غياب المجتمع المدني بجميع عناصره بالاضافة الى عدة عوامل اخرى يعد من اهم اسباب تردي اوضاع العرب في العقود الاخيرة من القرن الماضي. لعل اهم موضوع اليوم في الاوساط الفكرية العربية, بعد دخولنا الالفية الثالثة, هو مايتعلق باسباب تراجع العرب خلال العقود الاخيرة, او على الاقل عدم قدرتهم على تحقيق تقدم يتناسب مع ضخامة طاقاتهم الاستراتيجية والبشرية والاقتصادية والعلمية واذا عدنا ادراجنا الى القرن العشرين, ودققنا في ميزان الخسائر التي مني بها العرب ولاسيما في الميدان القومي والسياسي, وفي المكاسب التي حققوها, وفي المجالات العملية والطبية والعمرانية والثقافية والتربوية مثلا فلربما وجدنا ان هذا الميزان يميل في المحصلة النهائية نحو كفة الخسائر, وبخاصة ان أية أمة من الامم يفترض ان تتقدم بصورة تلقائية مع مرور الزمن, بحكم تقدم العلوم وازدياد اعداد المتعلمين والفنيين والمثقفين, وبفضل تطور التقانة وتحسن اساليب استغلال الموارد الطبيعية, واذا حاولنا التفتيش عن اسباب هذا الوضع الخاسر, نجد انفسنا في لجة من العوامل والعناصر المتشابكة بعضها مع البعض الاخر. فهناك بعض الظواهر التي تعد اسبابا ونتائج في آن واحد مثل ظاهرة التخلف وتوجد ايضا اسباب تعود الى اسباب اخرى, فاحد اسباب تراجع العرب تفرقهم وتشتتهم وهذا العامل بدوره يرجع الى التدخلات الخارجية والنزعة الفردية عند الانسان العربي, وغير ذلك خلاصة القول ان اسباب التراجع العربي معقدة وشائكة ومتشعبه ويصعب حصرها دفعة واحدة. لذلك فإن الكاتب الذي يريد ان يدلي بدلوه في هذه المسألة يمكنه ان يقاربها من بعض الزوايا التي تبدو له اكثر اهمية من غيرها, وان يعرض اسبابا يعتقد انها مسئولة عن اوضاعنا الحالية اكثر من الاسباب الاخرى وهذا ما سنفعله في هذا المقال: الاحادية والنزعة الفردية ويبدو لنا ان هناك عاملين قد يكونان من اهم العوامل قاطبة في المجال الذي نحن بصدده وهما الاحادية والنزعة الفردية, اما الاحادية فتعني باختصار هيمنة احد الافراد او احدى الفئات على باقي الامة وفئاتها المختلفة ويكمن خطر الاحادية في كونها تؤدي الى الغاء الديمقراطية والحرية والتعددية. ولن نتصدى هنا بالتفصيل الى هذه الامور لانه كتب فيها الكثير ولان مجال البحث فيها واسع جدا, ويكفي ان نقول ان مشكلات الوطن لايمكن ان تحل الا اذا عرضت على بساط النقاش الحر الصريح الذي لايعقبه خوف او عقاب وان الانسان العربي لايمكن ان يتطور وعيا وفكرا واخلاقا, الا اذا عاش في اجواء يمكن في رحابها طرح الافكار والاراء من خلال اجهزة الاعلام والكتب والمحاضرات والاحاديث الشخصية طرحا حرا صريحا بشكل يؤدي الى فرز الاخطاء وتحديد الانحرافات والى رسم طرق الحل وتطوير الممارسات المختلفة, وان الوطن لايمكن بناؤه الا اذا شارك في عملية البناء جميع قطاعات الامة, وان القرارات المصيرية لايمكن ان تكون سليمة وصائبة الا اذا تم اتخاذها بصورة جماعية. وهكذا فان الحوار والتشاور والمشاركة الجماعية وعدم التفرد هي التي تشكل لغة العصر ومنطق التقدم. واذا اردنا ان نتعمق في منهجية هذا المنطق, نجد ان روح الحرية والديمقراطية ينبغي غرسها في اعماق