مع نهاية القرن العشرين وبداية الفية جديدة, يقوم اغلب الناس في العالم بتوقف قصير لتقييم ما تم انجازه خلال هذا القرن على الاقل. وتحاول كل ثقافة تسمية الاشياء الاجدر بالذكر والتي يتوقع ان تجتاز اختبار الزمن والانتقال معه الى القرن التالي. وممارسة كهذه قد تكون مهمة جدا للعرب الذين حافظوا على وجودهم وهويتهم وثقافتهم برغم العديد من الهيمنات الاجنبية التي تسلطت على مقدراتهم على امتداد القرون الخمسة الاخيرة, والذين اعيد تحديد حدودهم عدة مرات خلال هذا القرن. ويغمر العرب اليوم احساس بالتحديات الجسام حين يتذكرون الآمال والطموحات التي حلموا بها منذ قرن مضى, وبرغم ان غالبية البلدان العربية كانت لا تزال خلال النصف الاول من هذاالقرن تصارع الهيمنات الاجنبية فإن جيل اليوم يعتبر ذلك العصر عصر النهضة الثقافية والسياسية. كانت النساء العربيات طوال الالفية الثانية هذه مشاركات فعالات في الحركة الادبية العربية, خاصة في الشعر, ومؤخرا في النثر والرواية, ويعتبر حضورهن في مجمل الادب العربي بارزا مع انه لا يزال على النقد الادبي ان يعترف بهذه الحقيقة ويوضح ابعادها, اذ لا يزال اغلب النقاد يشعرون بأن دراسة ادب المرأة امر اختياري ضمن محاولاتهم تقييم الادب العربي بشكل عام. ويبدو هذا الامر مذهلا على ضوء نتائج بحث استكملته ونشرته عن مساهمة المرأة العربية في الكتابة الروائية, والتي اظهرت فعلا ان المرأة هي اول من كتب الرواية وانها سبقت الرجل بخمس عشرة سنة, ومع ان المناهج المدرسية في جميع الاقطار العربية مازالت تدرس التلاميذ ان رواية (زينب) لحسين هيكل هي الرواية العربية الاولى, فإن الحقيقة هي ان رواية (حسن العواقب) للكاتبة اللبنانية زينب فواز والتي نشرت عام 1899 هي اول رواية في الادب العربي وانه قبل عام 1914 نشرت زينب فواز وعفيفة كرم ولبيبة هاشم اكثر من ثلاث عشرة رواية. وهذا الامر يندرج ضمن مساهمة المرأة العربية في الشعر قديما وحديثا والتي غالبا ما تهمش بالاشارة الى الخنساء ونازك الملائكة وحسب والى الرثاء وحسب كموضوع نسائي. ولكن ومع ان الارث الادبي النسائي مازال يعاني من الاهمال فقد اصرت النساء العربيات وعلى مدى قرون على اللجوء للكتابة كوسيلة للمشاركة في الحياة العامة, باعتبار ان اي شكل من اشكال المشاركة خلال الزمن العادي يبدو بعيد الاحتمال, مع انه كانت تتم دائما دعوة النساء العربيات خلال الازمات الوطنية للعب دور فعال في الدفاع عن بلادهن. وقد لبت النساء دائما هذه الدعوة, وبرزت مشاركتهن في الكفاح الوطني المعاصر في مصر وسوريا ولبنان والجزائر والعراق والكويت والاقطار العربية الاخرى. في الحقيقة لدى سماعي لقصص النساء عن ازمنة الحرب في الجزائر وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والعراق توصلت الى قناعة بأن النساء هن اللواتي خلقن صورة (الرجال الشجعان) , وربما كان الرجال يشعرون بأنهم ملزمون اخلاقيا بمحاولة الحفاظ على هذه الصورة خاصة وان النساء خلال الازمات يبدين جلدا وشجاعة اكثر من الرجال ويرفضن البقاء مع رجل جبان يتخاذل في الدفاع عن وطنه. ربما كان هناك سببان اساسيان لتركيز المرأة العربية على آلمساهمة الفعالة في الثقافة والادب بدلا من محاولة خوض غمار المجالات الاخرى: السبب الاول هو ان الثقافة والادب والتربية والتعليم قد اعتبرت من قبل المجتمع امتدادا لدور المرأة التربوي المنزلي, ولذلك فانها تحظى بموافقة المجتمع ولا تسبب لها اشكاليات تذكر, والسبب الثاني هو حرمان المرأة العربية التاريخي (اذا ما تجاوزنا اسماء بعض الملكات والحاكمات في العهود البعيدة اللواتي يشكلن الاستثناء الذي يثبت القاعدة) من أي مشاركة سياسية حقيقية, وذلك يعود ربما لاستمرار تقاليد الوأد الجسدي المعروف بأشكال جديدة ادت الى وأدها سياسيا وتهميشها