القاهرة... اديس ابابا... كمبالا... اسمرة: هذه هي عواصم الجوار الجغرافي التي تصالحت واحدة تلو الاخرى مع الخرطوم. وهي ايضا نفس العواصم التي التجأ اليها اقطاب المعارضة السودانية لاتخاذها مأوى ومنطلقا ونصيراً. والآن وقد قررت هذه العواصم, انطلاقا من متغيرات اجندتها الخصوصية المرتكزة على ثوابت مصالحها (الجيوبوليتيكية) ان تدخل في عمليات تطبيع مع النظام السوداني وفق اتفاقيات وصفقات وتفاهمات, ينقشع الغبار عن سؤال: هل استوعبت المعارضة السودانية في الخارجة الموعظة ؟ ومثل هذا السؤال ما كان له ان يطرح اصلا لو كان قادة المعارضة السودانية في الخارج المنضوية تحت لواء (التجمع الوطني الديمقراطي) من ذوي البصيرة. اذن لأدركوا منذ وقت مبكر جدا ان التجاء شخصية معارضة الى دولة اخرى يجعله تلقائياً مرتهنا الى اهداف واعتبارات السياسة الخارجية لتلك الدولة مع تقلباتها وفقا للمتغيرات المحلية والاقليمية. وفي الحقيقة فان الامر لا يحتاج الى بصيرة لان التعامل بين الدول على اساس المصالح, لا المبادىء والمثاليات, قاعدة بدهية في ساحة العلاقات الدولية. ولهذا فان تضحية عواصم مجاورة للسودان بفصائل (التجمع) لاجل تطبيع العلاقات الرسمية مع الخرطوم كانت حتمية لازمة الوقوع في يوم ما في ظرف ما... وقبل ان تتحقق الحتمية على ارض الواقع كانت هناك اشارات خطر لا يبدو ان احدا من قادة المعارضة الخارجية فهم مغزاها سوى الصادق المهدي. وحتى المهدي فهم المغزى فيما يبدو متأخرا... او ربما فهمه مبكرا لكنه لم يتصرف على اساس هذا الفهم عمليا الا متأخراً. الاشارة الاولى كانت تصدع العلاقات الاثيوبية الاريترية واشتعال حرب ضروس بين الدولتين. ولم يتفكر قادة التجمع السوداني في الانعكاسات المحتملة لهذا العداء الساخن على علاقة كل من الدولتين مع السودان المجاور. لقد كان واردا بشدة منذ اشتعال الحرب ورفض الحكومتين الاثيوبية والارتيرية وساطة الولايات المتحدة احتمال حدوث تسابق بينهما تجاه استقطاب التأييد السوداني الرسمي او على الاقل ضمان حيدة السودان ازاء الحرب. وبقي اقطاب المعارضة السودانية يقتاتون الاوهام الذاتية الى ان فوجئوا بتطبيع العلاقات بين اثيوبيا والسودان وفق صفقة تقضي بتصفية وجود (التجمع) في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا. ولم تهبط حرارة التسابق الاثيوبي الاريتري تجاه السودان. فقد دفع رد الفعل بأسمرا الى الهرولة صوب الخرطوم عبر وساطة قطرية اثمرت اتفاقاً امنيا ضمن اتفاقات اخرى من بينها اعادة العلاقات الدبلوماسية. في هذه الاثناء كانت العلاقات السودانية المصرية تشهد تحسنا بايقاع متسارع. وفي هذا السياق وردت اشارة اخرى. فقد طردت السلطات المصرية المتحدث العسكري باسم التجمع الفريق عبد الرحمن سعيد بعد ان طالبت الحكومة السودانية بتسليمه. كان الفريق عبد الرحمن قد اعلن في مؤتمر صحفي مسئولية التجمع عن حادثة تفجير لخط انابيب النفط السوداني داخل الاراضي السودانية. وهذه الاشارة كانت ذات مغزى سياسي خاص لانها كانت الاولى من نوعها كاجراء مصري لاسترضاء الحكومة السودانية على حساب المعارضة. والان فان التنظيم العسكري المعارض في الاراضي الاريترية الذي يتزعمه الفريق عبد الرحمن سعيد مع العميد عبد العزيز خالد مرشح للتصفية في اعقاب عودة العلاقات السودانية الاريترية الى طبيعتها. ومما يستدل به على هذا الاحتمال ان السلطات الاريترية استردت مبنى السفارة السودانية في اسمرا من (التجمع) لتسليمه الى الحكومة السودانية في اطار عملية التطبيع.