اقرأ هذه الايام كتاباً شيقاً صدر عن سلسلة عالم المعرفة التي تشرف دولة الكويت تأليف الدكتور مسعود ضاهر خريج جامعة السوربون وهو معروف بعدد البحوث القيمة عن النهضة العربية وتاريخ لبنان وسبق ان نال جائزة عبدالحميد شومان عام 1983 ووسام التاريخ العربي ووسام المؤرخ العربي , كما كتب د. مسعود ضاهر دراسات علمية حول اشكالية الدولة الحديثة في العالم العربي ومعوقات النهضة من المنظور السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهو يواصل عطاءه الثري وتأملاته في معضلات العرب. نعم ان للعرب معضلات قائمة ومعضلات قادمة وقد احسن الدكتور ضاهر عملا حين وضع هذا الكتاب لمحاولة فهم لغز محير في تاريخنا المعاصر: لماذا حدثت النهضة العربية والنهضة اليابانية في نفس المرحلة التاريخية وانطلقت هذه وتلك من دوافع متشابهة ثم جاءت النتائج مختلفة تماماً بل متناقضة فدخل اليابانيون دائرة الحداثة والانجاز والتأثير والديمقراطية وحافظوا على تراثهم وأصالتهم بينما خرج العرب ـ او كادوا ـ من دائرة الحداثة وقفزوا من ورطة الى ورطة واصبحوا طوائف ونحلا وجماعات متطاحنة متصارعة في غياب الحريات الأساسية ـ في الغالب ـ وفي غياب اي مشروع نهضوي جاد؟ ولا شك في ان هذه المناظرة الحضارية ـ او المقارنة التاريخية ـ بين اليابان والعرب ليست جديدة, فقد شغلت الناس, لكن فضل هذا الكتاب هو الحفر بالمعول العلمي وراء النتائج لمعرفة الأسباب, اذ ما الفائدة المرجوة من البكاء ـ كما يفعل اغلب المثقفين العرب ـ على الحظ العاثر ومن السخط على الاستعمار ومن شجب الامبريالية في عصر لا يرحم الباكين والضعفاء ولا مكان فيه الا للبحث الدقيق الامين والعقل النير المستقيم والبصيرة المستقبلية النافذة. يفسر لنا الكتاب كيف تزامنت مرحلة توكوغاوا اليابانية مع نهضة محمد علي في مصر والشام والمشرق العربي, وكيف مضت اليابان على سبيل وحدتها بثورات دموية عادلة بينما مضى العرب في طريق شتاتهم المستمر الى اليوم. وكيف اقتبس اليابانيون من الغرب افضل ما لديهم اي دول المؤسسات والقانون والديمقراطية دون توريد قشور الحضارة الغربية من تهميش الطبقات الضعيفة والانحلال التي هي دائماً ثمن الحريات, بينما انغمس العرب في مستنقع الاستبداد والعداء للمخزون الحضاري وتوريد عادات (الغالب) وتقاليده ولغته ولباسه وأكله وشربه. واستبعاد افضل ما يقدمه الغرب للانسانية اي الاحترام الحقيقي والعميق لحقوق الانسان في التعبير والتغيير والانتخاب والمشاركة وكأنما د. مسعود ضاهر يقول اننا نحن العرب مشينا بالمقلوب او في الاتجاه المعاكس لمسيرة النهضة وضد تيار الفكر الانساني الذي تتوحد عناصره في ظل عولمة الحضارة ـ قبل عولمة الاقتصاد والسياسة ـ وهنا يذكر المؤلف كيف (شهدت مرحلة ـ توكو غاوا تبدلات مهمة على مختلف الاصعدة فقد تبلورت خلالها كثير من الايجابيات بشكلها الجنيني والتي ستصبح قاعدة اساسية للفكر السياسي الياباني في مرحلة النهضة الاولى من النصف الاول للقرن التاسع عشر, حين تخلى غالبية حكام المقاطعات من الداييمو عن نزعتهم الانفصالية وخضعوا طوعاً للسلطة المركزية بقيادة الشوغون, وتخلت شرائح واسعة من الساموراي طوعاً عن بعض امتيازاتها التقليدية وانخرطوا الى جانب الشوغون بهدف بناء السلطة المركزية في اليابان الموحدة) . هذا هو منبع نهضة اليابان الحديثة, اما في نفس العصر اي النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد ورث المشرق العربي نتائج انهيار الدول التي كانت اشباه ولايات عثمانية في اطار تقاتل حكام الاقاليم والمدن على السلطة واستنجادهم تارة بالفرنسيين وتارة بالانجليز وتارة بالروس للتغلب على بعضهم البعض وقد لخص الكتاب هذه المفارقة بين اليابان والعرب بأن اليابانيين شكلوا قاعدة صلبة لانطلاقة ايديولوجية سائدة تبشر بتوسيع الطبقة الوسطى ومقولات التعاون الطبقي كانت وراء قوة اليابان حيث شكلت مربعاً في أزمات تلك الامة وبخاصة أزمة الحرب العالمية الثانية وخروج اليابان منها في الحقيقة مهزومة منتصرة في حين لم يحقق العرب اي شكل من اشكال الوحدة بازاء تفكك السلطة المركزية العثمانية ومطامع الدول الكبرى لابتلاعهم ولا ينكر المؤلف قدر الجغرافيا في هذا الاختلاف اذ ان السلطة العثمانية والمشرق العربي والمغرب العربي كانت جميعها على خط التماس مع الامبراطوريات الاستعمارية فتلقت الضربات الاولى في حين كان ممكناً لليابان ان ينغلق على ذاته بعيداً عن تلك الضربات. ولنا عودة للموضوع * أستاذ الاعلام بجامعة قطر Kadidi46.Hotmail.com