ثقافيا وقمعها اجتماعيا, ولذلك فقد اصبحت الكتابة بالنسبة للنساء العربيات رسالة ادبية واجتماعية وسياسية. وهكذا فقد اصبحت مساهمة النساء الثقافية الوسيلة الوحيدة للتأثير في الاحداث الاجتماعية والسياسية وللتمتع ببعض السلطة في بنية تحتية لم تتح لهن فيها اي سلطة على الاطلاق, ونتيجة الحضور الثقافي المتميز للنساء العربيات على مدى عقود القرن العشرين, فقد شعرت بعض الانظمة السياسية العربية انه بات من الضروري تماشيا اما مع توجهاتها الثورية او مع روح العصر, تعيين نساء في مواقع رسمية: وزيرات وسفيرات ومديرات, وعلى الترحيب بترشيح النساء للمجالس النيابية, وليس من قبيل المصادفة في الواقع ان اولى الوزيرات في الوطن العربي كن وزيرات للثقافة والشئون الاجتماعية واغلبهن كاتبات او استاذات جامعيات, وحتى الحضور القليل للنساء في النظام السياسي لم يكن ليصبح ممكنا لولا الاداء المتميز للنساء في المجالات الادبية والثقافية, اي ان النساء العربيات قد احرزن هذه المكانة السياسية الصغيرة اللاتي يتمتعن بها عبر مشاركتهن المكثفة في الانتاج الثقافي وعبر الاثار الذي احدثته في وعي الاجيال العربية المتتالية. ويبدو ان على النساء في جميع الدول العربية ان يكن مفكرات وشخصيات ثقافية بارزة وذات شعبية واسعة اذا كان عليهن دخول الميدان السياسي, بينما هذا الشرط لا ينطبق على الرجال. وفي الواقع, ان كل النساء السياسيات في العالم العربي تقريبا من زهور ونيسي في الجزائر, الى نجاح العطار في سوريا, الى وزيرات اخريات في العراق, ومصر والمغرب والاردن وليبيا هن كاتبات او مفكرات مبدعات في مجال تخصصهن ويتمتعن بخلفية تربوية متميزة, وفي الجزائر مثلا شغل الرجال الذين اشتركوا في الثورة مناصب سياسية عالية, بينما لم تصبح اي من النساء اللواتي اشتركن في الثورة جزءا من النظام السياسي فيما بعد, وكان على الوزيرة الوحيدة في جزائر ما بعد الاستقلال ان تكون كاتبة وعينت وزيرة للثقافة بعد عقدين من الاستقلال ويبدو لذلك ان الطريق الى الحياة السياسية امام النساء العربيات هي الثقافة. وعبر التعليم والادب والامتياز الفكري يمكن ان تشق النساء العربيات اخيرا طريقهن الى مراكز صنع القرار اي ان الثقافة تعتبر شرطا اساسيا لدخول النساء عالم السياسة في الوطن العربي, وعلى المرأة ان تكون ذات طبيعة فكرية كي تفرض نفسها على الطبقات السياسية, مع ان الكثير من الوزراء العرب, او العاملين في السياسة العربية, طوال هذا القرن, لم يكونوا كتابا او مفكرين او مبدعين في اي مجال, بل ان العديد منهم لم يكونوا من المبرزين في وظائفهم, وبالتأكيد لم يسمع الناس بالكثير منهم قبل توليهم مناصبهم. ورغم اداء المرأة المتميز في مجال الثقافة والادب فانها كمربية واستاذة لم تنجح بعد في احداث تغيير نوعي في الوعي الاجتماعي بمكانتها وقدراتها, ولم تقتنع جماهير النساء بعد بأن الحكم على المرشح يجب ان يكون من خلال المؤهلات والخبرة والامكانات وليس من خلال كونه ذكرا أو انثى, وربما يحتاج هذا التغيير النوعي الى تراكم كمي تحدده نسب الامية, والتعليم العالي, والتشغيل بين النساء. ولابد من اجل خلق وعي اجتماعي عال بقضايا المرأة ان تتواجد في كل موقع من مواقع العمل وليس فقط ان تكون وزيرة او سفيرة, حين تصبح المرأة في مجالس البلديات ومديرة لمستشفى ومحافظة وعضوة فعالة في الاحزاب السياسية والمؤسسات جميعها وبنسب تقارب وجود الرجل في هذه المؤسسات, اي تكون مشاركة فعالة في صنع القرار على جميع مستويات البنى التحتية, حينذاك سيرتفع الوعي الاجتماعي بإمكاناتها وسيتم التصويت لها على أساس مؤهلاتها وليس على أساس جنسها كامرأة فقط. لقد اقتصرت القوائم الانتخابية في الكثير من الحالات على وجود (وجه نسائي) وحسب وكأن حضور المرأة سيزين الاجتماع دون محاولة