مع دخول الالفية الثالثة التي تتطلع اليها شعوب العالم لتكون الفية نهاية الظلم والاضطهاد, وبما يقود الى نبذ العنف بين ابناء البشر, في ظل هذا تبدو الامور في بلادنا بعيدة عن هذا المنال في الافق الراهن بدون استحضار وتجنيد عوامل القوة الفلسطينية والعربية, ان مرد هذا ليس تشاؤما, لكنه الواقع المر القاسي الذي لا يمكن تجاهله او تجاوزه من خلال الامنيات . وخلال الاسبوع الثاني من الالفية الجديدة, تكون المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية قطعت شوطا طويلا زمنيا على الاقل, جرى خلاله عقد عدة جلسات تفاوضية بين الوفود مختلفة التسميات سواء تلك المتعلقة بالقضية الانتقالية او بالمفاوضات النهائية او الاثنتين معا. واذ تستمر هذه المفاوضات, فإن اول ما يلاحظ بشأنها انها لم تنقطع عن مفاوضات المرحلة الانتقالية وما جرته من اتفاقات مجزوءة من حيث الشكل التفاوضي والفريق المفاوض, ومن حيث المضمون فقد بدأت مفاوضات (الوضع الدائم) في ظل عدد من القضايا, اولها ما له صلة بالوضع الفلسطيني الداخلي, اذ بدأت المفاوضات وتستمر في غياب او تغييب المجلس المركزي الفلسطيني الذي مازالت اجتماعاته معلقة منذ سبعة اشهر دون تحديد موعد لاجتماعاته وبقاء مسألة اعلان السيادة على الارض الفلسطينية معلقة دون وضع اسس للمفاوضات النهائية, وقضاياها المصيرية الكبرى ودون تحديد للخطوط الحمر التي لا يجوز الخروج عنها ودون وجود مرجعية وطنية ائتلافية لهذه المفاوضات بما يساهم في تعزيز الوضع الداخلي الفلسطيني لمجابهة الضغوط والاملاءات الاسرائيلية ـ الامريكية. ويبدو ان قيادة السلطة في قطاع غزة تحتفظ بدورة المجلس المركزي لاستخدامها اما لتحسين شروط اتفاق الاطار قليلا او للمصادقة على هذا الاتفاق في حالة التوصل له. ومع غياب المجلس المركزي تراجعت او غابت ايضا مسألة الحوار الوطني ثنائيا كان او شاملا وظلت الدعوات المتوالية لحوار جاد وفعال لا تجد من يسمعها ليصبح الحوار هدفا بحد ذاته, اذ علام يتحاور المتحاورون اذا كانت المفاوضات قد انجزت او كادت اتفاق الاطار (علنا او سرا) , وهكذا يغدو الحوار فارغا من اي مضمون ذي علاقة بالاهداف التي يؤمل ان يحققها, ومرة اخرى تتعامل السلطة وفريقها المفاوض مع الحوار وفق ذات المنطق الاستخدامي. من جانب آخر فإن التصدع الذي يعاني منه الوضع السياسي وتفرد فريق من لون واحد بالتصرف في القضايا الوطنية المصيرية التي تتطلب رأب الصدع وارساء العلاقات الوطنية على اسس من القواسم الوطنية المشتركة وبما يضمن انجاز حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وجلاء الاحتلال والاستقلال, هذا التصدع يرافقه تفاقم في الوضع المجتمعي الفلسطيني, حيث تزداد الهوة بين الشعب والسلطة جراء السياسات التي تمارس على الاصعدة الوطنية والاقتصادية والمجتمعية, ولم يكن بيان العشرين والضجة التي اثيرت حوله إلا احد انعكاسات هذه السياسات التي تتسع المعارضة الشعبية لها يوما بعد آخر. ومع ان التواريخ ليست مقدسة, إلا ان حكومة باراك تتصرف من جانبها باعتبار اتفاق الاطار مفترضا انجازه خلال الاسابيع المقبلة, او في ابعد الاحوال بالاشهر القليلة المقبلة (النصف الاول من العام