كانت النكبة العربية الاولى في عصر الحداثة في نظر د. مسعود ضاهر هي هدر الجهود والاموال في الصراع الذي دارت رحاه بين السلطان العثماني وباشا مصر محمد علي من سنة 1832 الى سنة 1840. كان الصراع مريرا دمويا تغذيه القوى العظمى وتخطط له وتجني ثماره الكثيرة ـ وبالطبع من السهل على قارىء كتاب النهضة العربية والنهضة اليابانية ان يعقد مقارنة بين ذلك العصر وعصرنا الراهن حيث استفحلت الصراعات العربية او العربية الاسلامية بتخطيط من القوى العظمى واكبر ترجمة فاجعة لذلك كانت حرب الخليج الاولى 1981 ـ 1988 وحرب الخليج الثانية 1990 ـ 1991 حيث لم يترك مجال لنهضة سياسية وتكنولوجية لقوى صاعدة في العالم العربي الاسلامي فكان ان مهد رئيس العراق لتلك القوى فرصة ضرب النهضة واعادة نفس سيناريو القرن الماضي ـ اي ما قبل الماضي ـ حين دب الخلاف الرهيب بين الباب العالي ووالي مصر. كانت روسيا تستعد لغزو السلطنة واحتلال الاستانة وكانت بريطانيا تعارض المشروع الروسي خوفا من دخول الروس الى حلبة الشرق الاوسط وكانت فرنسا تدعم اليونان وتؤلبه على السلطان وعلى باشا مصر في نفس الوقت وكان لا ينقص القوى العظمى الا التنسيق فيما بينها وكانت فرنسا تغري محمد علي بخلافة عربية او حتى اسلامية اذا شاء وكانت بريطانيا تحض السلطان على خلع الباشا وكانت كل هذه القوى تزود الاثنين بالسلاح والعتاد وتحرك قناصلها لبث الفتنة وتكبير دائرة الصراع. فبريطانيا كما قال د. ضاهر (ترغب بالتفرد بالحوض الشرقي للمتوسط مقابل السماح لفرنسا بالتفرد بالسيطرة على الحوض الغربي) وكان القناصل يصارحون دولهم بأن غاية القوى الاوروبية تدمير الاثنين معا السلطان والباشا تمهيدا لاقتسام تركة الرجل المريض. ويستعرض الكتاب العديد من التقارير المبعوثة الى الحكومات الاوروبية وروسيا من قبل قناصلها لدى الاستانة والقاهرة وهي وثائق مؤرخة واضحة وناطقة بفداحة الصراع. ونعود لليابان وفي نفس الفترة تقريبا ـ النصف الاول من القرن التاسع عشر, لنرى السفن الانجليزية تحل بميناء ناجازاكي منذ العام 1808 محدثة موجة من رد الفعل الياباني القوي الرافض للاحتلال الاجنبي. وجاءت كذلك سفن بولندية وفرنسية على مدى سنوات الثلاثينيات والاربعينيات من القرن التاسع عشر. لكن اليابان اعدت العدة بمناعتها الداخلية لمقاومة الغزو بل بالعكس كانت محاولات الغزو سببا اضافيا في استجماع قواها. ثم ان اليابان تميزت عن العالم العربي بسلوكها سبيل المراحل الحضارية الثلاث التي اوصلتها الى نهضة حقيقية وهي: ـ مرحلة الزراعة المتنوعة/ ارز ـ حرير ـ قطن والخاضعة لتخطيط منهجي ـ لعله اقطاعي لكنه ناجع ومستمر. ـ مرحلة التصنيع والانشاء اعتمادا على القدرة الذاتية. ـ مرحلة اكتساب التكنولوجيا القادمة من الغرب بفضل تشكل عائلات كبرى حول هذه التقنيات الجديدة بواسطة توريدها وضمها والاضافة اليها. وينتج عن هذه المراحل المتدرجة نشوء مصارف وبنية تحتية قوية في ظل شبه انعزال ياباني عن العالم الخارجي ومؤثراته السيئة. وفي الوقت نفسه بدأ انهيار السلطان العثماني وحركة النهضة العربية التي تزعمها محمد علي, بالرغم من ان للاول والثاني مواقع قوة وانجازات مشهودة لا تنكر. انما المهم ليس الانجازات في حد ذاتها التي ساهم فيها الفرنسيون والبريطانيون من اجل مصالحهم فقط, لكن التخطيط والاستقرار والبصيرة والنجاة من المؤامرات الكبرى. وهذا لم يقع بالأمس ولم يقع اليوم واصبحت تفصل اليابان عن العالم العربي هوة سحيقة لا مجال لنكرانها ولا للقفز فوقها. ولعل مؤلف الكتاب د. ضاهر اوجز هذا الاختلاف بين اليابان والعرب بفكرة تقول: (ان قراءة معمقة لتاريخ اليابان في مختلف حقبه تقدم الدليل على وجود وعي عميق لدى القادة اليابانيين بخطورة الاستنجاد بقوى خارجية لحسم الصراع بين قوى داخلية متنازعة, فالاستنجاد بالخارج لا يكون الا لمصلحة القوى الغازية دون سواها. اما الانتصار المؤقت للقوى الداخلية المرتبطة بالخارج فسرعان ما يتأكد بشكل قاطع انه انتصار هش تعقبه هزيمة لجميع اطراف الصراع الداخلي..) . فقد كان هذا هو قوة اليابان منذ ينابيع نهضته, وهو كذلك سرقوه اوروبا المتحدة في الازمنة الاخيرة بعد الحرب العالمية الثانية. واذا لم يتعرض الكتاب الى هذا النموذج الثالث, اي انموذج اوروبا فانه حاضر في ذهن المؤلف لا محالة وهو ذو جاذبية لنحلل نحن العرب اسرار قوته السريعة الخارقة في ظرف جيل واحد ـ من 1958 تاريخ نشأة الفكرة الاوربية في روما الى 2002 اول يناير حين يبدأ تعامل الوحدة الاوروبية باليورو العملة الموحدة. ولنا عودة ثالثة وأخيرة للموضوع. Kedidi 46 @ Hotmail. com