يبقى البشر الذين يعبرون الامكنة والازمنة, بيننا وحولنا وفي دواخلنا, يبقون المعين الذي لا نهاية له, ويبقى الحديث معهم ولأجلهم هدف كل الكتابات ومساعي الاصلاح, كما سيظل الوسيلة والاداة لتحقيق اعظم الاهداف لحملة الاقلام واصحاب الرأى . وطالما نحن نكتب للناس .. بجميع توجهاتهم ودرجات الطيف التي ينتمون اليها فكريا وسياسيا, فما المانع ان نكتب عنهم, وهذه تحتمل ان لا نكون معهم دائما! ذلك ان للحقيقة اكثر من وجه, وللحق اكثر من سبيل, وحيث يطالبنا الناس بأن نتبنى قضاياهم, ونكتب حول مشاكلهم وطموحاتهم ورؤاهم وان نحلم معهم او نيابة عنهم, ونصرخ بأعلى اصواتنا ضد ما يقلقهم ويضغط عليهم, ويصادر حقوقهم, فلاشك انهم لن يعارضوا بأن نكتب عن تجاوزاتهم واخفاقاتهم وسلبياتهم. لان المعلم يعتقد بأنه دائما على حق, وبأنه صاحب قضية ومعاناة على الكاتب والمجتمع ان يتبناها ويناضل لايصالها والتعريف بها, لكنه يرفض الحديث عن تجاوزاته وعدم التزامه بأخلاقيات مهنته احيانا! والشيء نفسه يحدث مع المدير الذي يشكو من تقاعس موظفيه لكنه لا يرضى بأن يتناول احد سلبيات ادارته, والمثقف يظن بأنه مدفوع واقعيا للسقوط في الهزائم والاحباط, بينما يصف نفسه دائما بالسمو والنبل وعظمة الاهداف, لكنه في الوقت نفسه يأبى الدخول في دائرة الاعتراف بتناقضاته وازدواجية مساعيه ونفاقه احيانا!! وليس هؤلاء فقط, فالفنان ومسئول المؤسسة, والطبيب والموظف و ..., الجميع يشكو لكنه لا ينظر الى داخله ليعرف اين يضع قدميه تماما في سلم الالتزامات. هناك مشكلة عالقة وستظل طويلا بلا حل, طالما ابتعدنا لا شعوريا عن الاحساس بأننا بشر نخطىء كما يخطأ في حقنا, وان القناعة التي يرسخها البعض بأن ما يكتب فانما يقصد به تجريمهم او النيل منهم او التشهير بهم قناعة لا اساس لها من الصحة ولا تبرير لها الا احساس البعض بأنهم اكبر من الخطأ واسمى من النقد. واعتقد ان قناعة البعض بأن ما يكتب مقصود به اشخاصهم الكريمة قناعة تشي بالكثير من سوء الفهم, وما على هؤلاء سوى الارتفاع فوق هذا النوع من التفكير, وتجاوز دائرة الغضب والثورة والبحث عن افضل الوسائل لاصلاح الاخطاء. ونحن نعتقد بأن مهمة الصحافة اكبر من ان تتحول الى دائرة تشريفات او تلميع صور للبعض, ان من اولى مهماتها ـ هذا لمن يفهم مهمة الصحافة ـ ان تنبش في كل شيء وان تفتح كل الملفات التي تهم الناس وتصلح امورهم, وتقوم الفساد والخلل في المجتمع, دون الدخول في التفاصيل الشخصية للناس او الاشخاص, فهذا اعتداء على حقوق الانسان, فهذا ليس من مهمة الصحافة الملتزمة ابدا. حيث يعتبر النبش في الخصوصيات متعة الصحافة الباحثة عن الفضائح والضجيج والغارقة في نفوذ جماعات المصالح الخاصة والفئوية والطائفية. واخيرا فليس مطلوبا من الكاتب او الصحفي صاحب الرأى ان يتحدث عن الف ليلة وليلة وملاحم الاغريق ورحلات ابن بطوطة, ان عليه ان يكتب ما يدور في واقعه لان هذا قدره وما على الآخرين ذوي الحساسيات المفرطة سوى افتراض حسن النية دائما.