اذا كان اعتراض الولايات المتحدة على استيراد امصال بواسطة السلطات العراقية لتطعيم الابقار ضد الامراض بحجة ان الامصال تصلح لاستخدام مزدوج (مما قد يدخلها في باب مواد الدمار الشامل!) يكشف اصرارا امريكيا على ابقاء الشعب العراقي الى الابد في حال بين الحياة والموت فإنه ايضا يكشف امرين آخرين: تهافت الحجة القائلة بأن الحكومة العراقية هي المسئولة عن تجويع شعبها.. ومن ناحية اخرى فضح ما تردده بعض الدوائر الرسمية العربية في انها اذ تؤيد ابقاء العقوبات الدولية على العراق الى ان يفي بتنفيذ قرارات (الشرعية الدولية) فانها تحرص في الوقت نفسه على عدم الاضرار بشعب العراق. لقد تقدمت الحكومة العراقية الى لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة والتي انشئت اصلا لرصد واردات العراق من السلع والتجهيزات للتأكد من انها لاتشتمل على مواد محظورة بطلب لاستيراد عدد من الثيران لتحسين نسل الابقار المحلية وامصال للتطعيم الحيواني, واعترض المندوب الامريكي في اللجنة على الطلب بحجة ان التركيبات الكيماوية للامصال يمكن ان تدخل ايضا في تصنيع اسلحة كيماوية! ولو كانت هذه الواقعة وحيدة ومعزولة لجاز ـ بغير قليل من المبالغة في الاجتهاد ـ التوقف عند حجة الاعتراض الامريكي والنظر فيها.. لكنها تأتي ضمن سياق طويل في شتى صنوف الحيل الاعتراضية والتدخلات التعويقية مما يعكس نوايا مبيتة مفعمة بشر مستطير. ان طلبات الاستيراد العراقية تجاز او لا تجاز في اطار ترتيب اقره مجلس الامن الدولي تحت اسم (النفط مقابل الغذاء) وبموجب هذا الترتيب يسمح للعراق بضخ كميات محددة من النفط الخام على ان تستغل عائداتها المالية في تمويل الطلبات العراقية التجارية من المواد الضرورية كالاغذية الاساسية والادوية المنقذة للحياة وقطع الغيار للآلات والتجهيزات الحيوية كحافلات النقل والآليات الزراعية. ونذكر ان بغداد عارضت هذا الترتيب في بدايته حيث كانت تخشى ان يتحول من اجراء وقتي مرحلي الى نظام مستديم يؤدي لتمديد العقوبات الاقتصادية بشكل مختلف وتحت الحاح حلفاء العراق داخل مجلس الامن (فرنسا وروسيا والصين) قبلت بغداد هذا النظام المستحدث على مضض, ولكن ما ان وضع الترتيب موضع التطبيق العملي حتى اتضح ان الولايات المتحدة لاترغب حتى في ان يجني الشعب العراقي ثمرته على تواضعه وضيق هامشه, فعمدت واشنطن الى عرقلة العقود المبدئية التي تتقدم بها الحكومة العراقية بشتى فنون الاعتراض, ثم عمدت بعد ذلك الى استخدام حيل تعطيلية تؤدي الى تعليق البت في عدد من الطلبات وقد بلغ عدد هذه العقود المعلقة حتى نهاية عام 1999 نحو 778 عقدا قيمتها الاجمالية 1.27 مليار دولار. وعندما عرض لاحقا اقتراح على مجلس الامن الدولي برفع سقف كميات النفط الخام التي يسمح للعراق بتصديرها في اطار (النفط مقابل الغذاء) لم تعترض الولايات المتحدة. لقد ادخرت اعتراضها, كما اتضح, للجنة العقودات. فقد اخذ مندوبها في اللجنة يستخدم حيل التعويق حتى لاتتمكن اللجنة من اجازة طلب عراقي لقطع غيار وتجهيزات اخرى لاصلاح وتأهيل منشآت نفطية مما يجعل من الممكن زيادة ضخ النفط العراقي بمعدلات اعلى الى مستوى السقف الجديد. وبالتالي يبقى قرار مجلس الامن برفع السقف لأجل غير مسمى مجرد حبر على ورق. ماذا تقول الدوائر العربية اذن؟ لقد ظلت بعض الدوائر الرسمية العربية تستخدم (الشرعية الدولية) كمبرر لاعتراضها على رفع العقوبات المفروضة على العراق, فما هو مبرر سكوتها على المسلك الامريكي الفاضح داخل لجنة العقودات؟ هل تجسد واشنطن وحدها الشرعية الدولية؟