تحقيق مشاركة فعالة لها. ولابد في هذا الصدد من الاستفادة من تجارب الآخرين, ففي السويد شغلت المرأة جميع أنواع الوظائف في الدولة إلى أن اصبح من المستهجن ان تبقى بعيدة عن المشاركة السياسية الفعلية, فاصدرت الاحزاب قرارها بتخصيص حصة 50% من المقاعد للنساء وحذت حذوها النرويج, والآن بريطانيا وفرنسا تدرسان النموذج نفسه, واصدرت الأمم المتحدة قرارا بتخصيص حصة للنساء بنسبة 50% في الحياة السياسية عند حلول العام 2000. واعتقد أنه في هذه المرحلة لابد من فرض حصة معينة للنساء والالتزام بها, خاصة وان النساء اصبحن مؤهلات في جميع الاختصاصات والميادين ولاخوف من عدم ايجاد امرأة مناسبة لموقع مهني رفيع, بل الخوف أن يحول البعض بينها وبين الممارسة الفعلية لحقها والتي تعود عليها وعلى شعبها ووطنها بالفائدة. ان ما نحتاجه اليوم هو خلق الوعي لدى المرأة والرجل على حد سواء بضرورة مساهمة المرأة الفعالة في جميع المجالات, وان ترتكز الاحكام جميعها على الكفاءة وليس على جنس المرشح. ولكن وقبل ان تتمكن المرأة العربية من فعل أي شيء لابد لها من تحقيق مواطنيتها كي تتمكن من المطالبة بحقوقها وتتبوأ المواقع المناسبة لها في السلطتين التشريعية والتنفيذية. إن الحق في المواطنية هو كالحق في الحياة, ولذلك يجب أن يكون في أعلى سلّم اولويات منح النساء فرصا متكافئة وحقيقية. والفارق الرئيسي الان بين الثقافة السائدة التي انتجها الرجال والثقافة المهمّشة التي انتجتها النساء بقدر ما يهم المستقبل العربي هو ان ثقافة النساء اثبتت انها موثوقة. ولا مجال للنقاش في ان ثقافة الرجال (وهي الثقافة الرسمية السائدة) كانت مزدوجة المعيار, وثمة تشعّب متزايد بين ما يقال رسمياً وفي المناهج المدرسية وبين الممارسة والفعل. هذا التناقض بين القول والفعل, والذي لا تعاني منه ثقافة النساء مطلقا, اثبت انه مربك لاجيال الشباب العرب الذين لايعرفون الان ما عليهم ان يصدقوا أو الى أين ينتمون فعلا. وهذه الصورة الكئيبة, غير المبالغ فيها, تحث الملايين العرب على التفكير بما يمكن عمله الآن. والسؤال المطروح في أغلب الحلقات الفكرية هو: ماهوالمخرج؟ وماذا يستطيع العرب عمله ليكونوا مهيئين تماما لدخول الألف الثالثة؟ والجواب التجريبي الذي اعرضه هنا هو اللجوء الى ثقافة النساء, وتنشيط هذه الثقافة هو ما اعتقد أنه يقدم اجابات ليس من أجل النساء فحسب بل وللأمة العربية بكاملها. لقد كان الرجال دائما يهرعون طلبا لمساعدة النساء خلال اوقات الازمات, ويبدو لي ان هذه هي الأزمة الاكثر أهمية, والأكثر خطورة من كل الازمات التي مرت بالامة العربية, لانها ازمة هوية ومستقبل. وثقافة النساء العربيات التي ظلت حتى الآن غير مكتشفة كليا تقريبا يمكن ان تقدم طريقا لامة يبدو أنها تمر في مرحلة بالغة الصعوبة من تاريخها. وعلى المستوى السياسي تدور الهمسات في الاروقة السياسية في كثير من البلاد العربية حول ضرورة تعيين نساء اكثر في مناصب سياسية عالية, لانهن ينزعن لان يكن اكثر انتباها لتفاصيل مؤسساتهن وقد اثبتن حتى الآن انهن أقل فسادا من الرجال. وقد بدأ الرجال بصورة شخصية وفي كل ميدان يعترفون بقدرة النساء على الابداع, فهل يمكن لهذا أن يكون الاشارة الاولى إلى أن ثقافة النساء تسبب فعلا التغيير الذي نطمح لرؤية حدوثه؟ وهل يعني هذا ان القرن الواحد والعشرين سيشهد مشاركة نسائية فعالة في مراكز اتخاذ القرار, وليس فقط وجها نسائيا يضيف للاجتماع رقما لايمكن له التأثير بوجهة ومصير الاجتماع؟ ان فرض حصة 50% للنساء في جميع المهن والوظائف والمواقع هو الخطوة الأولى من أجل احداث تغيير حقيقي في مصير المرأة العربية, هذا التغيير الذي أثق انه يغير قدر الامة العربية ويخلق لها المكانة والعزة والاحترام بين الامم. * كاتبة سورية واستاذة في جامعة دمشق