هل صحيح أن التربية, كانت تقوم بها وزارات التعليم قديماً واليوم يقوم بها تجار المواشي؟ لا نعلم, غير أن هذا ما يقوله على الأقل عدد ليس قليلاً من الشباب العربي, الذين وصلوا من العلم والثقافة الى درجة أن لهم موقعاً على الانترنت, يبثون من خلاله مفردات في القاموس السياسي الجديد الذي يعملون على وضعه كبديل عن القواميس السياسية السابقة , خاصة العربية منها, بعد ان سقطت هذه واحداً بعد آخر. شبابنا هؤلاء ظرفاء يستعينون بالطرفة على واقعهم العربي الكئيب, فهم وضعوا دليلاً لـ (الشباب الرِوِش لفهم الكلام الكبير) , أي السياسة التي كانت ولاتزال مجالاً محرماً على الشباب العربي, ممنوعون من الخوض فيه أو الاقتراب منه, فتكون النتيجة السخرية المرة ثمرة هذا المنع, أو الضحك كالبكاء ومحاولة تصنيف وتوصيف ما يعيشون بالمقارنة مع واقعهم. ونعود الى قاموسهم الذي بدأنا به, فاذا كان تجار المواشي هم الذين يقومون بالتربية حالياً, فمن يربي تجار المواشي ويعلمهم اذن؟ مطربو ومطربات الفيديو كليب على ما أظن, من دون حاجة الى دليل, فالتشابه واضح في الذوق والثقافة, ولهذا فانه حسب القاموس السياسي الجديد, فان العولمة التي هرونا بها ليل نهار, ما هي الا عملية تحول اجتماعي وثقافي تتزعمه فيفي عبده, أما الشفافية فتتبع العولمة بوصفها السمة الضرورية للملابس المستخدمة في العولمة. طبعاً بهذا المعنى فان العرب اذا ساروا مع العولمة فسوف ينتهون بلا ملابس لعدم الحاجة اليها أو لتطبيق المزيد من الشفافية لاثبات حسن النوايا تجاه العالم, لذلك فليس غريباً أن يكون تعريف اسرائيل في قاموس الشباب بأنها ماركة أمريكية من الشماعات نعلق عليها ثيابنا, وان تكون عملية السلام مثل عملية اللوز (أي اللوزتين) تنتهي برمي اللوز في الزبالة. هل معنى ذلك ان السلام سوف ينتهي في الزبالة عند الشباب فيكون بلا معنى ولا قيمة؟ الله أعلم, غير انهم يقولون عن السلام العادل والشامل الذي يسمعونه يتكرر في الأخبار العربية, بأن عادل معروف لديهم, اما شامل فيتساءلون عمن يكون, وهم على حق طبعاً فمن لا يعرف اليوم عادل امام مثلاً, اما شامل فمجهول حقاً, ولعله يكون شامل باساييف الشيشاني. غير ان شبابنا العربي ليس مشغولا بالشيشان, فما عنده من هموم تكفيه, يوزعها على السياسة كما يوزعها على نواحي معيشته الاخرى, فالتعمير مثلا الذي يحلم به ان يتم في بلده لم يكن عنده سوى عملية تتم في الغرزة, لذلك فالتنوير, وهو عادة لصيق بالتعمير والحضارة, لا معنى له سوى انه عملية تحدث في الشارع الذي يسكنه وزير, اما التغيير فهو عملية شديدة الأهمية تتم للطفل عندما يكون مبلولاً. وهكذا فاننا عربياً انتهينا من التنوير والتعمير والتغيير الى ما سبق من نتائج, فيما انتهى الغرب مثلاً الى نتائج تختلف تماماً نراها في حضارتهم اليوم علوماً وديمقراطية ورفاهية, ولهذا فالشباب العربي ليس امامه من مفردات لقاموس سياسي مفيد سوى ما يخترع من مفاهيم لمصطلحات فقدت قيمتها الحقيقية, وهكذا فان الشريط الحدودي مثلاً هو الشريط المقبل لعمرو دياب, والخصخصة, موضة الحكومات ها اليومين, لا تحدث سوى في الحدائق يوم شم النسيم مع أكل الفسيخ والملانا, ورجال الاعمال اشخاص يعملون على فك الربط للرجالة وعمل الاعمال للستات, وشهادة الايزو شهادة مضروبة يشترونها مثلما يشتري الفلاحون شهادات محو الأمية بكيلتين من الذرة, غير اننا نختم من القاموس السياسي لشبابنا بما بدأنا به, اي العولمة, والتي منها اليوم اتفاقية منظمة التجارة العالمية, المعروفة بالجات, فهذه اسم يطلقه أهل اليمن على نبات يشبه البانجو! .. وخزّن عليها تنجلي!