لماذا نكتب ولمن؟ سؤال يؤرقني ويلح علي منذ زمن ولاشك انه ارق الكثيرين قبلي ممن سبقوني في الكتابة زمنيا, ومن فاقوني فيها فنيا وابداعيا.ومع اطلالة العام ألفين زاد الحاح السؤال, ذلك ان الوصول الى عام الختام من هذا القرن استحضر في الذاكرة احداث القرن بكاملها ووضعنا جميعا كتابا ,مفكرين, مثقفين ومبدعين , مسئولين ومواطنين عاديين, أمام السؤال الصعب الذي كنا نهرب منه دائما, او لانكلف انفسنا مشقة الجواب عليه.. ماذا فعلنا؟ وماذا انجزنا لوطننا وامتنا؟ قد لايحب السياسي الاجابة عن السؤال, وقد لايتوقف عنده اصلا. اما الثقافي كاتبا كان ام مفكرا ام مبدعا فانه لايملك ترف الهروب, ولا جرأة الكذب او اللامبالاة, لانه صاحب رسالة الامة, وحامل مشروعها النهضوي, والامين على ذاكرتها والمعبر عنها, وهو امتداد لكل من سبقوه من فلاسفة وعلماء وفقهاء منذ اهتدت العربية الى حروفها الاولى وصارت لغة للتعبير والابداع وهو ايضا جسر العبور الى المستقبل بما يشكله لدى الاجيال من وعي, وما يزودها به من زاد المعرفة فهو انعكاس الماضي, وصورة المستقبل ولذلك فهو يحاسب نفسه, ويسائلها فيطرح سؤال الكتابة وجدواها, ولو من باب النقد أو التقييم في نهاية القرن العشرين. منذ مطلع القرن وحتى نهايته توالى على الكتابة اكثر من جيل من الكتاب والمبدعين حول موضوع واحد تقريبا, وان كان متعدد الجوانب وهو تحرر العرب ووحدتهم, وتحرير فلسطين, انشد الشعراء حتى بحت اصواتهم, وابدع الروائيون حتى استنفدوا معين ابداعهم, وغنى المغنون للوطن حتى داهمتهم موجة الاسفاف فضاعت اصواتهم وسط ركام التفاهات والاصوات النشاز. لم يتحرر العرب, واستبدلوا احتلالا واحدا باحتلالات اكثر عددا وتنوعا واشد قهرا وتعسفا. ولم يتوحد العرب, بل ازدادت فرقتهم وصراعاتهم, وتوالدت حدودهم دولا فاقت نسبة التناسل فيها اعلى معدلات التوالد في العالم. وابتعدت فلسطين, حتى كادت تختفي من التاريخ والجغرافيا, وربما اصبحت عبئاً على الذاكرة. وفي العشر الاواخر من هذا القرن, صرفت الاقلام كل طاقاتها مطالبة برفع الظلم والحصار عن العراق, ولم تفلح في ان تمنع الموت عن طفل من اطفاله, او مواساة ام من امهاته الثكالى. ولم تسلم القيم والمثل والمبادىء والاخلاق من تغيرات في مفاهيمها افقدت حياتنا العامة الكثير من صفائها وجمالياتها, واحدثت ظواهر ومظاهر سلبية كبيرة في سلوكنا العام. وهنا يقفز سؤال آخر الى جانب السؤال عن جدوى الكتابة, لماذا لاتبلغ الكتابة هدفها ولا تحقق رسالتها؟ ولماذا لاتؤثر كتاباتنا في صناعة الرأي العام, وصياغة تفكيره, بحيث تصبح فاعلة في صناعة القرار, والتأثير في سير الاحداث؟ هل لان القضايا التي نتصدى لها اكبر منا, وهي التي تحملنا, ولا نحملها وحين تتراجع هذه القضايا او تنتكس يتراجع الابداع وينزوي؟ وتنحصر كتاباتنا في حدود ما يرسمه لنا السياسي من خرائط, وما يمنحنا اياه من هوامش؟ فمن يرصد القسم الاكبر من كتاباتنا الراهنة, يلحظ انها ضاقت, والتصقت بقضايا الواقع, وانخرطت في اطار التسويات السياسية الجارية, وتحول معظم كتابنا الى كتاب قطريين تقلصت حدود الوطن الكبير عندهم الى حدود الوطن الصغير الذي يسكنونه ولايتورع العديد منهم عن الانغماس في الصراعات والخلافات السياسية بين الحكام. ام ان الفشل جاء نتيجة خلافاتنا الفكرية العقائدية التي استنزفت جهود الكتاب, فبلبلت الرأي العام وقسمته ام هي الاستقطابات السياسية او المادية او المصلحية الذاتية التي طالت العديد من الكتاب فتحولوا الى (مبرراتية) او (مطيباتية) . ام ان كتاباتنا ليست اكثر من نقد للواقع او تعاطيا مع حدث جار, او حدث قريب مرتقب, لكنها لاتسبق الحدث بمسافة زمنية تسمح باستيعاب الافكار, وتفاعلها وترسيخ المفاهيم التي نسعى اليها؟ ام ان كتاباتنا ليست خلاقة, ولا تملك القدرة أو الجرأة على تحليل الواقع, واستنباط الحلول من معطيات العصر, واستخدام ادواته في صناعة المستقبل؟ ومما يعمق الشعور بالاحباط والالم لدى الكتاب هو ان جيل المستقبل الذي يكتبون له, ويسعون الى فتح ابواب المستقبل امامه عبر تنويره وتوعيته, ربما لايقرأهم وهو منصرف عنهم بهمومه الشخصية والذاتية, وجوانب الحياة الاستهلاكية التي تسهم في تشكيل وعيه اكثر مما تفعل كل الكتابات الفكرية والسياسية, او الابداعات الادبية والفنية. لكننا لاننكر العقبات والمعيقات, و(المفسدات) ـ ان جازت الكلمة ـ التي يواجه بها الواقع العربي عملية التنوير الفكري التي يقودها الكتاب والمثقفون فهذا الواقع يكرس كل اجهزته الاعلامية, ووسائله واغراءاته المادية, وادواته القمعية احيانا ولايتورع عن نشر الثقافة المضادة, الاستهلاكية والسطحية, عبر وسائل الاعلام المتعددة لتوجيه الرأي العام. ويساعد على ذلك العوامل الخارجية المتمثلة بقوى الاستعمار الغربي والصهيوني التي تكرس طاقاتها الهائلة في مقاومة الوعي العربي, والتبشير بثقافة العولمة والاستسلام. وبرغم هذه العوائق والاحباطات يظل الكتاب عموما محكومين بعاملين يدفعانهم للاستمرار في اداء الرسالة احدهما التعبير عن الذات, والذات هنا لاتعني المبدع نفسه بقدر ما تعني الوطن والشعب والامة, فهو لسانها الناطق واداة تعبيرها فان توقف عن الكتابة, توقفت الامة عن التعبير عن ذاتها وارادتها وتوقفت ذاكرتها عن التسجيل. والآخر, هو الرهان على المستقبل لانهم يعلمون ان البذور الصالحة التي يزرعونها لاتؤتي اكلها سريعا, وقد لايجني ثمارها جيلهم الحاضر, لكن جناها سيحصده جيل المستقبل اذا ما استمرت رعايتهم لها. مصداقا لقوله تعالى: (اما الزبد فيذهب جفاء, واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) . * كاتب فلسطيني