من بين الاحداث التاريخية التي شهدها العقد المنصرم نهاية الحرب الباردة, وولادة الانتفاضة الفلسطينية, واندلاع حرب الخليج وصياغة عملية سلام في الشرق الاوسط, ومجمل هذه الاحداث ادى الى تغيير كل من سياق نقاش سياسة الشرق الاوسط في الولايات المتحدة والطريقة التي يتناول معظم المرشحين للمناصب السياسية قضايا الشرق الاوسط . لكن مع ذلك هناك اشخاص لم يأخذوا هذه التغيرات على محمل الجد. فعلى سبيل المثال, خلال مناظرة رئاسية جمهورية عقدت مؤخراً في ميتشجان, سأل احد المراسلين الصحافيين المرشح الرئاسي جاري باور: (اذا وصلت الى كرسي الرئاسة فاين سيحل سلام الشرق الاوسط في جدول اولوياتك؟ هل ستدعم قيام دولة فلسطينية؟ وماذا ستفعل لتضمن سلامة اليهود والعرب وامنهم على حد سواء؟) واجاب باور: حسناً, تحتل التسوية الشرق اوسطية اهمية كبيرة جداً من وجهة نظر الولايات المتحدة ومن وجهة نظر العالم كله. لكني سأخبرك بالاشياء التي لن افعلها في هذا الصدد. فأنا لن اقوم بما تقوم به الادارة الامريكية الحالية منذ سبعة اعوام من الضغط على الدولة الاسرائيلية, صديقتنا وحليفتنا المخلصة, للتخلي عن المزيد من الارض مقابل الامن. جميعنا يعرف كيف تبدو خارطة الشرق الاوسط اليوم: اسرائيل هي الدولة الديمقراطية التي تمثل طبقاً فضياً صغيراً في الشرق الاوسط محاطاً بقوى معادية تفوقه حجماً بكثير. وهذا الطبق الفضي في الديمقراطية يطلب منه الآن ان يبادل الارض بالسلام. اعتقد ان اسرائيل كانت دائماً الحليف الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه والثقة به. سأقف الى جانبهم, واعمل على ضمان امنهم وازدهار علاقتنا معهم. وسأبدأ بممارسة بعض الضغط على تلك البلدان الاخرى في الشرق الاوسط التي تعتمد علينا في الدفاع عن امنها حتى تعلم هذه الدول انها اذا كانت ترغب في تحالفنا, فعليها ان تصادق اسرائيل, حليفتنا الاولى في المنطقة. هذا الجواب والحقيقة المتمثلة في ان باور لم يواجه على المنصة اي تحد من مرشح آخر يوضح انه لا يزال من الممكن الترويج للاجندة المناوئة للسلام, والاصرار عليها, على الرغم من التغيرات التي حدثت في الشرق الاوسط والتغيرات في طريقة فهم الولايات المتحدة للمنطقة والسياسات السلمية التي اتبعتها آخر ثلاث ادارات امريكية. ويعود هذا الاتجاه في احد جوانبه الى الانقسام المتزايد في قوام انصار السلام والناتج عن الدور الذي يلعبه اليمين الديني والمحافظون الجدد في تشكيل مواقف الحزب الجمهوري تجاه قضايا الشرق الاوسط, ويمكن تلمس هذا الانقسام في المقترحات التي طرحها المرشحون لعلاج عدد من قضايا الشرق الاوسط المهمة, ومنها ما يلي: * القدس: ادعت اسرائيل منذ زمن بعيد بحقها في القدس كعاصمة لها, لكن السياسة الامريكية الرسمية التي تمليها المصالح الوطنية والقانون الدولي على حد سواء لا تعترف بهذا الادعاء, ولذلك رفضت نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس. وعلى الرغم من ذلك لا تزال البرامج السياسية الحزبية الديمقراطية والجمهورية على حد سواء تواصل مطالبتها بمثل هذه الخطوة, او على الاقل الاعتراف بما تدعيه اسرائيل في القدس. وقد تبنى بعض المراقبين السياسيين موقفاً ساخراً من حقيقة ان المرشحين الذين اقترحوا نقل السفارة فيما مضى هم أنفسهم الذين تبنوا السياسة الامريكية الثابتة في رفض هذه الخطوة, بعد ان فازوا بالانتخابات. وربما يكون ابرز مثال على ذلك رونالد ريجان, الذي كان بكل المقاييس مؤيداً قوياً لاسرائيل, ووعد مراراً وتكراراً بالاعتراف بحق الدولة اليهودية في القدس. وفي عام 1984 حاول الكونجرس ان يضغط على ريجان لاصدار