هو رجل يشتغل بالسياسة ويركز في هذا الاشتغال والانشغال على روسيا تحديدا, وهذا الرجل بالذات يستطيع أن يدعي أن تحليلاته أصابت هدفها وأن تصوراته ورؤاه حول روسيا وسياستها وآفاق مستقبلها, كانت ولعلها مازالت صحيحة في مجملها.. كيف لا وقد كان هذا المفكر السياسي الأمريكي يتنبأ بحق باحتمال استقالة بوريس يلتسين من منصبه السامي في الكرملين ومن ثم إمكانية الدعوة إلى عقد انتخابات رئاسية مبكرة في روسيا . اسمه (توماس جراهام) ويعمل زميلا باحثا في مؤسسة كارينجي للدراسات في أمريكا, وقد استطاع أن يبلور تجربته الطويلة العميقة بأحوال الاتحاد السوفييتي سابقا, وبأحوال روسيا لاحقا بفضل سنوات من الدرس والعمل الميداني حين أوفدته مؤسسة (راند) وهي أكبر ثاني مؤسسة بحثية في أمريكا (بعد مؤسسة بروكينجز) في بعثة أكاديمية إلى موسكو وبعدها عمل الأستاذ (جراهام) مستشارا سياسيا للسفارة الأمريكية في العاصمة الروسية مما أتاح له ـ بداهة ـ أن يجمع بين الحسنيين كما قد نقول: البحث الأكاديمي والعمل السياسي الميداني. ولقد عكفنا على متابعة كتابات هذا الباحث حول أقدار روسيا ومصائرها وتحولاتها العجيبة وتوقفنا عند الدراسة التي نشرها في مجلة (كرنت هستوري) أو (تاريخ الأحوال الجارية) تحت عنوان يقول: سياسات القوة (النفوذ) في روسيا. كان البحث منشورا في عدد شهر أكتوبر الماضي وفيه تنبأ توماس جراهام باحتمال استقالة بوريس يلتسين وكان الاحتمال وقتها بعيدا إلى حد كبير. صحيح أن هناك من كان يتوقع تخلي يلتسين عن مقاليد السلطة بصورة أو بأخرى في الكرملين .. لكن كان هذا التوقع يستند إلى تدهور صحة الرئيس الروسي السابق الذي تحول مع مطلع العام والقرن الجديد من رئيس دولة كبيرة ـ حتى لا نقول كبرى ـ إلى مرتل ترانيم دينية! في كنائس القدس وبيت لحم من أعمال فلسطينيين (خلال زيارته الأخيرة وسط احتفالات الكنيسة الروسية بأعياد الميلاد). بيد أن الأستاذ توماس جراهام تنبأ باستقالة يلتسين لأسباب سياسية بالدرجة الأولى أو بالأدهى لاسباب أخلاقية لها تداعيات سياسية وسلوكية تمس النزاهة والمصداقية وهما في الأساس رأس مال مشتغل بالعمل العام, دع عنك أن يكون هذا المشتغل رئيسا لدولة بل رئيسا لكونفدرالية شاسعة تحمل أسم رابطة (كومنولث) الدول المستقلة وقد قامت ـ كما هو معروف ـ على أنقاض دولة كا نت عظمى أسمها الاتحاد السوفييتي. المافيا والكرملين في هذا السياق, كتب الأستاذ جراهام في أكتوبر 1999 يقول: أن فضائح الفساد والجريمة المنظمة (المافيا) قد وجدت طريقها مؤخرا إلى صدر عناوين الصحف واهتمامات الميديا لكن أن تترتب عليها عواقب درامية مثيرة بالنسبة لتوقيت الانتخابات الرئاسية في روسيا وللفرص المتاحة لمرشحين بعينهم وللحركات السياسية التي ستخوض غمار هذه الانتخابات. والشاهد يضيف المحلل السياسي الأمريكي أن الاتهامات التي ترامت منذ صيف 1999 عن الفساد المستشري في الحلقة الداخلية (مراكز القوى) المحيطة بالرئيس يلتسين يمكن أن تؤدي إلى اجبار يلتسين شخصيا على الاستقالة ومن ثم التبكير بعقد الانتخابات الرئاسية, ولو حدث هذا (وهو بالضبط ما حدث) فان الدستور الروسي يقضي بأن يتولى رئيس