الأذن تعشق قبل العين احيانا, ذلك صحيح, فكثيرا ما سمعنا عن اشخاص وقعوا في هوى اصوات لا يعرفون ملامح اصحابها. والسؤال: كيف يحدث ذلك؟ وما هي هذه السطوة التي يحويها الصوت حتى يكون له هذا التأثير العجيب ؟ في امريكا والغرب هناك علماء مختصون في كل دقائق العلم وتفاصيل الحياة, ومنهم مستشارو الصوت الانساني, هؤلاء يؤكدون وجود علاقة حساسة بين الصوت والعاطفة او مدى ما يستطيع الصوت ان يعبر عن الشخصية, ويؤثر في علاقتنا بالمحيط الذي نتحرك فيه. هناك من يعرف هذه الحقائق التي ترتكز على علمي الاصوات والسلوكيات الانسانية, فيحاول استغلالها لصالحه في التأثير على الآخرين, وفي مواقفهم تجاهه, او تجاه قضايا تهمه وعادة ما يأتي الصوت على قائمة السمات الهامة التي يركز عليها صانعو النجوم والزعامات. وربما يتذكر جميعنا ذلك الصوت الهادىء العميق الخارج من ضمير الحي الشعبي والحارة المصرية, الذي كان يتمتع به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر, وقد احبت اعداد كبيرة من مستمعي (صوت العرب) عبدالناصر لصوته المميز الذي كان يستولي به على قلوب الجماهير عند القاء خطاباته النارية. العجيب ان هناك من تسمع اصواتهم عبر الهاتف فقط فتحبهم بعد ان ترسم لهم صورة جميلة من خلال ذلك الصوت, ونادرا ما تأتي الصورة مطابقة للواقع, وهناك من تحكم عليهم بالقبح والعدائية وشراسة الطبع, وحين تقابلهم او تسأل عنهم تعرف انك ذهبت بعيدا في حكمك. وللصوت علاقته بحالة الشخص النفسية والصحية, وله تأثيره في نفوسهم وفي اختراق عقولهم وافكارهم, ولذلك يهتم القياديون ومدراء الشركات, ومرشحو الرئاسة وقادة الصحف والرأي العام والاحزاب, بالذهاب الى المؤسسات المهتمة بعلم الصوت للاستفادة من استشارات علمائها واطبائها. وقد ذكرت احدى الكاتبات قصة رجل الاعمال الذي اصابه الهلع عندما سمع تسجيلا لصوته وهو يقول في الهاتف: اهلا انا فلان, اذ كان صوته لا شعوريا, يفضح تبرمه بمن يخاطبه, وشعوره بالعداء نحوه, وقد شرع يفكر فيما كشفه هذا التسجيل الصوتي, فبدأ في الحال يتمرن على القاء التحيات عبر الهاتف بينه وبين نفسه في صمت, وبهذه الطريقة غلف صوته وطريقة حديثه بكثير من اللطف والهدوء. وهكذا نحن وبدون ان نشعر ننقل للآخرين انطباعات وصورا عدائية وسلبية احيانا عن شخصياتنا, وذلك باسلوب الحديث الخالي من التهذيب احيانا, والعالي النبرة احيانا اخرى, والمتوتر بدون سبب, والهجومي والجاف جدا, والمعبأ بالتوبيخ والخالي من الحميمية والهدوء والعذوبة, وهذا ما يتوجب علينا الانتباه له, حتى لو اقتضى الامر اجراء تسجيلات معينة واعادة سماعها للتعرف على عيوب اصواتنا اثناء الحديث. * اصواتنا حقائق اخرى لدواخلنا, فلنحاول ان تبدو هذه الحقائق اكثر انسانية ليس من قبيل الكذب, وانما من قبيل التجمل الانساني لا أكثر.