تشريع جديد حول قضية القدس, لكن الرئيس هدد باستخدام حق الفيتو, وكسب الجولة. وبتقدم مسار عملية السلام في الشرق الاوسط, وضعت عقبة جديدة في طريق انتقال السفارة. فقد اتفقت اسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية في اوسلو على ارجاء قضية القدس الى المرحلة الاخيرة من المفاوضات. واتفقتا ايضاً على انه لا يمكن لاي من الطرفين ان يخطو خطوات احادية الجانب من شأنها استباق تحديد نتائج القضايا التي ستبحث المرحلة النهائية في المحادثات, بما في ذلك ملف القدس. ومن هنا فقد كان امراً مثيرا للقلق ان الكونجرس الذي يقوده الجمهوريون استبق ادارة الرئيس بين كلينتون في عام 1995 وتجاوزها بتمريره مشروع قانون يقضي باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لاسرائيل ويخول الادارة الامريكية نقل السفارة الامريكية الى القدس بحلول عام 1999. ولما كانت ادارة كلينتون قد نجحت في تأمين بند يقضي بالتأجيل استنادا الى الامن القومي في القانون فان الرئيس قد استغل هذا البند لتعطيل عملية النقل هذه. وفي انعكاس مباشر للانقسام الحزبي حول هذه القضية وغيرها من قضايا الشرق الاوسط كان الراعي المؤيد الاول لقانون نقل السفارة الصادر في عام 1995 هو سناتور روبرت دول. وقد حاول دول استغلال هذه القضية, من دون ان يكلل مسعاه بالنجاح, ضد كلينتون خلال حملة الانتخابات الرئاسية في عام 1996. وفي السباق الرئاسي في العام الحالي يستمر الانقسام الحزبي, ففي تصريحات اخيرة تم الادلاء بها غالبا امام جماعات يهودية محافظة (على الرغم من ان جون مكين ادلى بالتصريحات نفسها لامريكيين من اصول عربية). وعد كل مرشح جمهوري بجعل نقل مقر السفارة الامريكية الى القدس اولوية بالنسبة لادارته ورد احد المرشحين من دون تفكير في العواقب على سؤال استدراجي بالوعد بنقل السفارة الامريكية الى القدس الشرقية. وطرح جورج بوش, فيما يبدو انه تفنيد لموقف أبيه, الذي تضمن القول بأن القدس ارض محتلة, وموضع تفاوض, بعض وجهات النظر المتناقضة حول هذا الموضوع, ففي مناسبتين اثنتين وعندما سئل عما اذا كان سيقوم بنقل السفارة, بدا أنه يشير الى أنه لن يفعل ذلك حيث ان هذا من شأنه أن (يحبط عملية السلام) وعقب ذلك بوقت قصير (اوضح) متحدث رسمي باسم الحملة تصريحات بوش, قائلا ان (ما قصده حقا) هو انه (يعتزم تحريك عملية نقل السفارة بمجرد توليه الرئاسة) وفي مناسبة اخرى, ذكر بوش نفسه انه سوف ينقل السفارة الى القدس وأنه سيعترف بالقدس عاصمة (غير مقسمة وابدية لاسرائيل) . وقال المرشح الجمهوري الاخر الشيء نفسه. وعلى الجانب الديمقراطي, من ناحية اخرى, وبينما قدم المرشحان آل جور وبيل برادلي سجلا قويا مؤيدا لاسرائيل خلال مسيرتهما العملية في مجلس الشيوخ الا انهما اتخذ موقفين اكثر حذرا في هذه الانتخابات. ويشير برادلي في بيان سياسي الى انه (كمسألة عملية فإن كل دولة تحدد عاصمتها, ولهذا السبب فإني اعتقد ان الولايات المتحدة ينبغي ان تنقل سفارتها الى القدس, غير ان هذا الانتقال ينبغي توقيته بحيث لايؤدي الى عرقلة مفاوضات السلام) . وقد كان جور باعتباره نائباً للرئيس حريصا على تأييد موقف الادارة من عملية السلام, ولخص متحدث باسمه موقفه على النحو التالي: انه يعتقد ان وضع القدس من بين القضايا التي سيحسمها الطرفان في المفاوضات المباشرة وانه لن يكون من المفيد لمفاوضات السلام ان تستبق الولايات المتحدة قضايا الوضع النهائي. وفضلا عن ذلك وخلال الحديث امام جمهور مؤيد لاسرائيل لم يأت جور على ذكر القدس او الادعاء بأنها العاصمة الموحدة والأبدية لاسرائيل ومؤخرا سئل جور خلال زيارة قام