الحديث عن بقاء المستوطنين اليهود في الجولان بعد انسحاب القوات الاسرائيلية منها وعودتها الى السيادة السورية يذكر بجحا الذي باع منزلاً, مشترطاً بقاء مسمار له فيه, راح يزوره في كل وقت مزعجاً أهل البيت الجدد ومستفيدا منهم ومن مائدتهم, وهي قصة معروفة طبعاً في التراث العربي لا اليهودي بما تحمله من معان وتحذيرات , ما نتوقع أن يستلهمها المفاوض العربي السوري فيرفضها, لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين, وللمؤمن من التاريخ وقصصه عظات وعبر. ولا نعرف اذا كان الاسرائيليون قد سمعوا بجحا وقصة المسمار فأعجبوا بسياساته ويريدون تطبيقها الآن في الجولان, فيكون لهم فيها حتى وهي تحت السيادة السورية مواطنون يزورونهم كل حين ويزور هؤلاء اسرائيل, ثم تفتعل اسرائيل كل مرة المشكلات بحجج حماية هؤلاء مثلاً أو رد حقوق لهم وهكذا. طبعاً فكرة بقاء المستوطنين غير واضحة حتى الآن, غير أن البروفيسور اليهودي الفلسطيني المعادي لاسرائيل والعضو في منظمة التحرير الفلسطينية والمستشار لعرفات في وقت ما, والذي ينتقد سياسات التفريط الحالية له, المدعو أوري ديفيز, كتب مؤخرا مقالاً موجهاً لاسرائيل ولسوريا معاً, يقترح فيه عدم هدم المستوطنات عند رحيل الاسرائيليين عنها كما حدث مع مستوطنات سابقة في سيناء مثلاً وغيرها, بل تركها بالاتفاق مع دمشق لسوريا, فهي في النهاية تكلفت الكثير كما ان هدمها لا يعني غير الحماقة وقصر النظر, وضياع الملايين من الدولارات, خاصة أن أهالي الجولان الحقيقيين من سوريين بحاجة الى منازل ومساكن هدمها الاحتلال الاسرائيلي ولهم حق التعويض. وما من شك ان رأي ديفيز المناصر للقضية الفلسطينية والداعي لتحرير كل فلسطين والمنتقد بشدة لسياسات اسرائيل العنصرية وبشاعة احتلالها كعادته يعبر عن عين العقل الذي لا تعرفه اسرائيل, وهو بلا شك صادق كل الصدق فيما يقترح, لولا أن هناك من طلع باقتراح غريب مغاير, ربما بالاستفادة من كلام ديفيز أو لنسفه تماماً, يقضي ببقاء المستوطنين في مستوطناتهم, لابقاء المستوطنات التي تتحول مع عودة الجولان الى مجرد مساكن عادية من دون تسميتها بالمستوطنات, فنعرف مدى ما يمكن أن تذهب اليه الوقاحة الاسرائيلية. هذه الوقاحة عرفت سابقاً في أمور كثيرة, منها ان الجولان اسرائيلية والسوريون هم من يحتلها, ومنها ان الجولان لا تحتاجها سوريا مثلما تحتاجها اسرائيل, وهكذا, وصولاً الى اليوم الذي نقرأ فيه أفكاراً للسلام من نوع بقاء المستوطنين من حيث هم, ولا مانع ان يتم ذلك تحت السيادة السورية, كجزر بشرية اسرائيلية في اراضي سوريا, تشهد لهم مع الزمن بحق في الأراضي, يعتقدون اليوم وغداً أنها اراضي اجدادهم حسب الخرافات الاسرائيلية. سوريا لن تقبل قطعاً بقاء مستوطنين في أراضيها يمثلون احتلالاً مدنياً بعد انتهاء الاحتلال العسكري, او يمثلون لاجئين آخرين اضافة الى اللاجئين الفلسطينيين, بفارق المقارنة بالطبع, الا اذا قبل هؤلاء بالتخلي عن جنسيتهم الاسرائيلية وحمل الجنسية السورية, فيصبحون مواطنين سوريين لهم حقوق السوريين وعليهم واجباتهم, وهو ما لا نعتقد ان الاقتراح الاسرائيلي أو الأمريكي, الله أعلم, مستعد للقبول به, فاسرائيل التي تبحث عن كل يهودي في الشتات لتعطيه الجنسية, لا يمكن ان تتخلى عن مواطن لغيرها. ونختم بأن اسرائيل تبحث في مفاوضات السلام حول الجولان عن مسمار جحا يضمن عودتها الى الجولان كل حين, من مراكز الانذار المبكر سابقاً التي أصرت وتصر عليها طويلاً, الى حقوق في منابع المياه وصولاً اليوم الى زرع المستوطنين وابقائهم حيث هم فيتكاثرون عددا مع السنين لتكون لهم الغلبة والسيطرة الفعلية, ما نعده مرفوضاً عربياً, لأننا خير من يعلم عن مسمار جحا هذا, ويكفي ان اسرائيل نفسها, هي مسمار جحا غربي في بيتنا العربي الواسع, فلا نلدغ من جحر مرتين, اذا كنا مؤمنين بالطبع.