ربما كان ما حدث احد الدروس السماوية التي عرفتها مصر كثيرا على مدى تاريخها, والتي تجعل البشر ـ في وقت الشدة ـ يعيدون النظر في امور كثيرة من امور حياتهم, وينسون كل شيء الا محبة الوطن الذي علم الدنيا كلها معنى الحياة الحقيقي, ومعنى ان تصبح انسانا, وان تصنع الحضارة وان تدرك انها شيء اكبر من بناء شاهق او اختراع معجز او تكنولوجيا متقدمة وقد صنعت مصر على مدى تاريخها في هذه السبل جميعها الشىء الكثير ولكنها صنعت الاهم تلك الروح التي تسكن الانسان فتجعله يسمو فوق الكراهية والتعصب ويتحول الى مصدر للخير للعالم كله وللبشر اجمعين. كان حادث (الكشح) ينشر سحابا من الحزن العميق في مصر كلها. فمصر تعرف ان وحدتها الوطنية هي كنزها الحقيقي وسر قوتها التي لا تروق للكثيرين. وكان معنى ما حدث في تلك القرية الرابضة في صعيد مصر ان هناك اصرارا من البعض على الاضرار بالوحدة الوطنية في مصر, وكان معناه ايضا ان هناك تقصيرا في معالجة ما حدث في تلك القرية في عام 98 ابقى النار تحت الرماد, يستغلها البعض في تحويل مشاجرة عادية على بضعة جنيهات الى احداث ادمت قلب المصريين جميعا, ونشرت جوا من الحزن بدلا من البهجة التي كانت تنتظرها وهي تحتفل بعناق اعياد الاقباط في مصر بعيد الفطر المبارك لتلتقي تكبيرات المآذن مع اجراس الكنائس في مشهد عرفته مصر كثيرا واحتفلت به بكل الحب والشعور بالانتماء لوطن عاش آلاف السنين واتقن صهر الاجناس ومزج الحضارات ليكون وطن الجميع.. يصنعونه معا ويحبونه معا ويموتون في سبيله معا. كان الاسى هو شعور الجميع حين اطلت الاعياد واحداث الكشح تطل عليهم ثم جاء المشهد المهيب في وقته تماما, والغريب ان يأتي هذا المشهد مع دبيب الموت الذي طال واحدا من رجال مصر, فاذا بجنازته وقد تحولت الى درس جديد لابناء مصر وللمتربصين بها على حد سواء. كان الراحل هو فؤاد عزيز غالي.. اسم ربما لا يسترعي انتباه الكثيرين ولكن مصر تعرفه جيدا, فهو واحد من ابطال حرب اكتوبر, نال ارفع الاوسمة ووصل الى رتبة (الفريق) وكان اسمه على كل لسان في ايام الحرب المجيدة. فقد كان وهو القبطي واحدا من قيادات الجيش الذي رفع علم مصر على ارض سيناء وجنوده يهتفون الله اكبر. رحل الرجل وودعته مصر كلها وتقدم رئيس الجمهورية المشيعين في الجنازة الرسمية وعادت الى الذاكرة الوطنية صفحات مضيئة لوحدة مصر الوطنية التي جسدتها على الدوام, وفي وقت كانت اوروبا تمارس ابشع انواع الاضطهاد الديني والعنصري. فأقباط مصر هم الذين خاضوا مع مسلميها الحرب ضد الجيوش التي جاءت غازية باسم المسيح حتى انتهت كل الحملات الصليبية بالهزيمة المرة للجيوش الاوروبية. واقباط مصر هم الذين رفضوا كل عروض الاحتلال البريطاني ليكونوا حلفاءه وليتحولوا الى طابور خامس داخل وطنهم. وشاركوا في المقاومة الوطنية للاحتلال, ورفضوا كل محاولات زرع الفتنة الطائفية لتقوم ثورة 1919 العظيمة تحت شعار وحدة الهلال والصليب وتنتصر بهذه الوحدة ولها. واقباط مصر هم الذين رفضوا النص في الدستور (قبل ثمانين عاما) ان تكون لهم حصة مقررة من مقاعد البرلمان او كراسي الوزارة, لان ذلك يعني (من وجهة نظرهم