كما هو الحال في الكويت, وكما هو الحال في كل بلد عربي, هناك صراع بدأ يخرج عن أصول الصراع والاختلاف بين من يطلق عليهم بالاسلاميين وبين من يختلفون معهم تحت مسميات متعددة: ليبرالية, أو علمانية, أو حكومية, أم متحررة, أم معتدلة, وغيرها من التسميات. وقد استمر هذا الصراع علنا وبين الكواليس في كل مكان , وهو يأخذ ابعادا خطيرة في بعض الدول العربية وأبعادا سلمية في دول أخرى.. ولكن التجربة التاريخية تعود وتؤكد لنا ان هذا الصراع الشامل ليس بمصلحة المجتمعات, وهو أيضا ليس بمصلحة الدول وليس بمصلحة التيارات التي تتصارع. ففي الوسط تضيع البوصلة الرئيسية التي تفرض التركيز على قضايا فوق وطنية, وعلى قضايا في صميم التطوير والارتقاء والمساهمة في بناء الذات. ففي الصراع تتلهى قوى تعبر عن المجتمع في صراع يفرز مزيدا من الصراع وفي خلافات تؤدي لمزيد من الاختلافات, ويبدأ الأثر السلبي يبدو وكأنه كرة من الثلج تتراكم في حجمها وتزداد في وزنها وسرعة هبوطها وقدرتها على التدمير. وفي محاولة استشفاف أساس المواجهة بين الطرفين نجد انه يتكون من جانبين, الجانب الأول يقوم على الخلاف الطبيعي بين أطراف لا تتفق على نفس المناهج والتوجهات, وبطبيعة الحال لكل منهج انصاره والجمهور الذي يصفق له والجمهور الذي يصوت له وهكذا, هذا التباين يفرض اختلافاً في المواقف وينعكس على العلاقة بين الأنصار والتوجه. ولكن المشكلة ليست بالاختلاف بل هي في أخذ الاختلاف إلى أبعاد أكثر شمولا تدخل في كل مجال وتؤثر في كل سلوك, فالصراع ينعكس على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية, وينعكس على المجتمع وعلى كل مكوناته ويساهم في تمزيق نسيجه وتحويل كل جانب إلى حالة مواجهة مع جانب آخر منه. وقد يقول البعض أننا نميل بحكم عروبتنا إلى العصبية والانحياز الأعمى, أو اننا لا نتحمل الاختلاف فلهذا نكون أكثر حدية فيما بيننا, أو اننا نميل إلى المواجهة التي لا تنتهي إلا بغالب أو بمغلوب وذلك نظرا لضعف تراثنا الديمقراطي وحداثة تجربتنا الانتخابية, أو لضعف في فهمنا لتراثنا الاسلامي أو الابعاد الرئيسية في قيمنا التاريخية والدينية التي تحث على التسامح والتعايش وتؤكد أهمية الجدل والحوار. بمعنى آخر ان المبادئ مهما كان مصدرها, أكانت دينية اسلامية أم أخلاقية, أكانت روحية أم سياسية فهي بريئة من هذا الصراع ذو الطبيعة التي تبدو خارج الحدود والمعقول. ويمكن القول ان الكثير من الاختلاف والصراع مرتبط بنظرتنا للسياسة على انها معركة دائمة وصراع لا ينتهي إلا بغالب أو بمغلوب, ويعزز هذا التصور عدم السعي لاستكشاف نقاط اللقاء ونقاط الاتفاق, وعدم الايمان بفوائد التفاهم على نقاط الخلاف, ففي كل اطار أصبح المنطلق لدى الكثير من الليبراليين ان جوهر الاسلاميين سلبي يسعى نحو احتكار الحقيقة والسلطة, وأصبح في المقابل المنطلق من مناهج الاسلاميين ان جوهر الليبراليين هو الآخر سلبي تجاه الاسلام وتجاه كل ما يرتبط بالدين, في الأساس أصبح الصراع بين الطرفين وقودا للصراع وأصبح الخلاف وقودا للخلاف وأصبح القذف المتبادل وقودا لعزلة كل طرف عن الآخر, وقد يفوت الجميع ان السفينة إذا غرقت فهي تغرق بكل من عليها وتغرق بجميع ركابها دون تصنيف لدين أو تصنيف لأفكار أو لمواقف, فالرياح العاتية لا تفرق بين الانتماءات السياسية. ويفوت الجميع ان انتصار طرف على الآخر لن يحل مشكلات المجتمع, فقد رأينا انتصارات عديدة لأحد التيارات أدت إلى كوارث وإلى صراعات في مجتمعات اسلامية عدة مازالت تعاني من اثار سيطرة تيار على كل التيارات بالقوة وخارج آليات الانتخاب والديمقراطية. ان انتصار طرف على آخر لن يقدم قضايا الناس بل سيؤخرها كما كان الحال في السابق وكما سيكون في المستقبل. لهذا نجد انه في الطريق الطويل بين عصر وعصر, بل بين قرن وقرن هناك ضرورة مطلقة لاكتشاف المشترك بين الأفراد والتيارات والتوجهات أكانت اسلامية وعملية أو انسانية وعملية أم ليبرالية وعقلانية, وسنجد انه في كل تيار اسلامي الكثير من الواقعية والعملية ونجد ان الكثير من الإسلام موجود في كل تيار يتبنى الليبرالية. بالنهاية من الصعب ان نرتقي إذا ضربنا التوازن, فلن نرتقي بلا قيم وأخلاق ولن نرتقي بلا دين وايمان وبلا هوية وانتماء, ولكن لن نرتقي حتما وبكل تأكيد بلا ادارة حديثة, وبلا اقتصاد متحرر وبلا حريات انسانية ومساواة وحقوق مرتبطة بمسئولية اخلاقية وانسانية, هذا يعني ان مكونات المجتمع وجميع مكونات الروح والمادة والماضي والمستقبل, العلم والإيمان والنقد والتقييم يجب ان تلتقي في اطار ما, وفي صيغة تبرز أحسن ما في الأمة. * أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت