في يناير 1975 وجدت نفسي ضمن فريق من الادباء والفنانين, في احدى زنزانات (سجن ليمان طره) ـ اشهر السجون المصرية ـ بتهمة المشاركة في تأسيس تنظيم وهمي باسم (اليسار الجديد والدعوة لتشكيل اتحادي ديمقراطي مستقل للكتاب المصريين, ومناهضة وزير الثقافة ـ ايامها ـ المرحوم يوسف السباعي , ولان الذين اعتقلونا بهذه التهمة المضحكة كانوا يدركون تفاهتها, ويثقون بأن القضاء سيطلق سراحنا في اول جلسة ينظر فيها تظلمنا من قرار الحبس, فقد حرصوا على ان نعامل خلال فترة الحبس الاحتياطي التي توقعوا ان تكون قصيرة, اسوأ معاملة ممكنة, فأودعونا عنبر التأديب بالليمان الذي لا يدخله الا السجناء الذين يرتكبون جرائم داخل السجن! وهكذا اقتسمنا العنبر مع فريق من عتاة المجرمين المحكوم عليهم بالاشغال الشاقة المؤبدة بتهم القتل والتجسس وجلب المخدرات.. ولانهم كانوا يعاملون بشكل افضل منا, فتترك ابواب زنازينهم مفتوحة طوال النهار, بينما لا تفتح لنا الابواب الا نصف ساعة في اليوم, فقد وضعونا تحت حمايتهم ومدونا بالمعونات السخية, واستغلوا نفوذهم وشبكة اتصالاتهم المشبوهة, في تهريب كل شيء الينا ومنا من الشاي والسكر الى الفواكه والمعلبات.. ومن الصحف والمجلات الى الاوراق والاقلام, ومن الخطابات العاطفية والعائلية التي كنا نرسلها الى اهالينا, الى البيانات الاحتجاجية التي كنا نرسلها الى كل المنظمات المحلية والدولية, نشجب فيها ما يجري لنا, والتي كنت ـ بحكم المهنة ـ اقوم بصياغتها, وانهيها عادة بعبارات زاعقة, تندد بحبسنا في عنبر التأديب مع (عتاة المجرمين والمشبوهين وحثالة المجتمع) وهو ما كان يثير سخرية صديقي الناقد الشفهي العظيم ابراهيم منصور, الذي كان يقول لي: ـ لازم تقول اننا نحتج على حبسنا في عنبر واحد مع عتاة المجرمين والمشبوهين وحثالة المجتمع الذين يتبرعون لنا بالشاي والسكر والبرتقال والبولوبيف! وليس هناك أسوأ من وصف أحداث الصدام بين المسلمين والأقباط التي وقعت بقرية (الكشح) في الأسبوع الماضي, بأنها مجرد خناقة بين فريقين من الصعايدة تحدث كل يوم بين المسلمين والمسلمين وبين المسيحيين والمسيحيين, و(المصارين في البطن بتتخانق يا مواطن) , إلا القول بأن وراء هذه الأحداث جهات أجنبية مشبوهة, وتعليق فأس المسئولية عنها في عنق الرئيس الأمريكي (كلينتون) والرئيس الاسرائيلي (باراك) والرئيس البرازيلي وغيرهم من الاقوياء على الساحة الدولية, الذين يزودوننا بالشاي والسكر والسلام والبرتقال والبولوبيف والبن البرازيلي! هذا كلام قد لا يخلو من صحة, ولكنه مع ذلك يظل نصف الحقيقة التي هي والكذب شيء واحد, خاصة إذا كان النصف المختفي هو جوهر القضية, وهذا الكذب هو الاتجاه الغالب على معالجة صحافتنا لوقائع ما جرى في (الكشح) حتى الآن, على نحو قد يدعو للظن بانه قد يكون وراءه تعميم رسمي وشبه رسمي, فعندما تتشاجر المصارين في البطن فلابد ان هناك مشكلة صحية تتطلب طبيبا يشخص المرض ويصف العلاج. وعندما ينجح عتاة المجرمين والمشبوهين على الساحة الدولية في تنفيذ مخططاتهم, فليس لذلك تفسير إلا بأحد احتمالين, إما ان نكون ـ لا مؤاخذة ـ مغفلين لأننا نعلم انهم يتآمرون علينا ويسعون لاثارة الفتن والصراعات فيما بيننا منذ أيام ساكن الجنان (محمد علي باشا الكبير) أو ان يكون هناك من بيننا من يتواطئون ـ بحسن نية أو بسوئها ـ مع هؤلاء المجرمين العتاة, ويسهلون لهم تنفيذ مخططاتهم. الحكاية ليست حكاية ما جرى في (الكشح) خلال الساعات الأولى من الألفية الثالثة, ولكنها حكاية ما جرى فيها وفي غيرها من قبل, وما يمكن ان يجري فيها وفي غيرها من بعد, فقد تعددت هذه الاحتكاكات الطائفية بين المسلمين والأقباط في مصر, خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة منذ حادث احراق كنيسة الخانكة عام 1972, وهذه الأحداث في حد ذاتها قليلة, ولكن تكرارها وتصاعدها لابد وان يثير قلقنا, اذ لا معنى له إلا اننا نخدع انفسنا حين نعلن كل مرة اننا اخمدنا نيران الفتنة, ثم نكتشف بعد ذلك ان نيرانها لا تزال مشتعلة تحت الرماد.. واننا نعالج الداء بمسكنات توقف الالم من دون ان نستأصل مصدره, وهو منهج خطير, لا يمكن الاستمرار فيه, ولا السكوت عنه. الحكاية باختصار هي حكاية الوطن الذي لابد وان نحافظ على استقراره, والمجتمع الذي لابد وان نحافظ على امنه, وحقوق الانسان التي لابد وان ندافع عنها, لان الذي يسكت على اهدار حق انسان واحد في اقصى ارجاء الارض, كأنما يفرط في حقوق الناس جميعا. ما يوجع القلب هو اننا نعود في بداية القرن الحادي والعشرين لنواجه مشاكل واجهناها في بداية القرن العشرين وتغلبنا عليها منذ رفعت ثورة 1919 شعارات وحدة الهلال والصليب ومنذ رفضت الجماعة الوطنية المصرية بمسلميها واقباطها ادعاء المستعمرين البريطانيين بأن بقاء جيوشهم المحتلة في مصر ضمان لحماية الاقليات, ومنذ رفضت لجنة الثلاثين التي وضعت دستور 1923 الاخذ بمبدأ التمثيل الطائفي, باحتجاز عدد من المقاعد للاقباط في مجلس النواب توازي نسبتهم من عدد السكان حتى لو كان الهدف من ذلك هو سحب البساط من تحت اقدام المستعمرين بأن بقاءهم ضروري لحمايتهم من المسلمين, لان ذلك يرسخ وجود الطائفية, ولان الانتخابات العامة شأن يتعلق بالسياسة لا بالدين, فمن حق الاقباط ان يرشحوا انفسهم في كل الدوائر وان يفوزوا بكل المقاعد, وفي اول انتخابات عامة تجرى في مصر عام 1923 حصل الاقباط على عدد من مقاعد مجلس النواب يفوق نسبتهم من عدد السكان. في ذلك الزمان البعيد السعيد الذي كانت فيه مصر, مجتمعا سياسيا يتوزع فيه المصريون بين احزاب سياسية تتصارع فيما بينها للحصول على ثقة الناخبين على اساس برامج سياسية تعبر عن مصالحهم توزع الاقباط على كل الاحزاب والتيارات السياسية, من الوفد الى الاحرار الدستوريين ومن مصر الفتاة الى المنظمات الشيوعية المتعددة, ومن الحزب السعدي الى الحزب الوطني, بل ان المرشد العام للاخوان المسلمين, الامام حسن البنا كان يفصل بين نشاط جماعته في مجال الدعوة ونشاطها في مجال السياسة, لذلك شكل لها هيئة سياسية تضم ثلاثة من الاقباط. في ذلك الزمان البعيد السعيد, كان السكرتير العام لحزب الاغلبية هو مكرم عبيد (صاحب العبارة الموجزة البليغة) انا مسلم وطنا ومسيحي دينا) .. وكان رئيس مجلس النواب الوفدي ويصا واصف باشا يقول: انني امثل في هذا المجلس الذي اتشرف برئاسته دائرة انتخابية, ليس فيها سوى ناخب قبطي واحد.. هو انا.. فكيف تدهورت الحال بالجماعة الوطنية المصرية, الى الحد الذي ارتدت فيه الى عصر ما قبل الدولة القومية, حتى اصبحنا امام مناخ عام من التعصب الديني الاسلامي والمسيحي يشيع في المجتمع, يذكيه وينفخ في اواره حتى هؤلاء الذين لم يسبق لاحدهم ان حضر قداسا في كنيسة او صلى ركعتين في جامع؟! ذلك هو الحصاد المر للحقبة التي ساد فيها الاعتقاد بان مصر لن تستطيع ان تتخلص من الاحتلال الاجنبي والتخلف الاقتصادي والظلم الاجتماعي ما لم يفرض على شعبها نوع من الوحدة القسرية, يندمج فيها الكل في واحد, ينوب عن الشعب في التعبير عن مصالحه, ويحقق له هذه المصالح, طبقا للبرنامج الذي يراه, وفي الوقت الذي يحدده من دون ان يطالبه احد بشيء, او يشوش عليه بكلمة اعتراض. وهكذا صفى المجتمع السياسي المصري وفرض الصمت على الجميع: الوفديين والاحرار الدستوريين والسعديين والاشتراكيين والشيوعيين والاخوان المسلمين والاخوان المسيحيين. صمت البعض راضين لان ما جرى حقق لهم بعض ما كانوا يحلمون به للوطن ولا يثقون في قدرتهم على انجازه بنفس السرعة والحزم, او لانه ازاح من الساحة خصوما لهم كانوا يخشون منافستهم. وصمت الاخرون مكرهين لان ما يجرى يتعارض مع مصالحهم, ولانه يصادر حقهم بالمشاركة في حكم انفسهم. وقامت الحكومة وحدها بكل العمل وليس للشعب الحق في اختيارها او مراقبتها او تغييرها, لان الحق الوحيد المكفول له هو ان يؤيدها ويشيد بانجازاتها. واذا كان من الظلم ان ننكر على هذا العهد ان ما اراه وحققه لمصر من انجازات كان كثيرا, فمن الظلم كذلك ان ننكر ان ما ترتب على منهجه في الحكم كان خطيرا فلا احد يستطيع بالديكتاتورية ان يوحد الناس لان اساس اي توحد هو ان يقوم رضاء على اساس من التنوع الطبيعي بين الناس اما وقد صودر التنوع السياسي, فقد كان منطقيا ان يستبدل الناس الانتماء للطائفة او المحافظة او النادي بالانتماء للحزب السياسي. واخطر ماتركه هذا المنهج في الحكم من اعراض جانبية مضرة هو انه حال دون الترقي الطبيعي للتيارات الفكرية والسياسية الرئيسية, حين تعامل معها جميعا بالطرق الادارية, وحال بينها وبين التعامل مع المشاكل الحقيقية للوطن, وبين التفاعل مع غيرها من التيارات فانغلق كل تيار على نفسه, يمضع افكاره التقليدية بل ويرتد عن بعضها الى درجة من التشدد, وصلت الى حد الهوس, ولايفكر الا في اليوم الذي ينتقم فيه من النظام ومن الذين تحالفوا معه ضده وكان تأثير ذلك اكثر وضوحا على تيار الاسلام السياسي, الذي افتقد خلال فترة الكمون في المعتقلات رحابة الصدر على الصعيدين الفكري والسياسي التي كانت تميزه على عهد الحسنين (البنا والهضيبي) فتولدت عنه وفي داخله التيارات الداعية للعنف, والقائمة على التعصب ضد الجميع. واصاب شيء من ذلك الاقباط فقد حلت الاحزاب السياسية التي كانوا يتوزعون فيما بينها ويشاركون من خلال عضويتهم بها في حكم بلادهم وفي