الوطنية) الاعتراف بالطائفية التي يرفضونها.. فمصر وطن الجميع, وهم مواطنون على قدم المساواة مع اخوانهم المسلمين. ولهذا لم يكن غريبا ان يكون منهم رؤساء وزارات ووزراء, وان ينجح مرشحون منه للبرلمان في دوائر انتخابية ليس فيها اقباط, وان يكون منهم المجاهدون في جيش مصر في كل حروبها والقادة الذين انتصروا (مع اخوتهم المسلمين) في حرب الثأر للكرامة في اكتوبر المجيدة. وهذا التراث العظيم ليس مجرد تاريخ يروى, ولكنه ضرورة حياة لمصر, ومن هنا الحاجة الدائمة لرعايته والاستعداد الدائم للقتال ضد اي محاولات للمساس به. وما اكثر المحاولات في تاريخ مصر, وما اعظم الردود عليها. في بداية القرن الماضي وفي ظل الاحتلال اشتعلت اصوات التطرف من الجانبين (الاسلامي والقبطي) ثم انتهى الامر بثورة 1919 الى جسدت الوحدة الوطنية في اعظم صورها, واختفى كل صوت قبيح امام طوفان الحركة الوطنية الواحدة. وفي الاربعينيات عادت اصوات التطرف تحاول الوثوب الى الساحة, ولكن الحركة الوطنية رفضت المحاولات, ثم جاءت ثورة يوليو لتقضي على هذه الاصوات ولتعيش مصر سنوات النضال والوطني والقومي والعدل الاجتماعي كتلة واحدة رغم كل المحاولات الداخلية والخارجية لزرع الفتنة وشق الصفوف. ويجيء السادات ويرتكب احد اخطائه القاتلة برعاية التطرف الديني في وجه الاتجاهات القومية واليسارية, وتجيء نهاية السادات على ايدي الجماعات التي رعاها والتي ما زالت مصر تدفع ثمن جرائمها حتى الآن. وليس بعيدا ما فعلته هذه الجماعات في الاقصر والذي دفعت مصر فواتيره الباهظة.. وما زالت. ولا نريد ان نغرق في احاديث الماضي, ولكننا نقف امام تصريح هام لرئيس الوزراء المصري الدكتور عاطف عبيد أدلى به قبل ايام, وتبدو اهمية الحديث في امرين: * الامر الاول.. انه اعاد الامور الى اصولها, ولم يكتف بالحديث عما حدث في الكشح باعتباره مجرد حادث مؤسف كما يفعل غيره من المسئولين فقد تحدث رئيس الوزراء المصري عن الحادث باعتباره مظهرا للعنف الاجتماعي الذي تجب مقاومته, وقال في تصريح لصحيفة (الوفد) ان حزب الوفد تصدى بالديمقراطية منذ الاربعينيات للعنف الاجتماعي وحاول تصفيته لكن المتغيرات اعادته. ثم تصدى عبدالناصر لهذا العنف بأسلوبه ثم (وفي اشارة للسادات) قال رئيس الوزراء المصري انه بعد عبدالناصر جاء من شجع هذا الاتجاه, وترافق ذلك مع اشتراك بعض عناصر التطرف في حرب افغانستان.. ومثلت هذه المتغيرات الارضية التي تسمح باستغلال الفروق الطبقية لاثارة الفتنة بين ابناء الوطن الواحد. * الامر الثاني الهام في تصريحات رئيس الوزراء المصري انه لم يكتف بالتركيز على الجانب الامني في المواجهة, ولكنه تحدث عن برنامج وطني شامل للتعامل مع المشكلة. وقال رئيس الوزراء ان الحكومة تبحث هذا البرنامج الذي يتعامل مع جذور المشكلة والقواعد التحتية التي يجري تحريكها بدون وعي لاثارة نيران الفتنة, ووصف الدكتور عبيد هذا البرنامج بانه خماسي الابعاد.. سياسي واجتماعي واقتصادي وامني وديني. وان هذا البرنامج سيعرض على الاحزاب السياسية للاشتراك في مناقشته. ولا شك ان هذا تطور مهم في مواجهة ما حدث فليس من العدل ان يتحمل الامن