ابنتي تسألني عنه.. تسألني كيف أصبح عطرا لزهرة معلقة على صدر حورية تبحث عن الحرية؟.. ما الذي فعله حتى ينبت مثل عشب أخضر على دفاتر الأيام؟.. لماذا ترك الحرير ومشى على الأشواك والآلام؟.. من الذي انتصر في المعارك التي خاضها ضد الأصنام؟.. وهل بعده أغلقت حديقة الأحلام ؟ ابنتي تسألني عنه.. تسألني لماذا كان شفاها للذين ليس لهم شفاه؟.. لماذا كان عينا للذين ليس لهم عيون.. لماذا كان كتابا مفتوحا كالبحر للذين لا يقرءون؟.. لماذا كان غطاء عريضا كالسماء للذين يبردون ويرتعشون ؟ ابنتي تسألني عن جمال عبد الناصر جيل جديد غير مشبع بالعقد النفسية والسياسية.. ليس طرفا في حسابات ولا مغامرات قديمة وربما وهمية.. يسأل عن رجل أجبر التاريخ على التوقف عنده.. لماذا عشنا بعده زمن السقوط والدمار وتحول الثوار بعده إلى تجار.. جيل جديد مسلح بفضيلة السؤال.. يرفض الإقامة في وطن كالضريح.. ولا يقنع إلا بالحوار الصريح.. لا يسكره حلو الكلام.. ولا الكتابة الكاذبة ولو على رخام.. ومهما كانت الأقنعة فهو قادر على كشف اللئام. والمثير للدهشة أن رغبة ابنتي في أن تعرف تأتي في وقت اختاره العالم واحدا من زعماء القرن العشرين.. وفي وقت بدأت كتابات كثيرة في الغرب تعيد اكتشافه.. وتعيد التذكير بقصة حياته.. والتفتيش فيها عن التفاصيل والمشاهد الإنسانية الصغيرة التي هي مفاتيح لمعرفة الشخصيات العظيمة. يا ابنتي.. جمال عبد الناصر فلاح مصري من أسرة متواضعة ضاربة في الصعيد.. تملك مالا قليلا وشرفا عريضا.. لم تعرف الهروب في زمن كان يتسم بالفضيحة والذنوب.. عرفت قيمة الكرامة والثقافة فتعلم والده عبد الناصر حسين في إحدى مدارس الإرساليات في مدينة أسيوط.. وبعد الانتهاء من الدراسة عين موظفا في مصلحة البريد.. في مدينة الإسكندرية بمرتب ثمانية جنيهات. في الإسكندرية تزوج الأب من ابنة تاجر فخم هي فهيمة محمد حماد.. وفي 25 يناير 1917 ولد جمال عبد الناصر.. بالضبط.. بالضبط منذ 83 سنة.. وعندما أبرق الأب إلى أسرته في قرية بني مر (4 كيلومترات من أسيوط) يبشرهم بالخبر قام أحد أقاربه بتسجيل المولود مرة أخرى في سجل مواليد القرية. كان جمال عبد الناصر في الثالثة عندما نقل والده من الإسكندرية إلى أسيوط.. وأتاح ذلك للفتى الصغير أن يعيش وسط عائلته وقريته التي ظل فيها حتى دخل المدرسة الابتدائية.. ولأن الأب كان دائم التنقل فقد اقترح عليه شقيقه خليل ـ الذي كان مقيما في القاهرة أن يعيش جمال معه حتى يكمل دراسته.. وهكذا وصل جمال القاهرة في صيف 1925 ليقيم مع عمه الذي لم ينجب أطفالا وإن كان يربي ابنه بالتبني محمود الذي استشهد والده في ثورة 1919 وكان عمر جمال وقت أن نزل القاهرة 8 سنوات. بيت عمه خليل الذي تربى فيه كان يقع في حي النحاسين.. حي الحرف والصناع المهرة القريب من الصاغة والموسكي والغورية والعطارين والأزهر والحسين.. إن عين الصبي