واعاد العقل الانساني الى مرحلة المحسوس والملموس والعياني. وهي كما هو معروف المرحلة الاولى في نشاط العقل البشري (قبل ظهور الفلسفة) والذي نجح فيما بعد للوصول الى اعلى درجات التفكير, اي التجريد. كما هو الحال مع الفلسفة والرياضيات والمنطق وخلافه. ولذلك فان الانصاري يطالب باعادة النظر في التعامل مع جهاز التلفزيون, بطريقة تجعلنا لا نستسلم له كليا, وبحيث نتخلى او نتنازل عما توصل له العقل البشري من اشكال متطورة (او راقية) للتفكير, ولا نتركه كليا ايضا, فنضحي بمنتج علمي حديث هو اليوم عيوننا الثانية على الحياة والاشياء. فنحن بهذه الطريقة الوسطية نتعرف على الحدود التي يمكن ان يكون فيها التلفزيون, او الصورة بشكل عام, مفيدة لنا, سيما في الامور التي نحتاج فيها الى الوصف والتحديد والتقرير. وكذلك نتعرف على الحدود التي يصبح فيها ضارا, وهي تلك المتعلقة بحاجة الانسان الى التخيل والتأمل والانتقال من الخاص الى العام ومن الجزء الى الكل, بهدف اكتشاف الكليات (او القوانين) العامة للحياة, الامر الذي ليس بمقدور التلفزيون ان يوقره, ان لم نقل انه يعطله. ولا سبيل سوى الاتفاق مع ما ذهب اليه د. الانصاري في هذا الصدد, فالظواهر التي يخلفها الاعتماد على الصورة سوف تترك آثارا على طريقة تفكير الملايين من البشر وعلى كيفية نظرهم ومعالجتهم لمختلف قضايا الحياة. غير اني اعتقد ان العامل الحاسم في تراجع الكلمة (ومن ضمن ذلك الفلسفة مثلا) او دورها في الحياة المعاصرة لصالح الصورة وانتشارها (عبر التلفزيون ومختلف اشكال المرئيات) لا يعود فحسب الى كون هذه الاخيرة, بما انها محددة في الاطار وملموسة في المضمون, انما تعمل على تقييد العقل والفكر وتحديده بحدودها, وانما يعود في الاساس الى طبيعة العصر الذي نعيشه ولمن تكون الغلبة والسيادة فيه, والتي هي للعلم بلا منازع. وبالطبع فإن التلفزيون هو في البداية والنهاية احد منتجات هذا العلم. اما الصورة فهي وسيلته (اي التلفزيون) الاساسية. يمكننا ان نذكر هنا هذه المفارقة الجديرة بالتأمل. ان الفلسفة منذ بداياتها الاولى (الفلسفات الشرقية والاغريقية) ثم اطوارها التالية (الفلسفة العربية الاسلامية) ثم في اطوارها الاعلى (الفلسفات الاوروبية) لعبت دورا اساسيا في التمهيد لتطوير العلم. وكانت القوة الدافعة وراءه. وسواء تعلق الامر بالرياضيات والمنطق والتحليل الرياضيين او بالفلك او حتى بالفيزياء وفروعها مثل الديناميكا, فقد كان للفلسفة الفضل في وضع الاساس الذي بنيت عليه هذه العلوم فيما بعد. بل في وقت من الأوقات لم يكن ثمة انفصال بين العلم والفلسفة, فالفيلسوف يجمع الى اهتمامه بالفلسفة, الرياضيات والطب والفلك والكيمياء وغيرها. وكانت هذه تدرس جميعها جنبا الى جنب. ونزيد بأن الادوات المعرفية المستخدمة في معالجة هذه الفروع كانت واحدة تقريبا, وهي المنطق والاستنباط. الانفصال بدأ يحدث تدريجيا مع تزايد اعتماد العلم, او قل تزايد حاجته الى استبدال الوسائل الفلسفية التقليدية في الوصول الى المعرفة العلمية, بوسائل جديدة تقوم على اساس التجربة والاستقراء. وكان ان ادى هذا الى انفصال العلوم التطبيقية وتشكلها كعلوم قائمة بذاتها. وبات هذا الانفصال تاما تقريبا في الوقت الحاضر مع تمكن العلم من امتلاك الادوات الخاصة به في مجال البحث والابتكار