لانها تعتمد على دعم امريكا كشريك استراتيجي لها هذا هو نوع الاجابة النمطية السائدة شعبيا في مجتمعات الوطن العربي. وهي اجابة ليست بلا (ميزة) فهي اولا تبسيط الى درجة السذاجة بحيث تعفينا من مشقة الاجتهاد والتفكر... وثانيا, هي اجابة مريحة, خاصة عندما تصدر عن افراد او جماعات النخب العربية المثقفة ... فهي تصلح كذريعة للتنصل من الواجب الوطني. ثم انها, بأي معيار علمي موضوعي, اجابة خاطئة او قل على الاقل غير دقيقة لانها بالتشديد على مسألة الاعتماد الاسرائيلي على الدعم الامريكي كسبب للتفوق الاسرائيلي تحصر القضية في عنصر القوة العسكرية بدرجة اساسية بينما العنصر العسكري ليس سوى واحد من عدة عناصر مجتمعة ومتفاعلة لتجعل الفارق بين الدولة اليهودية والامة العربية تفوقا حضاريا شاملا. ان مرتكز هذا التفوق الحضاري الاسرائيلي هو الديمقراطية. ولا اعني بذلك تحديدا رصانة مؤسسات الحكم كالبرلمان الذي ينتخب بصورة حرة ونزيهة او القضاء المستقل او قابلية الحكومة وكبار مسئوليها للمحاسبة. كما لا اعني جدية التطبيق للمبادىء التي ترتكز عليها هذه المؤسسات كمبدأ سيادة القانون ومبدأ قدسية الحريات العامة في التعبير والتنظيم والحرية الاعلامية. ما اعنيه هو مستوى الوعي الديمقراطي الشعبي ولنعترف لانفسنا ان الشعب الاسرائيلي شعب (جودة نوعية) وليس مجرد هلام بشري كمي وبالتالي فان رصانة مؤسسات الحكم ورسوخ مبادىء الممارسة الديمقراطية في اسرائيل هي في الحقيقة نتائج) .. لا اسباب. فالقوة النوعية الشعبية هي التي تفرز مؤسسات نوعية وليس العكس. وتبقى ذيول السؤال تلاحقنا: لماذا يتمتع الشعب الاسرائيلي بالمقارنة مع شعوب الامة العربية بمستوى نوعي من الوعي مما يؤهله لفرض ارادته الجمعية على مؤسسات الحكم والسياسيين؟ والاجابة هي تميزه عموما بمستوى تعليمي وثقافي ليس من حيث انتشار التعليم النظامي بحسب بل اهم من ذلك نوعية البرامج التعليمية نفسها والوسائل التربوية التي ترتكز اساسا الى تغليب الحرية الذهنية الفردية على طريقة التلقين. ان المجتمع الاسرائيلي, كما هو معلوم, شعب من المهاجرين الذين قدم معظمهم من اوروبا. ومع توالي موجات الهجرة منذ مطلع القرن المنصرم ظلت ارض فلسطين تستقبل افواجا تلو افواج من اسر وجماعات يهودية تنتمي الى ثقافات وطنية اوروبية ذات مستويات حضارية متفوقة في طرائق التعامل مع الحياة والاخرين والاشياء. وبهذا يمكن ان نصف المجتمع الاسرائيلي الذي تفاعلت قطاعاته عبر عقود السنين الطويلة بأنه مجتمع اوروبي (جاهز) . إذن... علاج محنة العرب الحضارية الثقافية واضحة المعالم... ام هي كذلك فعلا؟! المطلوب ظاهريا ثورة في النظام التعليمي في كل بلد عربي. لكن من يحدث الثورة ويضمن استمراريتها؟ ان هناك شرائح قطاعية نافذة بين كل شعب عربي يهمها ان يبقى الوعي الشعبي المتواضع متواضعا الى الأبد. وبذلك تنتهي القضية الى سؤال اصيل واولى: متى تتلاشى هذه الشرائح القطاعية؟ وكيف؟ هذا هو نوع الاسئلة التي لا يمكن ان يجيب عليها الا ذو بصيرة ملهمة!