الوزراء مقاليد رئاسة الدولة لفترة 3 أشهر يتم خلالها إجراء انتخابات لاختيار خليفة للرئيس المستقيل. السيناريو الذي تحقق هذا هو السيناريو الذي رسمه الباحث الأمريكي في مقالته المنشورة التي قرأناها في أكتوبر الماضي, ويومها وضعناها جانبا بوصفها اجتهادا, مجرد اجتهاد في قراءة أحداث متشابكة وبالغة التعقيد, لكن ها نحن نعاود النظر في هذه ا لدراسة بعد أن تحقق الجانب الأكبر وربما الأهم من السيناريو المتوقع كي نستكمل النظر في جوانب هذا التحليل الذي يركز أساسا على دور النخبة الحاكمة في روسيا في الوقت الحالي, وحين نصفها بأنها الحاكمة فنحن إنما نقصد المتحكمة في تقاليد الأمور وخاصة مقاليد الاقتصاد والاستثمار وإدارة الموارد الطبيعية دون أن نتوقف بالضرورة عند وزير في وزارة أو مستشار في الكرملين, ففي إطار مثل هذه التحالفات بين المافيا والاحتكارات والدوائر الرأسمالية المتحيزة للذيول والمحاسيب (كروني كابيتال كما يقول تعبير استخدمه مؤخرا محلل شبكة سي إ ن إن) هنالك تعج المؤسسة الرسمية الحاكمة هي الواجهة للمنظومة الحقيقية المتحكمة فعلا في تقاليد الأمور من حيث أن هذه المنظومة تتحكم في مقاليد البلاد الاقتصادية وفعالياتها في مجالات الموارد والانتاج والاستيراد والتصدير ومن ثم في أقوات العباد. روسيا تحكمها النخبة هذه النخبة وهي هنا بمعنى الشلة أو العصبة وليست بمعنى صفوة منتقاة لعطائها أو مصداقيتها أو خدماتها لبلادها هي قدر روسيا على امتداد حقبة طويلة من تاريخها. وقد تكون هذه النخبة المحتكرة للسلطة عبارة عن أوليجاركية تتجسد في أسرة حاكمة ـ آل رومانوف مثلا - الذين أطاحت بهم ثورة أكتوبر 1917 بعد أن ضج الناس من دولتهم المتداعية المهترئة التي كان يحكم فيها من خلف ستار فلاح فاسد فاسق اسمه راسبوتين ثم أوصلتها حلقات الفساد والجمود إلى الهزيمة المنكرة في الحرب العالمية الأولى. وقد تكون هذه النخبة المتحكمة في أقدار روسيا عبارة عن بيروقراطية حزبية حكمت في الكرملين 75 عاما في إطار الاتحاد السوفييتي الذي قضت عليه, مع كل انجازاته, آفة الجمود المذهبي والدوغما العقائدية التي وصلت إلى حد التحجر الفكري بل إلى عبادة النظرية وتكريس المقولات التي سبق وجاء بها ماركس أو انجلر أولينين, ناهيك عن جوزيف ستالين, ومن ثم كان إعلاء تلك النظريات عن الواقع وربما فرضها على هذا الواقع بكل تطوراته ومستجداته ومتغيراته ومن خلال الهوة المتسعة باستمرار بين النظرية والواقع استطاعت آلة الميديا الأمريكية الغربية بشكل عام أن تنفذ إلى قلب الكيان السوفييتي وأن تساعد على إفراغه من مضمونه الذي بدأ مبشرا بالعدل والمساواة وانتهى جامدا مثل تماثيل الشمع.. حيث استعلى أعضاء الحزب الحاكم وكوادره وزعماؤه على الناس وربما صدقت عليهم مقولة جورج اورويل الشهيرة: رغم أن كل الناس ولدوا متساويين إلا أن بعضهم (أعضاء وزعماء الحزب السوفييتي في حكمهم) هم أكثر مساواة من غيرهم من الناس! من القياصرة إلى البيروقراطية في هذا السياق يلاحظ الباحث الأمريكي الذي أسلفنا الحديث عنه في مطالع السطور أن النخبة الروسية سواء في حكم القياصرة الذي سقط عام 1917 أو حكم السوفييت الذي