والاكتشاف. يجدر القول هنا ايضا بأن العلوم الاجتماعية والانسانية, او جدت لها هي الاخرى قنوات اتصال مبكرة بالأساس الذي قامت عليه العلوم التطبيقية, اي التجربة والدليل العلمي. ومع الوقت طورت اداءاتها الخاصة في ذلك, وانتجت ما نعرفه اليوم من نظريات ومناهج بحث حديثة. وهكذا وجدناها تنحو منحى اكثر التصاقا بالانسان, ومشكلاته, نظرا وتشخيصا وحلا وهذا هو شأن علم الاجتماع او علم النفس او التربية مثلا, والتي اصبحت تخضع لنظريات وقوانين مؤسسة على تجارب البشر وانماط سلوكهم وطرائق معيشتهم. اما الفلسفة فقد بقيت على حالها, في برجها العاجي, تهتم بالمنطق والتجريد والمقاولات.. الخ, وظل ميدانها الاساسي هو التأمل والتفكير الذهني, ولم يتم ربطها بالواقع او انزالها الى حيز حركته وفعله. ان الفرق بين ادائي البحث في العلوم والفلسفة, هو ان الاولى يمكن الركون الى النتائج التي تتوصل اليها, وامكانية اختبارها بشكل موضوعي وعملي. اما الثانية فهي عقلية بحتة ولا يمكن التأكد من صحتها او عدمه. فكل فلسفة (مقدمات ونتائج) هي خاصة بصاحبها, شأنها في ذلك شأن عملية التفكير نفسها, وللآخرين الحق في ان يوافقوه عليها او يعارضوه فيها. لكن لا احد يستطيع ان يزعم بأن هذه الفلسفة صحيحة, او تلك خاطئة. فمفهوما الصح والخطأ لا يمكن ان يطبقا على الفلسفة, بما انها جهد ذهني فردي, لكننا نستطيع ان نفعل ذلك في العلوم, لاعتمادها على معايير وقياسات موضوعية, يمكن وضعها باستمرار تحت مجهر البحث والتجربة, وللاطمئنان الى اتساقها مع ما تم التوصل اليه من اكتشافات ونظريات حديثة في مجالها. بالطبع لا يعني هذا ان الانسان بوسعه ان يتخلى عن جميع صور التجريد في حياته, وتفكيره. فالتوصل الى نظرية ما او صياغة قانون ما, هو في جوهره شكل من اشكال التجريد, والمعاني والمفاهيم والافكار لا يمكن التعبير عنها دائما, بصورها التعبيرية المباشرة. فنحن لا نزال نحتاج الى التجريد في المجالات الروحية وفي الفنون والادب, وغيرها من المجالات التي تعتمد على الرمز والتكثيف والاحالة الى الدلالات والماهيات. لكن الفرق يكمن في وظيفة هذا التجريد لخدمة اغراضه واهدافه, فكان ان اكتفى من الفلسفة بذلك, منطلقا في مسارات واتجاهات جديدة لم تألفها الفلسفة ولا تتفق مع جوهرها واساليبها. من هنا فإن اصرار الفلسفة على البقاء, في اطارها التقليدي كان لابد ان يؤدي الى تراجعها. وبعد انفصالها عن العلوم غدت ترفا ذهنيا, فكلوريا, تدرس في الجامعات ويتداولها بعض الخاصة, لكن لا تأثير لها على حركة الحياة او نشاطات الانسان. من الممكن ان نذكر هنا ايضا وان بصورة عابرة, ان الفلسفة في بداياتها كانت نشاطا يرمي الى اكتشاف حقيقة الانسان وحقيقة الكون المحيط به. وهي استطاعت ان تحقق قفزات تفكيرية كبيرة في هذا المضمار: تحليل العقل او النشاط العقلي, سبر اغوار النفس البشرية, وضع تصورات اولية لطبيعة الكون والمادة.. الخ لكن هذه النتائج وقفت عند حدود ما يمكن للعقل البشري ان يتوصل اليه بمفرده وبمعزل عن التجربة العملية. وهي بالرغم من اهميتها, فانها تبدو ضئيلة او بدائية, اذا قورنت بالاكتشافات والاختراعات التي انجزها العلم فيما بعد. فأي فيلسوف كان يمكن ان يظل طوال حياته, يفلسف ويجادل حول شكل القمر وعلاقته بالارض وموقعه منها, وما اذا كانت