صيانة حقوق المواطنة التي يكفلها لهم الدستور من حرية العبادة الى حق تولي الوظائف العامة, فوجدوا انفسهم اكثر من غيرهم على الهامش, فقد اصبحت الانتخابات العامة تجرى على اساس ديني, وليس على اساس سياسي, فكان طبيعيا ان يخرجوا من المولد بلا حمص, وان يدخلوا المجالس, النيابية بالتعيين وان تتحول الكنيسة من مؤسستهم الدينية الى حزبهم السياسي. وليس هناك مايدعو للدهشة لان الاحتكاكات الطائفية بين الاقباط والمسلمين بدأت في عهد (السادات) الذي بدا اكثر ديمقراطية من عبدالناصر ليس فقط لان تلك كانت النتيجة المتوقعة لسنوات الكبح العنيف الذي فرض على الجميع الصمت, وحال بينهم وبين تطوير أفكارهم ورؤاهم, فما كاد الغطاء يكشف عن المستور, حتى اتضح ان الجرح قد اندمل على صديد ولكن اساساً لأن السادات لم يكن ديمقراطياً الا بالقدر الذي يتيح له خلق هامش محدود جداً من التعددية الحزبية, يزين له بقاء سلطته الاستبدادية, ويستطيع ان يلعب به لضرب خصومه السياسيين كل بالآخر.. وهو ما فعله حين اطلق في بداية عهده, الحرية لجماعات الاسلام السياسي, لتثأر له من معارضيه من الماركسيين والناصريين, من دون ان يتنبه كلاهما الى خطر هذه اللعبة, التي فلتت خيوطها من ايديهما ليتسع نطاق الاشتباك فيشمل الاقباط, ثم ينقلب السحر على الساحر, ويقتل السادات, على يد الجماعات التي اطلقها. الحل للمشكلة الطائفية هو ان تعود مصر, كما كانت في العصر الليبرالي مجتمعاً سياسياً, يتوزع فيه الناس احزابا سياسية, لا تقتصر عضويتها على اتباع دين بذاته او مذهب بعينه بل تضم كل من يوافق على برامجها من ابناء الوطن, وهي برامج ينبغي ان تنطلق كلها من القاعدة التي تقوم عليها الدولة الوطنية هي ان المساواة الكاملة في التكاليف العامة تقابلها المساواة الكاملة في الحقوق العامة, فطالما ان المواطن يدفع الضرائب ويخضع للتجنيد الاجباري, فلا يجوز ان يهدر اي حق من حقوقه. وحين يتحقق ذلك, فسوف تعود الكنيسة والمسجد الى دورهما الطبيعي كمؤسستين للعبادة, لا للسياسة, من دون ان يصادر ذلك بالطبع حق كل حزب سياسي في ان يستلهم ما يشاء من قواعد الشرائع السماوية ومبادئها, لكي يضمنها برنامجه.. وحين يتحقق فسوف تلزم جهات الادارة واجبها الأساسي ـ وخاصة الشرطة ـ في احترام القانون وتطبيقه على قدم المساواة على الجميع .. فلا تساور احدا شكوك في انها تنتقص من حقوقه, او تميز آخرين عليه, او تخفي الحقائق عن رئاستها. ان الآوان لكي نكف عن الثرثرة المكررة, التي نتصور انها ستطفىء نيران الفتنة, لان هذه الثرثرة لن تطفىء نارا او تصد دمارا, ولان الوعي الحقيقي بخطورة الفتنة لايتخلق الا عبر ادراك كل مواطن, مهما كان دينه او مذهبه, وعقيدته الدنيوية, بانه شريك على قدم المساواة مع الجميع في الوطن .. ولن يتحقق ذلك الا بنظام سياسي يعكس واقع مجتمع سياسي يقوم على التنوع. ومالم نفعل ذلك, فسوف تتكرر الاحتكاكات الطائفية, لنعود ككل مرة, نعلق فأس المسئولية في عنق عتاة المجرمين والمشبوهين من حثالة المجتمع الدولي الذين يزودوننا بالشاي والسكر والبولوبيف والفتن الطائفية.