صدق الفرنسيون حين قالوا (الانسان آلة ميكانيكية يديرها حب الذات كل يوم) و(ان في داخل كل انسان هناك بعضا من كل الناس) والناس انواع وانواع, يمرون عليك في رحلة العمر وكأنهم منتمو احزاب وتنظيمات, من اقصى يسار التطرف الى اقصى يمين التدهور, وبينهما تعج وجوه بكل انواع القوة والجمال والضعف الانساني . نوع من البشر قد تسعفك الحياة ببعض من الوقت للتعرف عليهم, وقد يتيحون لك ببساطة كل السبل للدخول في عوالمهم الخاصة, وبينما تقترب انت منهم بحثا عن غلالات انسانية ربما لا تزال تلفهم, تجد ان هذا البحث يوقعك في ملابسات فهم, توقعك بدورها في الحيرة والضلال. ولكن كن مطمئنا فإن الغواية سرعان ما تتبدد, وينكشف المستور في لمح البصر. ونوع من البشر اقرب لفقاعات الهواء يغريك بالاقتراب منهم شخصيات واسماء لامعة, يرسمونها ويرتدونها كأقنعة لا أكثر, يرسمون على وجوههم ابتسامات الرضا, وتبرق عيونهم بشيء من الخبث لا يخفى وبكثير من التودد يصطنعونه بحرفية عالية, كي يصلوا معك الى شيء ما هم يدرونه جيدا, بينما تمعن انت في احتكامك الى الظواهر ببراءة لا تكون في صالحك دائما. ونوع من البشر لا انت من رفقاء طريقهم مهما اقنعوك وحاولوا اجتذابك ولا هم ذائقتك في عالم الصداقات الحميم, ومع ذلك فالحياة اكبر من ان نعلمها دروسا في كيفية التوفيق بين الناس, انها ترسم المتناقضات وتترك لك حرية اللعب عليها بذكاء, او الوقوع فريسة لتلاعباتها, الحياة تختبر ذكاءك الفطري مع الناس ببراعة. وفي النهاية فأنواع البشر اكثر من ان نحصيهم والحكم عليهم من اكثر الامتحانات صعوبة, ما لم تعاشرهم بحذر, وتختبرهم بذكاء, ولكي تصل الى مرتبة الثقة فيهم او في حكمك عليهم فدونك مشاكل ومواقف, عليك ان تأخذها بجدية دوما طالما اعطتك شيئا من المعرفة مهما تناهى في حجمه. ان أسوأ البشر الذين يمكن ان يقذفهم القدر في طريقك صدفة او خطأ او بحكمة ما هم اولئك الذين لا يحملون من الانسان سوى هيكله الخارجي وصفاته الظاهرة, بينما يعلنون رفضهم وتخليهم المطلق عن كل ما من شأنه ان يربطهم بالحس الانساني والظاهرة الانسانية في معناها العام وشموليتها الكلية. هناك بشر ـ وللاسف انهم بشر ـ لم يجربوا من انسانيتهم شيئا في فضاءات المحبة والصدق والوفاء والحنين للاحباب والاهل والتوهج الدائم بحثا عن ألق العطاء ودفء العائلة, واحضان الام, وذكريات الصداقات القديمة التي تظل تنقر في عمق القلب كعصفور جميل, أهناك حقا بشر لا يعرفون كيف يكون الانسان انسانا في اعماقه؟ للأسف هناك من يحلو لهم مجافاة الفطرة في كل شيء, في الطبيعة وفي الاخلاق, وفي التدين والسلوك الانساني اليومي, وفي العلاقة الخاصة مع مفردات الحياة, اما لماذا هم كذلك فربما يكون للتربية الاثر الاكبر, وربما يكون للوراثة وقد يكون الاستعداد الفطري في الانسان سببا رئيسيا لكل ذلك.