بها في ديسمبر الماضي للطائفة الارثوذكسية في بروكلين عن السفارة ومسألة القدس فرد بأن اسرائيل نفسها قد طلبت من الولايات المتحدة عدم القيام بأي تحرك في هذا الشأن يؤدي الى الاضرار بالدور الامريكي كمنشط لعملية السلام وان الوضعية المستقبلية للقدس يتعين ان يقوم الطرفان المفاوضان, اي اسرائيل والسلطة الفلسطينية بحسمها. حول دور الضغط هناك مجال يعد اختلاف الجمهوريين فيه مع سياسة الادارة الديمقراطية انعكاسا لاتنقاد عام 1992 الذي وجهه الديمقراطيون الذين قادهم في ذلك الوقت بيل كلينتون الى ادارة بوش. وقد كان بوش, في ذلك الوقت ووزير خارجيته جيمس بيكر هما اللذان قادا جهود السلام في الشرق الاوسط واستخدما الضغط للمساعدة في قيام اسرائيل باتخاذ قرار تحريك عملية السلام قدما, ويعتقد الكثيرون ان ظهور الاستياء الامريكي من حكومة ليكود برئاسة اسحق شامير قد ساعد حكومة حزب العمل برئاسة اسحق رابين في 1992, حيث تعد قدرة حكومة ما على الحفاظ على علاقات قوية وودية مع الولايات المتحدة قضية اساسية في الحياة السياسية الداخلية في اسرائيل. وفي عام 1992 قام كلينتون الذي كان بالفعل يتفق مع سياسة ادارة بوش بشأن معظم موضوعات الشرق الاوسط بجعل استخدام الجمهوريين لـ (الضغط) على اسرائيل قضية مطروحة في الحملة الانتخابية الرئاسية. وقد تعهد كلينتون بانه كرئيس لن يضغط على اسرائيل علنا لاتخاذ قرارات في غمار عملية السلام غير ان استخدام الرئيس الفعلي والدقيق للضغط على حكومة نتانياهو كلل بالنجاح في دفع الاسرائيليين الى الموافقة على التفاوض والتوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين وعندما كانت حكومة نتانياهو لا تلتزم بما تم الاتفاق عليه فإن اشارات الادارة الواضحة الدالة على الاستياء, شأن تحركات بوش وبيكر في 1992 كان من شأنها مساعدة الاسرائيليين على ادراك الحاجة الى تغيير الحكومات في 1999. ومن هنا فإنه من قبيل المفارقة الى حد ما ان الجمهوريون يقومون هذا العام بتحدى الرئيس الامريكي لكونه شديد الوطأة على اسرائيل, وفي اشارة خفية على سبيل المثال ذكر جورج بوش انه (لن يحدث سلام دائم اذا حاولت حكومتنا جعل اسرائيل تتوافق مع رؤيتنا للامن القومي) ويطرح مكين انتقاده الخاص عندما يلاحظ انه: لن اطلب من اسرائيل ابدا.. ان تضحي بأرض ملموسة مقابل وعود غير ملموسة, ولن اطلب من الاسرائيليين التوصل الى اتفاق سلام الا بعد ان يتم تحقيق كل البنود المدرجة في اوسلو وفي الاتفاقات التي اعقبتها فلوقت طويل عقدت اسرائيل صفقات بنية طيبة, ولكنها لم تتلق الا القليل بالمقابل. بل ان ستيف فوربس يبدو اكثر مباشرة ووضوحا (وبشكل ما اكثر غرابة واثارة للحيرة, في انتقاده للادارة, فهو بعد لقائه لنتانياهو اشاد به لوقوفه في مواجهة (القوى الاجنبية) ( من المفترض ان المقصود بذلك الحكومة الامريكية) التي تطالب بتنازلات اسرائيلية للتوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. العراق: اذا كان هناك مجال واحد يتحقق فيه ما يقرب الاجماع من جانب جميع مرشحي الحزبين, فهذا المجال هو المنهاج العام الذي سيتبنونه حيال العراق. لقد ورثت ادارة كلينتون الورطة العراقية من ادارة بوش, وملامح هذه المشكلة يحددها عدد من العناصر هي: * نظام يواصل التحدي في بغداد * موقف غير مستقر داخل العراق * منطقة غير مستقرة سياسيا * سياسة عقوبات صارمة تنسب اليها المصاعب المؤلمة التي يتعرض لها الشعب العراقي بما في ذلك موت مليون عراقي والتي اججت المشاعر المعادية للولايات المتحدة في العراق وفي المنطقة بأسرها. ومع رفض العراق استمرار برنامج المراقبة الدولية على