باء في مطلع تسعينيات القرن العشرين أو حكم يلتسين وأزلامه الذي مازال قائما حتى بعد استقالة يلتسين الشهيرة ودموعه المسكوبة أمام شاشات التلفاز عشية حلول سنة ,2000 هذه النخبة إنما تكتسب سلطانها من عاملين أثنين وهما: السلطة الملكية (بكسر الميم) بديهي أن تحالف السلطة ( الجاه ) مع التملك (المال) يمكن أن يصنع نفوذا ويزود بقدرات تتيح الإمساك بأعنة الأمور, لكن الأمر بالنسبة لروسيا يجعل منها حالة خاصة أو يضفي عليها وضعية متميزة لأسباب أربعة يمكن أن نوجزها فيما يلي: أولا: ظلت الملكية في روسيا حتى حقبة قريبة لا تزيد على عشر سنوات خاضعة للنموذج السوفييتي الذي جعل الدولة وبيروقراطية الحزب الشيوعي المتحكمة بها تمتلك كل شيء تقريبا من الموارد والفعاليات الاقتصادية وعوامل الانتاج المادية ومازالت دولة الكرملين حتى الآن تحتفظ بنصيب لا يستهان به في هذه الملكية, وخاصة في قطاعات حيوية من قبيل الطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية, وعندما بدأت عمليات التحول إلى اقتصاد السوق أخذت فتات من الرأسمالية المتطلعة إلى وراثة هذا الهيلمان من يد الدولة كي تنقله إلى أيادي المغامرين والطفيليين والمستعدين في سبيل الأرباح المليارية الطائلة أن يتحالفوا مع الشيطان وقد تحالفوا معه فعلا ممثلا في دوائر الجريمة المنظمة (المافيا) ولقد اعانهم على هذا كله صدور مشروع القروض مقابل الاسهم عام 1995 الذي اتاح لنخبة منتقاة بعناية من رجال الاعمال الروس أن يمتلكوا حصص الأغلبية في مشاريع عملاقة اتاحت لهم السيطرة على تلك المشاريع وكان ذلك مقابل تقديمهم قروضا إلى حكومة السيد يلتسين كي تدير بها أمور الدولة وتسد بها ألف ثغرة وثغرة انفتحت واستفحلت بسبب سوء التصرف واستشراء الفساد وممارسة عمليات التحول إلى الاقتصاد السوقي بغير نظر إلى مصالح فئات المستضعفين والمهمشين. تعيين المليونيرات هذه الحالة يصفها الباحث الأمريكي توماس جراهام بأنها كانت أسوأ وأدهى نموذج على ترجمة السلطة إلى ملكية وكان مفادها أن حكومة يلتسين عمدت إلى ما يشبه (تعيين) مجموعة أو طغمة من الأفراد ليكونوا مليونيرات في ظل الفهم بأن هذه العصبة ستكون دعامة مؤيدة لنظام يلتسين وأذنابه في الكرملين. ثانيا: زاد من هذا التحالف بين السلطة الحاكمة والملكية المتحكمة أن التحولات الرأسمالية التي شهدتها روسيا خلال عقد التسعينيات الماضي كانت تستوجب الوصول إلى كبار موظفي الحكومة وصفوة أركان الحكم, لماذا؟ .. لأنه بيدهم منح التراخيص وأذونات التصدير والاستيراد (تأمل ما تصوره بعض أفلام السينما المصرية في هذا الصدد في رسمها علاقات مشابهة بين كبار موظفي الحكومة والفئات والعناصر الطامعة في تحقيق الثراء الطائل السريع). والذي حدث أن كان مليونيرات روسيا الجدد, ومنهم شباب في مقتبل العمر كانوا يعثرون أحيانا على كنز علي بابا الأسطوري حين يحصلون على أذن تصدير للبترول من روسيا بأسعاره المحلية المنخفضة في عام 1995 مثلا ثم يبيعونه في السوق العالمية بثلاثة أضعاف تلك الأسعار. ثالثا: في ضوء تداعي سيادة القانون فضلا عن تصدع هيبة المؤسسة القضائية بسبب ارهاق اعضائها أو بشحة التمويل