في معظم تاريخ الحروب هناك علاقة طردية بين حجم الجيش وسبب انتصاره, فالجيوش ذات العدد الاكبر تتفوق عادة على الجيوش الصغيرة, وبالمعنى العام فان الجيش الكبير يكسب معارك اكثر, وعندما بدأت التقنية تستخدم بكثافة وتعطي تأثيرا متزايدا في نتائج الحروب استطاعت الدول الصناعية الكبرى ان تستفيد من تقدمها التقني في تعبئة مصادر اكثر واكبر لخوض الحروب, مثل استخدام القوة النووية او الاقمار الصناعية التجسسية. كان ذلك في معظم فترات التاريخ, ولكن ليس في كل احداث التاريخ ومواقعه, ففي الخمسين سنة الماضية ـ ومع بروز العولمة وتوق الشعوب الى الحرية تحت راية القومية او غيرها من الرايات الوطنية او الدينية ـ شهدنا تفوقا جديدا للقوى الصغرى امام القوى الاكبر, ما دام هناك تعبئة حقيقية لهذه القوى للوقوف امام القوة الاكبر او الجيش الاكبر, شهدنا ذلك في السبعينيات في حرب فيتنام التي حاربت اما القوات الفرنسية ثم الامريكية, ونشهد اليوم النتيجة نفسها تقريبا في مقاومة القوة الشعبية الشيشانية لقوة ضخمة عددا وعدة وهي بقايا الجيش الامبراطوري السوفييتي. ولان الحق لا يتجزأ فان الشيشان يكافحون امام هذه الترسانة من الاسلحة الضخمة المكونة من المدافع والدبابات والصواريخ والراجمات والطائرات المروحية التي نراها يوميا في نشرات الاخبار والتي هي اكبر منها واعظم, ومع ذلك فان القوة المقاومة للشيشان لم تلن او تنكسر, برغم ان الحديث عن اجتياح العاصمة الشيشانية جروزني يتكرر يوميا, كما يتكرر عن الاطاحة بجنرالات روس ثم عودتهم الى ميدان القتال. هناك بعض الدول والمجتمعات التي يمكن ان تقاوم وتصمد وتحرج دولا كبرى ولكن بالمقابل هناك دول صغيرة اخرى تكون تحت رحمة هذه الدول الكبرى, لان الاخيرة تستفيد استفادة قصوى من (ثورة التقنية) في المعدات والاجهزة العسكرية, ولكن بعض الدول او المجتمعات الصغيرة, كما هي حالة الشيشان اليوم, تستطيع ان تضع قوات دولة كبرى في حالة المخاطرة بسمعتها, والتراجع امامها باستخدام تقنية بدائية نسبيا تعضدها بعزيمة لا تلين وتصميم لا يضعف على بلوغ الهدف, كما تستطيع ان ترسل رسالة واضحة بأن دبلوماسية القوة ليس بالضرورة مقدرا لها ان تنجح في كل الاحوال وتحت كل الظروف. جزء من نجاح المقاتلين الشيشان امام الجيش الروسي حتى الان هو استفادتهم ـ وان كان بالسالب ـ من العولمة الاعلامية, فقد لعبت وسائل الاعلام العالمية دورا في تعريف العالم بالمشكلة الشيشانية, وعرضت يوميا ضحايا هذا الشعب الذي يريد ان يتحرر ويصبح له كيانه الخاص, واصبح الامر, حتى بين بعض وسائل الاعلام الروسية, يلاقي نقدا ظاهرا او مبطنا لفشل الحملة العسكرية على الشيشان او المطالبة بحل سياسي, ولعل واحدا من اسباب تنحي بوريس يلتسين المفاجىء في اخر ايام العام الماضي عن مهامه بوصفه رئيسا للجمهورية هو الفشل الذي منيت به الحملة العسكرية على مقاتلي الشيشان. وكذلك فان صدى الحرب يتصاعد في اوساط اخرى, منها جمعيات حقوق الانسان الدولية والمنظمات الدولية الانسانية. وامام القائم باعمال رئيس الجمهورية الروسية الجديد فلاديمير بوتين هامش ضيق من الوقت للوصول الى حل عسكري ونهائي, وذلك غير ممكن مما هو سائد على ساحة الحرب اليوم, والارجح التوجه لايجاد حل سياسي كما تشير بعض التقارير الدولية كلما قربت الانتخابات الرئاسية في روسيا, خاصة ان بوتين يريد ان يراهن ـ في سعيه الدؤوب لانقاذ روسيا مما هي عليه ـ على الجيش كواحد من الاعمدة الوطنية, وبالتالي لا يستطيع ان يغامر بفقدان هيبته. فالتوجه الى حل سلمي هو الاقرب الى المنطق, وان حدث ذلك, وبصرف النظر عن النتائج المباشرة, فهو يعد نصرا اكيدا لمقاتلي الشيشان المطالبين بالاستقلال. مقاومة الصغير للكبير (بمعنى الحجم والعدة) ليست ظاهرة جديدة كل الجدة في العالم, كما ان انتصارها ليس غريبا او بعيدا عن التفكير, فقد قاوم الشعب الكويتي جحافل قوات الاحتلال العراقي بمخابراته وعصفها وقواته وتسلطها وايضا بقوتها العددية وبأجهزتها القتالية الضخمة, فان كان هناك إيمان عميق بأسباب المقاومة وبالتالي الاستعداد لمواجهة الموت للدفاع عن الاوطان, تستطيع الدول الصغيرة ان تقف امام دول كبيرة, اكبر منها حجما واكثر في ترسانتها العسكرية ورصيدها الحربي. انتصار فيتنام من جهة وافغانستان من جهة اخرى على دول الحرب الباردة