الاسلحة العراقية وتمسكه بموقفه المتحدي فيما يتعلق بتلبية الالتزامات التي تفرضها قرارات مجلس الامن الدولي, فقد اصدر الكونجرس قانوناً صدقت عليه الادارة الامريكية يقضي بمساندة الولايات المتحدة لعملية الاطاحة بحكومة بغداد والمعارضة العراقية المستفيدة من قانون تحرير العراق عاجزة بكل المعايير عن الاطاحة بالنظام العراقي ومع ذلك فإنه بسبب الضغوط الصادرة من المحافظين الجمهوريين الجدد المتشددين والناشطين المؤيدين لاسرائيل وغيرهم فإن هناك حافزا محدود يدفع المرشحين من اي من الحزبين الى الخروج عن اطار السياسة الراهنة الا للمضي في اتجاه اكثر تشددا. وحيثما وجد خلاف بينهم فإنه ينحصر في درجة تشديد كل منهم على هذا الموقف او ذاك. ويؤيد جور موقف الادارة ويحاول ابرازه في ضوء ايجابي, ويلقي اضواء مكثفة على البعد الانساني للصراع مشيرا الى اهتمام الولايات المتحدة بالشعب العراقي. ولم يقم برادلي, المرشح الديمقراطي الاخر بصياغة متكاملة لسياسته حيال العراق بعد, وقد اضطر في عدد محدود من المناسبات الى ايضاح معارضته للقرار المتخذ في عام 1991 بتخويل ادارة بوش استخدام القوة لاخراج العراق من الكويت. وبالمقابل اتخذ المرشحون الجمهوريون منهاجا اكثر تشددا على نحو مميز بينما وافقوا بشكل اساسي على السياسة الراهنة حيال العراق. فقد اشار بوش الى انه يعتزم اتخاذ موقف متشدد في التعامل مع العراق, وقال انه لن يخفف العقوبات المفروضة على بغداد ولن يتفاوض مع صدام حسين ولكنه سيساعد جماعات المعارضة على الاطاحة به وسيحرص على التأكد من ان الرئيس العراقي سيلتزم بالاتفاقات التي وقع عليها في اوائل التسعينيات. ودعا مكين الى تجديد شامل في رؤية الامن القومي الامريكي, مع تبني سياسة صارمة مع الدول الخارجة على اجماع المجتمع الدولي مثل العراق وكوريا الشمالية, وهو يؤيد قانون (تحرير العراق) ويدعو الى امداد المعارضة العراقية بالوسائل التي تمكنها من الاطاحة بصدام حسين وهو لا يعتقد بأن العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على بغداد يتعين رفضها. ومايبرز امامنا هنا هو انه فيما يتعلق بالقضايا الاكثر تعقيدا التي تواجه السياسة الامريكية فإن المرشحين يتفقون بعضهم مع البعض الاخر بصورة اساسية وهم لا يقدمون افكارا جديدة, وانما يسعون الى حد كبير الى استمرار السياسة المعقدة والمتناقضة احياناً الخاصة بالعقوبات والاحتواء و (تغيير النظام) والتي لم تؤد الى نتائج تذكر خلال السنوات العشر الماضية. وما يبرز من تمحيص وجهات نظر المرشحين هو ان هناك انقساما حزبيا حول بعض القضايا الاساسية التي تواجه السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. وما يبدو بجلاء هو ان هذه القضايا والمواقف التي يعتمدها المرشحون حول المسائل السياسية الدقيقة الخاصة بالشرق الاوسط ينبغي اخضاعها للنقاش العلني الاوسع نطاقا وللتدقيق من جانب الصحافة. ومع اجتياز عملية السلام لمرحلة دقيقة ومع تعرض مصالح حلفاء مهمين للولايات المتحدة للمخاطر, فإن توقع ان تواصل الولايات المتحدة حضورها فيما يتعلق بالقضايا الاقليمية الدقيقة هو امر لايمكن تجاهله. وهناك اليوم اغتراب متزايد عن الولايات المتحدة ينمو في قطاعات عديدة من الرأي العام العربي. واستمرار وجود معيار مزدوج تتبناه الولايات المتحدة في سياستها حيال المنطقة ينبغي ان يكون امرا يثير قلق من يسعون الى القيادة في واشنطن خلال السنوات الاربع المقبلة. ولن يكون هناك جدوى من الكليشيهات البالية وتبني المظاهر الخطرة والمثيرة للاستفزاز, والحاجة ماسة الى نقاش موضوعي معمق. رئيس المعهد العربي الامريكي بواشنطن