المقدم لتسييرها, إضافة إلى تناقضات القوانين ما بين المرحلة السوفييتية ومرحلة يلتسين.. اصبح التدخل في مؤسسة القضاء ظاهرة مرضية تجسدت في إفساد بعض اركانها من القضاة وفي الاستهتار أو الاستهانة بما قد تصدره من أحكام إلى الحد الذي أوصل دوائر رجال الأعمال في روسيا إلى الوضع الذي يصفه الأمريكيون في تعبيرهم الذي يقول: أنهم أخذوا القانون في أيديهم. رابعا: كان من الطبيعي أن يتم تبادل المنافع والأدوار بين قياصرة روسيا الجدد من رجال الأعمال والمليارديرات الذين (طفحت) بهم حقبة يلتسين وبين النخبة من أركان الحكم وكبار رجال الدولة. سياسة تبادل المنافع تلك كانت جدلية سياسة أفضت إليها تطورات الأحوال: بدأت بأن التمس رجال الأعمال المغانم من يد الساسة الرسميين القادرين على منح الأذونات واتاحة فرص التمليك للمشاريع والموارد, وتطورت إلى أن بات الساسة الرسميون يلتمسون العون والتأييد من شريحة رجال الأعمال التي عملوا هم أنفسهم على خلقها والأملاء لنفوذها وإنماء ثرواتها. تلك أوضاع تصدق عليها المقولة العامية في الشارع المصري (شيلني وأشيلك) بمعنى تبادل المنافع وتداول المغانم وقد ترجموها في روسيا خلال فترة التحول من الحقبة السوفييتية إلى (أعط للحكومة قروضا .. تعطيك أسهما وممتلكات) .. ثم يقول الجانب الآخر من المعادلة (أما وقد أصبح من كبار الملاك, فأرجو أن تسدد لأهل الحكومة فواتير الأمس القريب .. أعطنا تمويلا نحن السياسين لزوم حملاتنا الانتخابية ومن ثم استمرار بقائنا في السلطة .. وطبعا نحن لا ننسى أياديك البيضاء) . وفي الحقيقة أنها أياد مسودة شوهاء من تداول أموال الاستغلال والاحتكار وغسل هذه الاموال الحرام, ولك أن تنتظر منا بعد أن يعاد انتخابنا أو يعاد تنصيبنا في مواقع الحكم ومواطن السلطة الرسمية والنفوذ, كل صفوف المؤازرة أو فلنقل المشاركة بما يكفل لك مزيدا من الربح والاستشراء. في غمار هذه الأوضاع يطرح السؤال: أين المجتمع الروسي من هذا كله؟ يجيب الباحث توماس جراهام: أنه في حال الاستبعاد والتهميش وبنسبة تبلغ 99% من مجموع المواطنين, وفي غمار هذه الحالة التي خلفتها حقبة يلتسين يستعد هذا المجتمع المستبعد المهمش لإجراء انتخابات, فيما يستعد زعماؤه وفي مقدمتهم السيد بوتين ـ الحاكم مؤقتا في الكرملين ـ لتحويل وضعه إلى رئيس دائم. بمعنى الفوز على خصومه في الانتخابات المقبلة. والناس في مجتمع الاستبعاد أو التهميش لا يملكون سوى الرفض أو اللا مبالاة.. أو عدم الاهتمام ومطلوب بالتالي تحويلهم قبيل الانتخابات إلى موقع الاهتمام والمبالاة ان لم يكن تأييد الجالس في الكرملين. ولا شيء يمكن أن يفيد وسط هذه الأوضاع إلا أن تقدم إليهم جائزة اسمها الانتصار على مقاتلي الشيشان ولو تحت شعارات مكافحة الإرهاب وتوطيد اسباب الاستقرار .. وتلك صفحة أخرى تحتاج إلى دراسة وتحليل. فإلى الجزء الثاني ملحوظة مهمة: هذا الجزء يأخذ في إطار داخل الموضوع: هذه الحالة يصفها الباحث الأمريكي توماس جراهام بأنها كانت أسوأ وأدهى نموذج على ترجمة السلطة إلى ملكية وكان مفادها أن حكومة يلتسين عمدت إلى ما يشبه (تعيين) مجموعة أو طغمة من الأفراد ليكونوا مليونيرات.