كيف تصمد دولة افريقية فقيرة ضعيفة الموارد في حرب طويلة ضد اربع دول افريقية اخرى مجتمعة وتواجه في الوقت نفسه قتالا داخليا على ثلاث جبهات تشنه ثلاث حركات تمرد مسلح؟هذا هو السؤال الذي كان يجب على جون قرنق ان يتفكره سياسيا وهو يشهد نظام موسيفيني في يوغندا متورط على هذا النحو الخطير خارجيا وداخليا . فلو تفكر وخرج باستخلاصات موضوعية لما فوجىء باتفاق امني بين نظام موسيفيني والنظام السوداني. فلكي ينقذ موسيفيني موقفه العسكري المنهار او يخفف من وطأته قرر تحييد واحدة من جبهات التمرد المسلح الثلاث.. وتحديدا الجبهة الشمالية التي تنشط فيها حركة (جيش الرب) على حدود السودان الجنوبية... فكانت تلك المقايضة الامنية التي بمقتضاها يضحي موسيفيني بورقة قرنق مقابل ان تضحي حكومة السودان بحركة (جيش الرب) . وهكذا.. ما بين القاهرة واسمرا واديس ابابا وكمبالا تغيرت صورة الوضع الاقليمي لغير صالح (التجمع) السوداني المعارض. فهل وعى قادة التجمع موعظة المعارضة من الخارج اعتمادا على دولة مضيفة؟ عندما يقرر زعيم سياسي الالتجاء الى عاصمة خارجية ليمارس منها نشاطا معارضاً فان المفهوم في هذه الحالة انه لو بقي حاضرا في الساحة الداخلية فانه يخشى الاعتقال والتعذيب واحتمال الاغتيال. لكن كيف يكون معارضا جادا من لا يملك مؤهلات الاخلاص والشجاعة وارتضاء التضحية؟ لقد لجأ قطبا المعارضة الشمالية الرئيسيان الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني الى الخارج وهما يراهنان على حركة قرنق المسلحة بأمل ان تنجح في اسقاط النظام الحاكم عسكريا او هزه هزة قوية حتى يرضخ سياسيا لشروط المعارضة.. حتى اذا ما تحقق هذا النجاح فانهما يهرولان عودة الى الخرطوم لالتقاط الثمرة... دون معاناة او تضحية. وكان هذا التفكير تفكيرا رغائبياً قاصرا لانه اولا يفترض سذاجة سياسية في جون قرنق... وهو ليس كذلك... وثانيا لانه يتغافل أن اجندة قرنق السياسية لا يقررها قرنق وإنما تقررها القوة العظمى التي يعتمد عليها عسكريا وماليا وسياسيا, الولايات المتحدة الامريكية. هذه المعطيات ادركها مؤخرا الصادق المهدي بعد ان توصل الى قناعات نهائية بشأن الاهداف الحقيقية للولايات المتحدة.. وايضا بشأن التجمع... فتحدث عن (الاجندة الخفية) لواشنطن والمناورات الازدواجية لحركة قرنق وسلبية بعض اعضاء التجمع وتواطؤ البعض الاخر. فزهد الصادق المهدي في التجمع مما ادى الى تفتته عمليا. وادى خروج المهدي على التجمع الى كشف المزيد من طبيعة هذا التنظيم. فالذي يستشف من اقوال المهدي وتصريحاته ان التجمع لم يكن في يوم من الايام تحالفا استراتيجيا ذا توجه ايديولوجي موحد. كان مجرد كيان (تكتيكي) تتصادم توجهات اعضائه وتتناقض رأسيا. على ان تفتت التجمع لا يجب ان يدعو الى الاستهانة بكياناته الفردية او بالاحرى بعضها. فالحزبان الكبيران, حزب الامة بزعامة المهدي والاتحادي الديمقراطي بزعامة الميرغني يتمتعان داخل السودان بقاعدة شعبية عريضة وتراث سياسي تاريخي راسخ. واذا اراد الزعيمان الكبيران الاستفادة من تجربة المعارضة في الخارج والدرس المستقى منها فان نقطة البداية هي اعادة استثمار قواعدهما الجماهيرية مما يتطلب عودتهما الى الساحة السياسية الداخلية لمنازلة القوى السياسية الاخرى الداعمة للنظام الحاكم