الصغير التي انتقلت من الإسكندرية حيث الأمطار إلى الصعيد حيث الغبار إلى أحياء القاهرة القديمة والمتواضعة حيث الأخيار جعلته يحتضن الوطن ويعرف مناطق الإحساس التي تؤثر في غالبية الناس.. وهو ما جعله ينحاز للغالبية العظمى التي تسكن هذا الوطن.. الغالبية الصامتة.. الساكتة.. الصابرة. ولعل أول حادث أيقظ مشاعره الوطنية وقع أمامه في تلك الأيام.. كان حادث مقتل فتاة صغيرة تحت عجلات سيارة (جيب) عسكرية يقودها جندي بريطاني ممن يحتلون مصر بدعوى المساهمة في إعادة المدينة إلى أهلها.. داس الجندي جسد الفتاة بسيارته وواصل السير دون أن يرى مبررا يدعوه للتوقف. قال له عمه خليل بعد أن سمع منه تفاصيل الحادث: (سنظل نعيش في هذا الذل إلى أن يظهر بيننا رجل يخلصنا من الاحتلال البغيض) .. لكن أغلب الظن أن جمال عبد الناصر لم يتخيل نفسه ذلك المخلص.. لم يتخيل طاقة النور الذي ستبدد فيما بعد الكثير من الظلام. في تلك الليلة لم ينم بسهولة.. وأحس بسحابة سوداء قاتمة من الأحزان تخيم على مشاعره.. وهي سحابة تقبض روحه كانت تطارده كلما أحس بالوحدة أو بعدم القدرة على تنفيذ أمر ما يشغله. وأغلب الظن أنه كان صبيا منطويا على نفسه.. قليل الاختلاط بغيره.. ولعله كان يشعر بالغربة بعيدا عن والديه.. وكان يسرح طويلا في تأمل أبسط الأشياء.. في ذلك الوقت سأل أباه ذات مرة: لماذا نأكل اللحم والفلاح الذي يربي الغنم والأبقار لا يأكلها؟.. ولم يجد الأب ما يرد به على هذا السؤال الصعب سوى العبارة التي يرددها المصريون عادة: (هذه مشيئة الله) .. لكن الصبي لم يقتنع بالإجابة. في سنة 1926 ماتت أمه.. وفيما بعد قال: إن موت أمه كان ضربة قاصمة تركت بصماتها التي لا تمحى.. وبعد حزن وزهد استمر سبع سنوات تزوج الأب من السيدة عنايات مصطفى في مدينة السويس.. كان جمال وقتها طالبا في المدرسة الثانوية.. في القاهرة.. ولأنه بدأ يتفتح على أشياء مثيرة تكون وعيه العام فقد قلل من زيارته لوالده.. ويبدو أن ذلك عرضه لبعض اللوم من زوجة أبيه وكان إن بدأ جو الأسرة يتوتر. كان قد جاء إلى القاهرة لاستكمال دراسته الثانوية بعد أن بدأها في الإسكندرية في مدرسة رأس التين الثانوية القريبة من المقر الصيفي للملك.. أما السبب فهو أنه اشترك في مظاهرة ضد الإنجليز وقبض عليه وفي سيارة البوليس سأل جاره: (من الذي نظم المظاهرة؟) .. وعرف أنهم أعضاء من حزب مصر الفتاة.. وقبل أن يفرج عنه طلب مأمور القسم من والده أن يؤنبه بعنف أمام الآخرين.. لكن الأب رفض أن يكسر روحه ويهشمها واكتفى بأن أجبره على ترك الإسكندرية ومواصلة دراسته في القاهرة التي كان الأب قد نقل إليها وشغل فيها وظيفة رئيس مكتب بريد الموسكي.. وبالفعل عاش جمال عبد الناصر مع أسرته في حارة (خميس عدس) القريبة من حارة (اليهود) والتحق بمدرسة (النهضة) بالفجالة. في عام 1935 حرض جمال عبد الناصر زملاءه في مدرسة (النهضة) على الخروج في مظاهرة اتجهت إلى الجامعة لتأييد طلبتها المعتصمين بداخلها.. وعندما تدخلت قوات الأمن وقوات الاحتلال لتطويق المظاهرة نجح في الإفلات من الحصار مع مجموعة كبيرة من المتظاهرين واتجهوا إلى بيت الأمة ليستمعوا إلى بيان سيلقيه مصطفى النحاس.. وانتهى اليوم باعتقاله.. وبصعوبة شديدة نجح والده في الإفراج عنه ليدخل امتحان الثانوية العامة.. وبعد أن حصل عليها تقدم للالتحاق بالمدرسة الحربية.. لكن طلبه رفض لأكثر من سبب كان وجيها في ذلك الوقت.. أنه من أسرة متواضعة.. والده مجرد موظف في (البوستة) .. ليس في عائلته ضابط.. وسبق أن شارك في الحركة الوطنية واعتقل. بواسطة صديق عمه خليل.. اللواء إبراهيم خيري باشا سكرتير المدرسة الحربية دخل جمال عبد الناصر المدرسة الحربية في 17 مارس 1937 وأصبح اسم التدليل بين رفاقه (جيمي) .. أما عبد الحكيم عامر الذي دخل المدرسة الحربية بعده بدفعة واحدة فكانوا يسمونه (روبنسون) نسبة إلى (روبنسون كروزو) ـ الشخصية الأسطورية المغامرة ـ لميله الفطري نحو المغامرات الصغيرة. تخرج ضابطا في عام 1938 ونقل للخدمة في الخرطوم ـ في وقت كانت فيه مصر والسودان تحت حكم تاج واحد هو التاج المصري ـ وانضم إليه هناك عبد الحكيم عامر وكان أن ولدت بينهما صداقة متينة شاءت طبيعة الأحداث أن تبترها بعد ما جرى في يونيو 1967. بعد عودته من الخرطوم قرر الزواج.. ولم يتردد في أن يتقدم إلى صديقه صاحب مصنع السجاد اليدوي عبد الحميد كاظم ليطلب يد ابنته الوديعة المحافظة (تحية) .. قال الأب بصراحة: (إنني أعتقد أن تحية لا ترغب في الزواج من ضابط) .. رد جمال عبد الناصر عليه: (اسألها) .. وبعد شهرين من الخطوبة كان الزفاف.. كانت هديته الأولى لها جهاز (فونوغراف) ومجموعة اسطوانات عليها موسيقى سيد درويش وأم كلثوم.. واستأجر (فيلا) في منطقة منشية البكري بضاحية مصر الجديدة ليعيش فيها مع زوجته وأولاده الذين أنجبتهم فيما بعد.. وقد بقى في هذه الفيلا بعد أن حكم مصر وإلى أن مات.. فكان أول حاكم مصري لا يملك بيته.. بل أن الفراش الذي كان ينام عليه كان (عهدة) ردت بعد رحيله إلى إدارة الأشغال العسكرية. واشترى سيارة (أوستن) سوداء كان يطوف بها على أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الذي كونه بعد عودته من الخرطوم وكان التنظيم يضم ضباطا من مختلف التيارات السياسية التي انتمى إليها هو نفسه بصورة أو بأخرى.. من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين. وجاءت حرب فلسطين.. جاءت لتكون إحدى العلامات البارزة في تحولاته.. كان برتبة صاغ (رائد) عندما انضم إلى القوات المصرية التي ذهبت في 16 مايو سنة 1948 في حملة القتال في الأرض المقدسة.. وقد قال فيما بعد عبارة شهيرة ترددت كثيرا فيما بعد.. (كنا نحارب في فلسطين ولكن أحلامنا كلها كانت في مصر) .. وقال أيضا : (كان رصاصنا يتجه