الكبرى, الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, هو الدليل على قدرة الدول الصغيرة على الدفاع عن حقوقها. الدول الصغرى تستفيد من قدرتها على التركيز على اهداف محددة وقدرتها ايضا على التعبئة الكاملة ضد العدو, في حين ان الدول الكبرى تستطيع ان تحشد قدرا اكبر من القوة العسكرية, ولكن بسبب هذا الحجم تضيع ميزة التركيز وتتخللها بيروقراطية صعبة وطويلة لا تتوقف عندها الدول الصغيرة. فالمقاتل الشيشاني يحمل البندقية لايمانه بما يفعل ولمعرفته السبب وراء حمله لهذه البندقية, اما الجندي الروسي فهو في الغالب لا يعرف لماذا تدور هذه الحرب وهو يدخلها وفي ذهنه هدف واحد: ان يخرج منها سالما كما يفعل السياسيون في موسكو, هذا الاختلاف في العقيدة القتالية هو الذي يسبب الفرق بين انتصار الصغير المؤمن وفشل الكبير فاقد الهدف المباشر. التقنية العالية التي اجتاحت العقيدة العسكرية في الدول الكبرى في العقود الثلاثة الماضية, ابعدت الممارس العسكري فيها عن الاحتكاك المباشر في ساحة المواجهة, هذه التقنية طورت لهدف القتال بالصواريخ العابرة للقارات والقوة المدمرة عن بعد, ولكنها افقدت المقاتل المباشر على الارض مبادرته, فقوات الدول الكبرى تستطيع ان تكسب حربا عن بعد, ولكنها تتعطل على الارض عندما يحتاج الامر الى مواجهة مباشرة في حرب على شاكلة حرب العصابات. وعندما تكون المواجهة ذات بعد ايديولوجي ووطني, وعندما يؤمن المقاتل باهدافه الوطنية. ولعلنا نذكر في هذا المقام تاريخ الانتفاضة الفلسطينية, في الوقت الذي يلاحظ فيه اي مراقب عدم قدرة جيوش نظامية عربية على مواجهة جيش اسرائيلي, كما تم مرات عدة في حروب العرب مع اسرائيل النظامية, نجد ان هذا الجيش بكل قدراته التقنية كان عاجزا ـ بشهادة الاسرائيليين انفسهم ـ عن مقاومة الانتفاضة او السيطرة عليها, ولعل الكثير مما تم حتى الآن في مسيرة السلام العربي الاسرائيلي ترجع جذوره الى ظاهرتين: المقاومة بالانتفاضة في فلسطين والمقاومة في جنوب لبنان, وكلتاهما ليست لهما علاقة بالحرب المنظمة, بل بالمقاومة الشعبية المستمرة. الهدف النهائي لاي حرب هو ان تفرض ارادتك على العدو, وفرض الارادة له طريقان: اما عن طريق السيطرة المباشرة, او القسر. في الاولى انت تحتوي العدو وتفرض عليه ما تأمره به, اما القسر فهو ان يكون للعدو خيارات, ولكن العقاب الذي يصيبه ما لم يأخذ الخيار الذي تبتغيه انت, يكون باهظ الثمن, مثل ما تم ازمة الصواريخ الكوبية في الستينيات او في حالة الاعتداء الثلاثي على مصر عندما هددت الولايات المتحدة القوى المتحالفة وقتها, او مثل ما تم من فرض العقوبات على العراق ومنعه قبل ذلك من استخدام ترسانته الكيماوية والجرثومية ضد الحلفاء, وكلها امثلة تقع في اطار الانتصار وفرض الارادة سواء كانت دولية او وطنية. في الشيشان ما يريد تحقيقه المقاتلون هو الوصول الى حالة من الاستقلال الوطني, وهي حالة تحبذها المواثيق الدولية وتفرضها العولمة, بعد ان تنفست الكثير من القوميات العرقية والاثنية في اوروبا, وكان اخرها شعب كوسوفو في يوغسلافيا السابقة والتي دخل من اجلها حلف شمال الاطلسي حربا طويلة الامد او مثل ما حدث في ايرلندا الشمالية, بعد هذا كله فان من حق القوميات والاثنيات المختلفة, والتي كانت منضوية قسرا تحت جناح الاتحاد السوفييتي السابق, ان يجد مواطنوها الفرصة كي يحكمون انفسهم. ففي الوقت الذي تقدم فيه دول اوروبا الشمالية المثال في اتاحة الفرص للقوميات المختلفة والاثنيات واصحاب الديانات او المذاهب ان يشكلوا هوية خاصة بهم, كما هو في اسكوتلندا وويلز وايرلندا الشمالية في بريطانيا, وكذلك في كوبيك في كندا وفي الجزر الاندونسية شرق تيمور وفي غيرها من الاماكن, في الوقت نفسه نجد من يقف في وجه هذا الحق حين تطالب به جماعات اخرى, والذي يجب قوله انه مثلما يحق لهؤلاء حكم ذاتي, يحق للشيشان وغيرهم من القوميات ان يحاربوا من اجل استقلالهم. التاريخ الحديث, وتوجه العالم, والمنطق, كل هذا يقود الى الايمان بأن معركة الشيشان هي من صلب معركة حقوق الانسان في العصر الحدث, ونصرها ومناصرتها جزء لا يتجزأ من هذا التوجه الانساني, والتغافل عن المذابح التي تجرى هناك تقصير لا يغتفر في نصرة الحقوق الانسانية, اما انتصار القضية الشيشانية فهي عملية وقت لا اكثر, بحساب المنطق... لا العاطفة.