وحده هذه المهمة الحيوية في مواجهة التطرف والعنف الاجتماعي, وليس من المنطق ان نستمر في التعامل مع هذه الاحداث على انها مجرد احداث مؤسفة وان نغفل ضرورة التعامل مع جذورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وليس من الانصاف للنفس وللوطن ان ننتظر حتى تقع الواقعة ثم نذهب لاطفاء الحريق ومحاصرة نيران الفتنة. ان ذلك لا يعني ان يتقلص الجهد الامني ولا ان نتهاون في حساب المجرمين الذي شاركوا فيما حدث او ان يفلت اي منهم من العقاب الصارم, ولكنه يعني ـ فوق ذلك كله ـ ان نمد البصر لما هو ابعد وان ندرك ان جهودا هائلة ينبغي ان تبذل لتجفيف الارض امام الظاهرة الخطيرة التي اشار اليها رئيس الوزراء حين وضع ما حدث في (الكشح) في اطار العنف الاجتماعي الذي يستغل فيها البعض كل السلبيات لتفجير الموقف واثارة الفتنة بين ابناء الوطن الواحد. واذا كان هذا العنف قد ارتدى ثوب التعصب الديني هذه المرة, فهناك الكثير من الاثواب التي يستطيع ارتداءها في ظروف اخرى والتي يصبح فيها الضحايا من اليسار او اليمين ومن الرجال والنساء ومن المسلمين او الاقباط. اننا في انتظار (البرنامج الوطني) الذي اشار اليه رئيس الوزراء للتعامل مع جذور المشكلة ليس في قرية (الكشح) وحدها, وانما لمحاصرة العنف الاجتماعي والتعامل مع اسبابه في كل انحاء الوطن, ونتصور ان يكون البرنامج مواجهة لكل السلبيات وحشدا لكل الطاقات من اجل تنمية لا تزيد فيها الفوارق بين الطبقات ومن اجل الحد من مشاكل البطالة, ومن اجل امتداد مظلة العلاج والتعليم لكل المواطنين, ومن اجل ثقافة تعتز بتراثها ولاتخاصم ثقافات العالم, ومن اجل مجتمع يبتعد اغنياؤه عن السفه ـ وتستعيد به الطبقة الوسطى مكانتها ويجد فيه الفقراء طريقا للامل وسبيلا للخلاص ويشارك فيه الجميع في اتخاذ القرار وتتعمق فيه الديمقراطية ويصبح فيه الوطن ساحة للتفاعل بين كل الآراء ومختلف التيارات, ويصبح فيه المستقبل مسئولية الجميع من اكبر مسئول الى اصغر مواطن. ولعل اشارة رئيس الوزراء الى عرض البرنامج على الاحزاب السياسية تكون مؤشرا على نهج جديد ترفع فيه القيود عن الاحزاب, ويعم فيه النشاط السياسي انحاء الوطن, وتصبح المشاركة في صنع القرار وتحديد السياسات واقعا, ويختفي فيه هذا الفراغ السياسي الذي لا تستطيع ان تملؤه احزاب شكلية, فتتهيأ الفرصة لخفافيش الظلام وفيالق الارهاب لكي تنمو ولاتجاهات التعصب ان تنتشر وللعنف الاجتماعي ان يجد مكانا. وفي انتظار البرنامج الوطني والحوار الذي نرجو ان يدور حوله بايجابية بين كل الاحزاب والتيارات السياسية وفي انتظار رؤية جديدة تجد طريقها للتطبيق ولا تكتفي بالتغني بالماضي وانما تقتحم مشاكل الحاضر بجسارة وتمد البصر نحو الغد المأمول, وتدرك ان الوحدة الوطنية كائن حي يحتاج للرعاية الدائمة, وان بذرة العنف الاجتماعي لا ينبغي ان تجد التربة الصالحة لتنمو وان امن مصر واستقرارها أكبر من ان يترك للمعالجة الادارية او الامنية فقط, واخطر من ان يعبث به مهاويس التعصب الذين يستغلون مشاعر البسطاء وظروف الواقع القاسية. وكل الامل الا ننسى بعد حين ما وقع لنصحو على مفاجأة مؤسفة اخرى.