إلى العدو الرابض أمامنا في خنادقه ولكن قلوبنا كانت تحوم حول وطننا البعيد الذي تركناه ترعاه الذئاب) .. وفي فلسطين اكتشف كذلك صدق مقولة الفدائي العنيد أحمد عبد العزيز قبل استشهاده هناك: (إن ميدان الجهاد الأكبر هو في مصر) . كان المشهد الأول الذي وقعت عليه عيناه وهو ينضم إلى الكتيبة السادسة مشاة في الفالوجا هو مشهد ضابط الاستقبال الذي كان عليه توصيله من محطة قطار العريش إلى الفالوجا.. كان الضابط يرتدي زيا مكرمشا وكان يطلق لحيته وكانت رائحة العرق تفوح منه كما أنه لم يقص شعره منذ وقت طويل.. وعندما سأله جمال عبد الناصر عن السبب قال له: إننا نعيش ظروفا بالغة القسوة.. المياه لا تكفينا.. وسبل الاتصال مقطوعة.. بينما نضطر إلى صد هجمات اليهود التي لا تتوقف.. كثيرون منا لم يذوقوا طعم النوم لعدة ليال متتالية.. لقد كنت مضطرا للسفر طيلة الليل متجاوزا الطرق التي قطعها العدو حتى أتمكن من استقبالك.. وسأله عبد الناصر: هل تناولت إفطارك؟.. فرد الضابط بالنفي.. فناوله ما يحمله من طعام كانت زوجته قد أعدته له ليتناوله في الطريق. بعد الحرب بدأ جمال عبد الناصر في عام 1950 إعادة تنظيم (الضباط الأحرار) على أسس وطنية لا عقائدية.. فالكل يريد مصلحة الوطن مهما اختلفت الرؤية والوسيلة.. وفي صباح يوم 23 يوليو 1952 استولى التنظيم على السلطة في مصر.. لم تكن الخطة قوية بقدر ما كان النظام هشا وضعيفا وكأنه كان نظاما من كرتون.. إن الشعب المصري المقهور المكسور أيد الثورة بكل ما يملك من جوارح ومصالح.. إن صمته لم يكن قبولا ولا موافقة.. صمته كان تعبيرا عن صبره.. لذلك كان الاجتياح عارما. خاض جمال عبد الناصر كل معاركه على أعصابه.. كان يعرف أن العدو الأخطر في الداخل.. تحت الجلد.. ينخر كالسوس في العظام تمهيدا لدخول العدو الواضح في الخارج.. والمستعد للغزو والسيطرة.. مرة بالجيوش.. ومرة بالفلوس.. ودائما بالعملاء. معارك قاصمة خاضها هذا العملاق الأسمر المنحوت من طمي النيل حتى وجد نفسه حزينا.. فمات بالسكتة السياسية قبل أن يموت بالسكتة القلبية.. ولم يهدأ الأعداء بموته.. فقد راحوا يمثلون بسمعته.. وبدأت عملية الاغتيال الثاني له.. الاغتيال المعنوي لإزالة كل ما آمن به.. وما سعى جاهدا لتحقيقه.. ومنذ أن توفي في 28 سبتمبر 1970 وحتى الآن ومحاولات تحطيم شخصيته مستمرة.. فالزهور التي تنبت في الصخور يجب أن تسحق كاملة. وأصبح الوطن العربي الكبير بعده أشياء صغيرة متفرقة.. لم يعد الوطن الكبير كبيرا.. أصبح مقسما محطما.. أصبح مرتعا للسادي والفاشي والأمي والمجذوب والمغلوب والمقهور والمكسور والمذعور.. وتحول الذين كانوا يكتبون أشعارا كالياسمين إلى بلطجية يكتبون بالسكين.. بلطجية عند القوة الجديدة التي تحكم وتسيطر.. الشركات متعددة الجنسيات. هذا هو يا ابنتي جمال عبد الناصر.. ولي من أولياء الوطن.. في زمن الكفر بالوطن.