انتم ايها الامريكيون تريدون ان تأخذوا مكاننا السابق في الهند الصينية (فيتنام وكمبوديا ولاوس) .. وعلى هذا الاساس تريدون ان تشعلوا مرة اخرى حربا اطفأناها نحن الفرنسيين واتنبأ لكم بأنكم سوف تغوصون, خطوة بخطوة, في مستنقع عسكري وسياسي بلا قاع . هكذا نصح الرئيس الفرنسي شارل ديجول في عام 1963 الرئيس الامريكي جون كنيدي بينما كانت الولايات المتحدة تتورط سياسيا في فيتنام لكنها لم تتورط عسكريا بعد. ولم يعش الرئيس كنيدي ليرى كيف غاصت امريكا في المستنقع الفيتنامي سياسيا وعسكريا كما تنبأ ديجول... فقد مات غيلة في السنة نفسها التي شهدت اجتماعه مع الرئيس الفرنسي في باريس. لكن الرئيسين اللذين خلفاه, (الديمقراطي) ليندون جونسون و(الجمهوري) رتشارد نكسون, لم يشهدا فقط الكارثة الامريكية في ارض فيتنام بل صارا من ضحاياها السياسيين.. فقد ادى مسلسل الهزائم المخجلة التي منيت بها القوات الامريكية في المسرح الفيتنامي الى تدمير الحياة السياسية لكل من الرجلين نهائيا. نهاية الحرب الفيتنامية كانت قبل ربع قرن.. فهل اتعظت القوى العظمى, بما فيها الولايات المتحدة, بالدرس الفيتنامي؟ لا نحتاج للاجابة على هذا السؤال سوى استحضار المشهد الدموي الراهن في الشيشان (فيتنام) روسيا. وكما يبدو فان الموعظة عبرت دون ان تتوقف عندها الدول الكبرى. قبل التورط الامريكي في فيتنام الذي امتد بطول عشر سنوات من منتصف الستينيات الى منتصف السبعينيات في القرن الماضي كان التورط الفرنسي الذي انتهى الى هزيمة تاريخية فاصلة للقوات الفرنسية في وادي (ديان بيان فو) في منتصف الخمسينيات. لكن حكام فرنسا في ذلك الحين لم يكونوا بمستوى حكمة الجنرال ديجول الذي كان حينئذ يقف مترقبا خارج ساحة الصراع السياسي الداخلي. فقد دخلت فرنسا على التو مستنقعا آخر. اندلعت الثورة الوطنية المسلحة في الجزائر المستعمرة فرنسيا. ولمدى سنوات متصلة من الاقتتال ظلت الحكمة غائبة في دوائر الحكم في باريس.. وحتى بعد ان تسلم ديجول السلطة فانه احتاج الى اربع سنوات ليرى ثمار حكمته عندما تمكن اخيرا من ايقاف الحرب والموافقة على استقلال الجزائر في عام 1962. الامر كان مختلفا بعض الشيء مع امريكا, فقد افرزت الهزيمة التاريخية في فيتنام عقدة نفسية لدى الامة الامريكية تجاه التورط في صراعات دموية في اماكن نائية. ولكن التطور المذهل في تكنولوجيا الاسلحة ادى لتحييد هذه العقدة النفسية فبعد انضمام صواريخ كروز وتوما هوك العابرة للقارات والطائرات التي لا يلتقطها الرادار اصبح من الممكن شن حرب دون التورط في مستنقع. هكذا اديرت حرب الخليج الثانية ضد العراق. ولكن الصواريخ العابرة للقارات والطائرات من طراز (الشبح) لا تستطيع ان تحتل ارضا تدافع عنها مجموعة من البشر من ذوي التصميم الفولاذي. فقتال البشر يتطلب بشرا. ولهذا تبقى احتمالات تورط قوى عظمى في مستنقعات واردة وقائمة. وهذا هو ما يجرى الآن في ارض الشيشان. لقد مضى اكثر من اربعة شهور دون ان تتوقف حملات القصف الجوي الروسي بالقنابل والصواريخ بصورة شرسة لكن تبقى المعركة الارضية التي يلتحم فيها البشر المتقاتلون هي العامل الحاسم الذي يقرر في النهاية اما نجاح روسيا في الاحتفاظ بارض الشيشان كجزء من الاتحاد الروسي او نجاح الثوار الشيشانيين في احراز الاستقلال. والمؤشرات المتوافرة حتى الآن تفيد بأن ارض الشيشان ستكون مستنقع روسيا الجديد بعد مستنقع روسيا في افغانستان في الثمانينيات... ومن قبله المستنقع الفرنسي في الجزائر والمستنقع الامريكي في فيتنام.