هل يعلن مجلس الامن الدولي الحرب على الايدز؟ طبعاً المجلس مشغول لشوشته بالحرب في الشيشان وآثار الحرب في كوسوفو وتيمور الشرقية وغيرها من مواقع الاحداث الساخنة, كما أن صدام حسين يشغل المجلس بالعقوبات عليه وبفرق التفتيش وغيرها من مشكلات تتعلق بتنفيذ قرارات للمجلس وهكذا , فالمجلس لديه من المشاغل العالمية السياسية تحديداً ما يكفيه وزيادة, فلا يكون الايدز في أجندته ولا في اهتمامه. مع ذلك فالمجلس الدولي المشغول بعشرات القضايا السياسية الساخنة, خصص للمرة الاولى في تاريخه جلسة علنية الاسبوع الماضي لبحث (الايدز) وخطورته على الأمن العالمي, فالمرض حسب آل جور نائب الرئيس الامريكي والمرشح للرئاسة بات يهدد الامن الدولي, ويكفي لتوضيح خطورته انه يهدد بقتل عدد من الضحايا خلال العشر سنوات المقبلة يقارب عدد ضحايا جميع الحروب في عقود القرن الماضي العشرين كلها مجتمعة. وعليه فالايدز الذي قتل اكثر من مليوني شخص العام الماضي ,99 ومرشح لقتل ما يعادل 20 مليوناً خلال العشرين عاماً المقبلة ما لم يتم اكتشاف دواء او علاج له, هو فعلياً اشرس الحروب كلها ان لم يكن خلال التاريخ فعلى الأقل خلال القرن الماضي كله, لولا أنه حرب صامتة بلا ضجيج ولا إعلام ويموت ضحاياها بصمت وبإهمال, فلا يكاد يعرف احد ابعاد هذه الحرب, سوى العاملين في حقل الصحة والمنظمات الدولية وحدها. وبما أن افريقيا هي الضحية الاولى والاكبر لهذا المرض, فإن اهمال مواجهة الايدز دولياً يبدو واضحاً حتى الآن, مقابل لو كانت اوروبا مثلاً او امريكا, احداهما او كلتاهما ضحيته, لكان العالم كله بما في ذلك منظمة الامم المتحدة شغلت الدنيا به, ومع ذلك فإن صحوة مجلس الامن ونحن ندخل القرن الجديد لشن الحرب الدولية على المرض في محلها, فالوقت لم يتأخر كثيراً بعد, على مواجهة المرض بغرض القضاء عليه. ولأول مرة ايضاً يعلن البنك الدولي استعداده للتعاون مع مجلس الأمن في هزيمة المرض, بعد ان انشغل طويلاً هو وشريكه في النكد المسمى صندوق النقد الدولي, في امتصاص دم شعوب العالم الثالث المنهوبة والمنكوبة على الدوام, فلعل صحوة ضمير هبت عليه ولعله يستطيع التكفير عن بعض ذنوبه, فيساهم في تمويل حملات صحية وأبحاث طبية وغيرها تساعد فعلاً في هزيمة المرض او على أقل تقدير, تقلل من اضراره البشرية, خاصة في افريقيا. طبعاً مجلس الامن قضى القرن الماضي كله, خاصة النصف الثاني منه, في اطفاء حرائق السياسة من حروب عالمية واقليمية ومحلية اهلية في كل قارات الارض تقريباً, مما يعني ان اوقاته كلها وهمومه وأهدافه استنزفتها هذه الحروب, والأهم انها غطت بصليلها وقعقعتها على حروب اخرى اشد فتكاً, من الاوبئة والامراض كالايدز, الى المجاعات والجهل وانعدام أبسط حقوق البشر في حياة عصرية ملائمة, لتكون النتيجة اليوم ان مرضاً واحداً يحصد من البشر ما يفوق ما حصدته الحروب كلها. ونتمنى حقاً مع تراجع الحروب بين البشر ان ترتفع عند مجلس الامن اهتمامات اخرى كالحرب على الأمراض والحشرات والفيروسات والجهل والفقر وغيرها من مخاطر صنع بعضها الانسان بنفسه لنفسه, فنشهد مثلاً بعد القضاء على الايدز حرباً دولية على التدخين واخرى على التمييز العرقي وحرباً على الفقر اينما توجد وهكذا, فنعرف ان هناك مجلساً للأمن الدولي فعلاً, لا مجلساً للأمن الأمريكي, على نحو ما كان عليه خلال القرن الماضي, والى اليوم.