الحالي) وقد استطاعت كسر العزلة التي فرضتها سياسية الليكود في علاقات اسرائيل الاقليمية والدولية, إلا انها ابقت من حيث الجوهر على ذات السياسة فرغم الاعلان الزائف عن تجميد بناء المستوطنات فإن قرارات بناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات تتوالى, وقرارات مصادرة آلاف الدونمات جزء من السياسة الرسمية للحكومة. من جانب آخر, وكما كررت الحديث اكثر من مرة, يرغب الاسرائيليون والامريكيون باستخدام المسار السوري وسيلة ضغط على الفريق الفلسطيني المفاوض, والعودة لسياسة التسابق في انجاز الاتفاقات التي كانت احد عوامل الوصول لاتفاق اوسلو وتمريره, ومع ان استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية ينبغي ألا يكون مفاجئا فهذا في صلب مساعي باراك لانجاز تسوية ذات شأن على المسار السوري وهو الذي اعلن خلال حملته الانتخابية انه سيخرج من لبنان خلال سنة. ومعروف ان الملف اللبناني لن يفتح إلا متوافقا مع او بعد الملف السوري مع ان ذلك ينبغي ألا يكون مفاجئا, إلا ان بعض الاوساط الفلسطينية وفريقها المفاوض اصابهم شيء من الارتباك جراء استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية, واخطر ما يتضمنه هذا الارتباك من مخاطر هو البحث عن حل للقضايا النهائية مهما كان مضمون هذا الحل تحت ذريعة حتى لا نبقى وحدنا وينفرد بنا الاسرائيليون. ان استئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية واحتمال الوصول لاتفاق يضمن انسحابا اسرائيليا شاملا من الجولان من خلال تطبيق القرار 242 وانسحابا من جنوب لبنان وفق 425 يمكن بل ينبغي ان يستخدم كعنصر قوي يملكه المفاوض الفلسطيني فهو يشكل سابقة تضاف للسابقة المصرية بالانسحاب الاسرائيلي حتى حدود الرابع من يويو 1967 وبالتالي يعزز الموقف الفلسطيني بالاصرار على ان لا تسوية إلا بالانسحاب التام من الضفة والقطاع حتى حدود يونيو 67 وهو من جانب آخر يؤكد ان الاتفاق مع مصر او الاردن وسوريا ولبنان لم يحل الصراع القائم في الشرق الاوسط باعتبار ان القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع ولا حل ولا استقرار في المنطقة إلا بحلها حلا متوازنا وفق قرارات الشرعية الدولية 242, 338, 194, 378 التي تضمن حق اللاجئين والنازحين في العودة. باختصار مازال الوضع الفلسطيني يملك من اوراق القوة ما يمكنه من استخدامها جيدا وعدم التفريط بها او البحث عن حل ما بأي ثمن استجابة للضغوط والاملاءات, ولكن بين الممكن والواقع فرق. ففريق يصر على السير بذات الطريق ويصر على التفرد في تقرير مصير الشعب, ولا يبحث عن عناصر القوة في الاجماع الوطني, ويواصل المفاوضات في ظل الاستيطان ومصادرة الاراضي, وفريق يعتقد بأن الهم الاساسي والابرز في هذه المرحلة هو حشد اوسع اصطفاف وطني وشعبي على قاعدة ثوابت الاجماع الوطني ومواجهة الضغوط من الاطراف المعادية الهادفة الى الوصول الى حل او اتفاق اطار باعتبار ان الاتفاق المطروح راهنا والحل الحالي وفق الاسس والمعطيات والآلية الراهنة لن يقود إلا نحو اعادة انتهاج نهج اوسلو وسياسة الخطوة خطوة المجزوءة والبعيدة عن مرجعية قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن.