كلما لمع نجم عربي في سماء الغرب, أو في أفق الامريكيتين طارت له القلوب, وارواح الملايين العربية, باعتباره البطل والاسطوره التي نعوض من خلالها كل احباطات الواقع, ومع القلوب الطائرة, تشحذ الصحافة اقلامها ـ كالمعتاد ـ ويعد الاعلام ادواته بحثا عن نصيب في هذا (المولد) العربي الجديد ! صرنا نبحث عن انجازاتنا خارج فضائنا, لان فضاءنا محجوز لقضايا أكبر واهم, ولاننا آمنَّا ايمان العجائز, واقتنعنا بأننا أمة لا تملك صناعة العبقرية والابداع, ولكنها يمكن ان تكون التربة الصالحة (لتخليق) اجنة العباقرة والمبدعين, شريطة ان يبحثوا لهم عن (محاضن) اخرى في مرحلة النمو واظهار المواهب, فنحن ـ للاسف ـ لا نملك امكانيات الرعاية الأولية لهم, بقدر ما نملك مناخات فائقة الجودة مهمتها قتل العبقرية في مهدها! بعد الافراح والاحتفالات ومظاهر التكريم التي حظي بها في مصر العالم المصري الاصل الامريكي الجنسية د. احمد زويل صاحب جائزة نوبل في الكيمياء وجد أحد الصحفيين نفسه يتساءل: أكان د. احمد زويل سيصبح هذا العالم الفذ العبقري اذا قدر له البقاء في احدى الجامعات العربية؟ والسؤال يحمل جوابه سلفا, فلا داعي لانتظار الاجابة! نفاخر اليوم بالدكتور النابغة أحمد زويل, ونصر على الالتصاق به, لان دمه عربي, وسحنته عربية, ولاننا نحن العرب الذين انجبناه, كما نفاخر بالطبيب البارع جراح القلب البريطاني مجدي يعقوب, ونتباهى بالعالم فاروق الباز احد رواد وكالة الفضاء الامريكية (ناسا) وطرنا فرحا بلاعب فرنسا الجزائري زيدان, ولم نتردد ذات يوم عن التباهي بالمرحوم (دودي الفايد) فقط لان اميرة بريطانيا الراحلة ديانا اختارته حبيبا. وقبل كل هؤلاء امتلأنا فخراً بالعالم المصري الكبير يحيى المشد وعلماء عباقرة كثيرين من العراق وسوريا ومصر من الذين لم نعرفهم الا في اليوم الذي وصلتهم فيه ايدي الموساد الاسرائىلي في عواصم الغرب! وهكذا قدر للعبقرية العربية, فإما ان تموت في فضاء النشأة والوطن قهرا وتجاهلا, واما هناك في عواصم الغرب اغتيالا او ازدهارا, وبين الموت والموت يشتري بعض العباقرة حياتهم بالانتماء للغرب والتبرؤ من دمهم العربي القاتل. وتبقى بعد ذلك في العقل والقلب ملايين من علامات الاستفهام والتعجب, لو تناثرت لشكلت مظلة يمكن ان يقف تحتها آلاف من النابغين والعباقرة الذين يسيرون تحت السماء العربية الممعنة في الجفاف والنضوب والتآمر على التميز. كل ما نجيده حين يخترق النابغون المظلة ويبحثون عن اراض أجمل وسماوات مطيرة, ان نرحل خلفهم لنقول القصائد والملاحم ونقلدهم الاوسمة والنياشين ونسرق نجاحهم لصالح فشلنا وعجزنا. مليئون نحن بمركبات النقص حتى النخاع, ولذلك نبحث عن انتصارات الاسطورة الزائفة في خيالات نجدت انزور, واغاني الفيديو كليب ومباريات البرازيل وايطاليا.