الانسان العربي في مرحلة مبكرة من حياته, والمكان المناسب لذلك المدرسة والمنزل فعلى الآباء ان يصغوا الى ابنائهم ويناقشوهم وألا يتعالوا ويفرضوا عليهم احكاما مستبدة. وفي المدرسة يجب اتاحة الفرصة للطلاب كي يبدو آراءهم بشكل حر في القضايا المتعلقة بحياتهم المدرسية, بحيث تؤدي المناقشات في نهاية المطاف الى رسم حلول للمشكلات القائمة, كما يستحسن تعويد الطلاب على اختيار طالب مناسب كي يمثلهم في الامور التي تهمهم. وهذا من شأنه ان ينمي في أعماقهم فكرة (الانتخاب) الذي هو عنصر مهم من عناصر الديمقراطية. وهكذا, فإن تحقيق الديمقراطية يتطلب العمل ليس على الصعيد السياسي فحسب, وانما ايضا على الصعيد التربوي والشعبي والاعلامي. ويزعم اعداء الديمقراطية ان بعض الشعوب غير مهيأة لها, وان تطبيقها في المجتمعات الجاهلة يؤدي الى الفوضى والضياع والعنف. وفي الحقيقة فإن الديمقراطية يمكن تشبيهها بالفيتامينات, مثلا, والتي يؤدي سوء استعمالها الى عكس النتيجة المرجوة منها. وحتى نتلافى سوء التطبيق, لابد من وضع مقاييس واضحة تعين بطريقة علمية مدروسة الحدود الصحيحة لمدى الحرية التي يجب ان يحوزها شعب ما, وفقا لمستوى ثقافته ووعيه. ووضع مثل هذه المقاييس ليس بالأمر اليسير. ومما لا شك فيه ان مقدار ما تتمتع به الاقطار العربية من حرية وديمقراطية, هو اقل بكثير من الحدود التي يمكن ان تتمخض عن أية مقاييس علمية. وهذا يعود الى اسباب عديدة ليس في نيتنا هنا الخوض فيها. وغياب الديمقراطية يؤدي الى تحقيق مصالح قليلة, على حساب مصالح الامة العربية جمعاء. وهذه الفئات المستفيدة التي تحاول تشويه صورة الديمقراطية وابعادها عن الربوع العربية بشتى السبل. أما بالنسبة للنزعة الفردية عند الانسان العربي, فيكفي ان نقول ان كثيرا من الناس, يهتمون بمصالحهم الخاصة الآنية, اكثر من مصالح الوطن والامة. وهذه آفة غاية في الخطورة. وهي من اعظم عوامل تردي الاوضاع العربية. ولابد من محاربتها بإثارة الوعي, وكشف مخاطرها, ولا سيما بواسطة التربية والاعلام. وهناك علاقة واضحة بين الاحادية والنزعة الفردية. القوة بدلا من الانجاز بينما نجد ان تفوق فئة ما على باقي الفئات في الدول الديمقراطية المتقدمة يعتمد على مدى ما تقدمه هذه الفئة من انجازات عملية لصالح البلاد على ارض الواقع, فإن مقياس مثل هذا التفوق يعتمد في كثير من الاقطار النامية, ومنها الدول العربية, على مدى قدرة فئة ما على التحكم في الامور بواسطة القوة العسكرية وفي هذه الحالة, لا تجد الفئة المهيمنة انها بحاجة الى الاهتمام بقضايا الوطن والمواطنين, لأن قدرتها على مسك زمام الأمور تتوقف على ما تملكه من قوة, لا على رضا افراد الشعب أو عدم رضاهم عنها. ويتبع ذلك ان الصراع بين الفئات المختلفة في الدول الديمقراطية يتجلى فيما تبذله كل فئة من جهود لاقناع المواطنين بصحة توجهها وقدرتها على تحقيق مصالح الوطن ورفاهية المواطنين. واذا أفلحت الفئة المذكورة في شرح خطتها وبرامجها بشكل يرضي الجمهور, فإنها تقترب من الفوز في انتخابات حرة نزيهة. اما التنافس بين الجماعات والمحاور المختلفة في الوطن العربي, فيقوم على اساس ان كل جماعة تحاول