أعود مرة بعد مرة الى العراق بعد أن تتجمع عندي قصاصات عنه, لا يجمع بينها جامع سوى انها عراقية تعبر عن الوضع القائم هناك, أو ما بين هذا البلد العربي المنكوب بآلامه وبين العالم من عداء, امتد ليشمل لا العقوبات على سلاحه ونفطه واقتصاده, بل حتى على حيواناته الأليفة وغير الأليفة . ونبدأ من هذه بالثيران, فهذه كانت مجال سجال وجدل محتدم بين العراق والامم المتحدة, والأصح بينها وبين الولايات المتحدة, فالدولة العظمى الوحيدة في العالم منعت العراق في القرن الماضي (أي مؤخراً وفي ديسمبر الماضي فحسب) من استيراد 15 ثوراً من فرنسا تحت ذريعة الاستخدام المزدوج, اي استخدامها لأغراض عسكرية حسبما روج العراق عن الولايات المتحدة, فردت هذه بسخف الادعاءات العراقية وان المنع شمل أمصالاً مصاحبة لتلك الحيوانات يعتبرها مجلس الأمن انها قد تدخل في صنع أسلحة الدمار الشامل وليس بسبب الثيران. أين الحقيقة؟ لا نعرف, ولكن الذي نعرفه ان السخف العالمي كله وصل الى درجة الثورنة, أي القضايا الثورية, أي مرة اخرى, تلك المشكلات المتعلقة بالثيران, وأن مجلس الأمن من ناحية والعراق نفسه من ناحية اخرى, لديهما من الوقت وراحة البال ورحابة الأعصاب ما يكفي للتفرغ للثيران, بعد أن حلت المشكلات الاخرى بينهما أو كادت, ومن دون أن يخطر في بالنا في يوم من الأيام ان الثيران ستصبح قضية سياسية عالمية. وبما أن رولف ايكيوس عاد مجدداً ليرأس فريق التفتيش الدولي الجديد, بعد ان عجز مجلس الأمن عن العثور على رجل مناسب للمهمة, فاننا لا نعرف ان كانت مراقبة الثيران العراقية تدخل ضمن مهامه الجديدة, فلا يتحرك ثور من مكان الى آخر الا بأمره ولا يقترب ثور من بقرة إلا باذن من فريق التفتيش وتحت نظره, ولا يخور ثور الا بموافقة مسبقة من مجلس الأمن, على اعتبار أن أعمال الثيران العراقية خطيرة تهدد السلام العالمي وتدخل ضمن نطاق العقوبات الدولية على العراق. ونستطيع طبعاً أن نبقى مع الثيران غير أننا نبتعد خوفا من الدخول في المحظور مما لا يليق من كلام, فنتركها الى التعويضات التي تحاول الأمم المتحدة أن تأمر العراق بها لصالح اسرائيل, بحجة انها نقلت طائرات (العال) خارج اسرائيل اثناء حرب الخليج فتكبدت خسائر تطالب عليها اليوم بتعويضات, مقدارها حوالي سبعة ملايين دولار. العراق لم يدفع بعد حسب الخبر التعويضات, غير أنه سيدفعها عاجلاً أم آجلاً طالما انها لاسرائيل التي ينطبق عليها اليوم ما مات حق وراءه اسرائيل تحديداً وليس أي مطالب, لأن هناك آخرين كثيرين تضرروا بسبب الغزو العراقي كما تضرروا بسبب حروب واحتلال, منه الاحتلال الاسرائيلي نفسه لأراضي عرب, لن ينالوا عليها لا اليوم ولا غداً قرش صاغ تعويضاًَ, ذلك لأن شعوباً ومنهم العرب تسعى لنيل المطالب بالتمني فيما دول كاسرائيل تأخذ الدنيا غلابا. أخيراً, فالقصاصات العراقية كثيرة, الا اننا نختم منها بالأمر الرئاسي الموجه لضباط الجيش العراقي بكتابة مذكراتهم عن الحروب التي خاضوها لكي تكون (سفراً خالداً للجيش العراقي للأجيال المقبلة) حسب الأمر, وهناك طبعاً جوائز لأفضل 60 عملاً, ما يعني ان القادة العسكريين سيخضعون لمنافسات حادة للكتابة والفوز بالجوائز, ما يبشر بازدهار الاعمال لعشرات من الروائيين وكتاب القصة العراقيين الذين بارت أعمالهم بسبب الغزو فالحصار فنقص الورق فانعدام الامن والبحث عن لقمة عيش كريمة, حين يستعين بهم الضباط لكتابة المذكرات, فنفرح من قلوبنا لزملائنا العراقيين, الذين وجدوا أعمالا بالوكالة عن الضباط, غير ان السؤال: من يمكنه ان يقوم بأعمال الثيران بالوكالة في حال أصرت الامم المتحدة على منع استيرادها أو وضعها تحت الرقابة الدولية؟