لديه نفس الخواص ام لا, وكان يمكن لفلاسفة آخرين ان يجادلوه ايضا فيما يقول, اتفاقا او اختلافا. لكن فقط حين صعد الانسان على سطح القمر, امكنه ان يكتشف حقيقته. فهو تمكن لاول مرة من رؤية سطحه ولمس ترابه والتعرف على حجارته. ولو لم يحدث هذا لظل الفلاسفة حتى يومنا هذا يتجادلون حول القمر. ان صورة القمر او صورة صعود الانسان على سطحه, توازي من حيث قيمتها المعرفية والفكرية, جميع المحاولات البشرية السابقة للوصول الى حقيقته. وهي (اي الصورة) وان اختزلت معنى هذا الكوكب وعينته, بوصفه جسما ماديا لا يختلف عن الارض, وبالتالي حرمت الكثيرين من متعة الخيال او التخيل, ووضعت حدا لتصورات كثيرة, دارت حوله منذ فجر التاريخ, الا انها من الناحية الاخرى اوصلت الانسان الى مرحلة اليقين فيما يتعلق بالقمر, او على الاقل جعلته انطلاقا لمعرفة اوسع واشمل واكثر علمية للكون. اعتقد ان ثمة نقطة جوهرية فيما يخص هذا الموضوع ربما تكون هي سبب التحذير الذي يطلقه الدكتور الانصاري بأعلى صوته, من سيادة عصر الصورة وحاضنته التلفزيون. وهذه النقطة هي التفاعل المتوقع للاعتماد المتزايد على المرئي والمحسوس, على الاجتهادات الدينية والمفاهيم الروحانية بصورة عامة. من المعروف ان الاديان تدور حول مفاهيم مجردة, يطلق فيها العنان للعقل البشري لتخيلها وادراكها. ويعود الدور الحاسم في حيويتها وديمومتها الى كونها واقعة خارج المدركات الحسية للانسان. ولهذا من الطبيعي ان يتمحور الجزء الاكبر من التراث الفكري والفلسفي الانساني, على امتداد قرون طويلة, حول تلك المفاهيم, بغية الوصول بها ومن خلالها الى معرفة حقيقية بالانسان وموقعه في العالم. وثمة مخاطر من ان يؤدي اعتماد الانسان وتركيزه المكثف على الصور الى التأثير على مكانة الدين في نفوس البشر. فعلى المدى الطويل, سيصبح العقل محكوما (وربما اسيرا) بما يراه وما يعانيه من محسوسات ومرئيات, وتقل الحاجة تدريجيا الى التخيل والتجريد. فما نراه ونحسه سيطبع صورة الحقيقة في اذهاننا, وما عدا ذلك سيظل خارج هذه الدائرة. من هنا سيصبح الفقهاء والعلماء المتخصصون في العلوم الدينية مطالبون اكثر فاكثر بان يبرزوا مفاهيمه التجريدية والرمزية, وان يدلوا الانسان على الطريقة التي يمكن بواسطتها التمسك بالدين, في ظل زمن يبتعد اكثر فاكثر عن التجريد والرمزية. هذه المخاطر في تصوري هي مخاطر جدية, وفي هذا يكتسب التحذير الذي اطلقه الدكتور الانصاري اهميته, بوصفه صرخة مبكرة, لتدارك الاثار غير المسيطر عليها (في بلداننا العربية مثلا) والناتجة عن انتشار استعمال الصورة والاعتماد عليها على نطاق واسع. هل سينجح هذا التحذير في تحقيق غايته ام لا, ذلك لا يعتمد فقط على محاولات استباقية لتعديل وضعية الصورة في حياتنا ورسم حدودها النافعة, او اعادة الاعتبار للاشكال الارقى في التفكير, لكنه سيعتمد ايضا وربما الى حد بعيد على اعادة صوغ مفهومنا للعالم وللحياة (وبالطبع للانسان) في اطار المنطق العلمي الحديث وتداعياته على مختلف الاصعدة, وبان تصبح الاجتهادات الدينية نفسها اكثر استعدادا للتعامل مع هذا المفهوم, الجديد. وفي كل ذلك لابد ان نسأل كيف سيحدث هذا, وربما متى ايضا؟. فالكيفية والزمن مهمان هنا لانهما عنصران رئيسيان ضمن عناصر المشكلة, ولاننا لا نملك بعد اي تصورات حول ذلك.