افشال الجماعات الاخرى ومحاربتها بشتى الوسائل, واحيانا تخوينها. وعندما يدور الزمن دورته, وتحل فئة جديدة محل الفئة القديمة المهيمنة, تكرر هذه ما فعلته سابقتها, فتبدأ جولة اخرى من التقتيل والمحاربة والتصفية وهدم كل ما بنته الفئة القديمة, فتعود الامور الى نقطة الصفر. وفي هذه الحالة تجد البلاد نفسها بحاجة الى ترتيبات جديدة لتسيير الامور, بدلا من التأسيس على الترتيبات السابقة, مما يشكل استنزافا لقوى البلاد وارتدادا متكررا الى نقطة الصفر. التطبيق السيئ للقانون ان القانون في كثير من الاقطار النامية والعربية, لا يطبق تطبيقا صارما الا على الضعفاء, بينما نادرا ما يطال الفئات القوية وهذا الوضع يفسح المجال للتجاوزات والفساد. ولا شك ان سيادة القانون هي من اهم ركائز الحضارة والتقدم البشري, لأنها تقود الى الاستقرار والنظام والطمأنينة والعدل, وتحول دون انتشار شريعة الغاب وتحكم القوي بالضعيف, ففي كل مجتمع من المجتمعات, هناك اناس يتوقون الى الاعتداء على الآخرين والحصول على مكاسب غير شرعية. والقانون, ولا سيما عندما تكون يده قادرة على الوصول الى جميع افراد الامة, دون استثناء, هو الذي يوقف هؤلاء عند حدودهم ويمنعم من الاشتطاط. ولذلك فإن سوء استخدام القانون في كثير من بلاد العرب هو سبب هام من اسباب تأخرهم. الثقة والكفاءة في بعض الاقطار العربية, يتم اختيار الأفراد للمناصب والمراكز الهامة على أساس مدى تمتعهم بالثقة للدولة, أكثر من الاعتماد على كفاياتهم وأهلياتهم وطبيعة تخصصاتهم. فمثلا عندما يتولى شخص غير مؤهل مسئولية مؤسسة ما, فإنه يختار معاونيه من أناس في مستواه. ونتيجة لذلك تسوء اوضاع المؤسسة المذكورة. ومثل هذا الوضع لا يضر فقط بمصالح الأمة, وانما بمصلحة الدولة نفسها, وتلجأ بعض الدول الى حل وسط, فتختار الافراد للمناصب على أساس مقياسين مجتمعين, هما مقياس الولاء ومقياس الكفاءة. وعلى الرغم من ان الاختيار على أساس الأهلية والكفاءة هو الحل المثالي, فإن الحل الوسط الذي اشرنا اليه يظل أفضل من الاختيار على أساس الثقة وحدها. تفشي الواسطة في الاقطار العربية, كثيراً ما يضطر الانسان حتى يحصل على حقه, الى الاعتماد على الواسطة, وهذه احدى نتائج عدم سيادة القانون ففي الاحوال المثالية يفترض ان يحصل كل صاحب حق على حقه بقوة القانون. ولكن عندما لا يتيسر ذلك يضطر هذا الى اللجوء للواسطة وربما للرشوة, وهذا في احسن الاحوال, اما في أسوأها, فإن بعض الناس يعتمدون على الواسطة والرشوة, لا لنيل حقوقهم المهضومة, وانما للحصول على امتيازات ومكاسب لا يستحقونها وهذا الوضع أخطر من سابقه, ويقود الى انتشار الفساد على نطاق واسع. التشنج في الرأي ان المواطن العربي, بصورة عامة, ورجل السياسة بشكل خاص, غالباً ما يتشبث برأيه, ونادراً ما يقبل برأي الطرف الآخر, وهذا التصلب, سواء أطلقنا عليه اسم التشنج او التطرف او التعصب أو التزمت, يزداد حدة وضراوة, كلما ضحلت ثقافة المواطن وضعف وعيه, فمثل هذا المواطن لا يستطيع ان يسلم بالحوار البناء والجدل المنطقي وسيلتين للوصول الى الحقيقة, لأن الحقيقة بالنسبة له, هي فقط ما يتبدى له, فلا حاجة به, والحال كذلك, حسب منظوره للباحث عن الحقيقة, طالما انها موجودة في رأسه فهو, ان حاور, فلكي يثبت صواب رأيه وخطل الرأي المضاد دون ان يحاول الوصول الى الرأي السليم, والمواقف المتشنجة كهذه, تقود الى طمس الحقائق وضياع فرص اللقاء والتعاون وان فتح ابواب النزاع والخصام ثم الصراع, وفي بعض الحالات الاقتتال. ولعل الكثير من حوادث الاقتتال التي وقعت في الساحة العربية خلال العقود الاخيرة, هي احدى نتائج التشبث بالرأي, بالاضافة طبعاً الى أسباب اخرى كالتخطيط الأجنبي, والطمع في السلطة, وتضارب المصالح بين الفئات العربية المختلفة. اهمال القراءة يبين احد التقارير, ان (العربي) يقرأ كتاباً كل اربع سنوات, في حين ان (الاسرائيلي) يقرأ اربعة كتب كل سنة. وهذا يعني ان الثاني يقرأ بمقدار (16) ضعف ما يقرأ الأول, وهناك تقرير آخر يظهر ان خطة غزو اسرائيل للبنان في الثمانينيات كانت قد تسربت الى احدى الصحف العربية, دون ان يعيرها المعنيون من العرب الاهتمام اللازم. ونضيف الى ذلك, ما كان موشي ديان, وزير الدفاع الاسرائيلي السابق, قد صرح به من أن على اسرائيل الا تخشى العرب طالما انهم لا يقرأون, وفضلاً عما ذكرناه, هناك العديد من الدلائل التي تشير الى ان معظم العرب لا يقرأون الا ما هم بحاجة ماسة الى قراءته, او انهم يفضلون قراءة ما يمتعهم ويسليهم ويثيرهم اكثر من اهتمامهم بما يعلمهم او يثقفهم, اي ان ازمة القراءة عند الانسان العربي بشكل عام, هي ازمة كمية وكيفية في آن واحد. وسواء كان الانسان العربي مسئولاً عن هذا الوضع, ام ان الظروف الموضوعية كالحياة القاسية وضنك العيش وضيق الوقت, هي التي فرضته عليه, فإن المهم النتيجة وهذه النتيجة تؤكد ان العربي لا يقرأ بما فيه الكفاية, وانه لا يقرأ دائماً ما يجب ان يقرأه. وهذا العزوف عن القراءة يعد عاملاً هاماً يعوق تقدم العرب. غربة المفكرين والعلماء ان السيادة في الدولة, وفي المجتمع, وفي كل مرفق من مرافق الحياة, يجب ان تكون لرجال الفكر والعلم والأدب وللطبقة المثقفة التي يجب ان تشارك في قيادة البلاد في طريق التقدم وفق الأسس العلمية السليمة وذلك من خلال دورها التنويري. وللأسف, فإن المفكرين في كثير من الاقطار العربية ليسوا فقط بعيدين عن قمة الهرم السياسي والاجتماعي, بل انهم في بعض الاقطار لا يحصلون على حقوقهم المعنوية والمادية الكاملة, وفي اقطار اخرى يتعرضون للاضطهاد وشظف العيش. المبالغة في الانفعال عندما يريد احد ان يذم المرأة, يعمد الى اتهامها بالعاطفية و الانفعالية والابتعاد عن العقلانية او هذه التهمة يمكن ايضاً اطلاقها على الرجل العربي, ولكن بدرجة اقل فالعرب ذوو مزاج عاطفي انفعالي, وهم يتأثرون اكثر من اللازم بالخطب الرنانة والأقوال الحماسية ذات اللهجة الساخنة. ومثل هذا المزاج يبعدنا عن المنطق العلمي والرياضي الصحيح, وعن التحليل العقلاني الهادىء للأمور. وكثيراً ما يوقعنا في ورطات ومواقف حرجة وسوء تقدير واخطاء في الحساب, مما يقودنا الى الخسارة بدلاً من الربح. كانت هذه بعض الاسباب التي يبدو لنا انها تقف وراء تردي الاوضاع العربية وهناك غيرها الكثير, والباب مفتوح للنقاش. * كاتب سوري