تستمر التساؤلات حول العصر الجديد وتزداد هذه التساؤلات دقة عند التفكير في السنوات العشر المقبلة. فمستقبل العالم في القرن الجديد رهن بشروط مرتبطة بمدى استقرار التجارة بين الدول وبمدى تطور الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في قارات عدة, وهو رهن ايضا بمدى استقرار الولايات المتحدة التي تسيطر على ثلث اقتصاد العالم وهو رهن ايضا باستقرار اوروبا واليابان وشعوب ودول العالم النامي, كل حسب ثقله وتأثيره على التجارة العالمية وتوازناتها.. ومع دخولنا القرن الجديد اصبح واضحا ان الحروب العالمية كاسلوب في التعبير عن ازمات اقتصادية وخلافات تجارية لن تكون ممكنة في المستقبل. أن هذا النمط من الحرب والذي عرفه العالم في اوائل الاربعينيات اكبر من ان يحتمله احد. لكن الحروب الاقليمية والحروب المصغرة اكانت اهلية أم عبر حدود الدول سوف تكون ممكنة في المستقبل في جميع القارات اوخاصة في آسيا وافريقيا. لكن الولايات المتحدة تلك الدولة القارة التي تطل على محيطين وتشهد منذ التسعينيات نموا اقتصاديا كبيرا لم تشهده في السابق سوف تستمر في نموها وتطورها الدولي. وسوف تبقى الولايات المتحدة قادرة على جمع تحالفات اقتصادية وسياسية واخذ المبادرة العسكرية عالميا ولعب دور امني في المحيطات وفي الاقاليم والقارات لكن هذه القوة سوف تواجه بتحالفات مضادة صغيرة وموسعة مؤقتة وشبه دائمة من مجموعة من الدول تشعر ان الولايات المتحدة تفرض قانونها او قوتها او سياساتها دون النظر للاوضاع المحلية لشعوب عديدة فما حصل مع قانون دماتو الخاص بايران وما يتعلق باختلاف الموقف الفرنسي الاوروبي مع بعض السياسات الامريكية سوف يفرض على الولايات المتحدة الحساسية المطلوبة لزيادة الشراكة مع الدول ولبناء التحالفات ولعدم فرض التوجهات. بمعنى آخر سوف يكون هناك مزيد من التوازن في النظام الدولي في السنوات العشر المقبلة وسوف يتم هذا من خلال المزيد من الاستقلاليه الاوروبية والروسية والصينية. لكن هذا لن يمنع الولايات المتحدة من التميز والبقاء في مرحلة التأثير لمدة أطول من المتوقع على النظام الدولي, كما ان هذه الدولة القارة عودتنا على المفاجآت العلمية والتقنية والاقتصادية والثقافية, الا ان ذلك سوف يشهد ايضا مزيدا من ردود الفعل ومحاولات الحد وبناء التوازن. ومن الواضح في هذا الاطار ان روسيا في طريقها لترتيب اوضاعها وتخفيف مخاسرها الكبيرة, وكان مفاجأة العالم استقالة الرئيس يلتسين في روسيا. الاهم الان ان بوتين الذي سيقود روسيا يأتي من المؤسسة الامنية والمؤسسة الاكثر حرصا على تنظيم شئون روسيا وضرب مواقع الفساد. بوتين سوف يسعى لبعث دور روسيا وقوتها اقليميا. الواضح ان بوتين يتمتع بدعم المؤسسة الامنية والعسكرية اضافة لدعم الشارع بسبب موقفه الحاسم في قضية الشيشان التي تتمتع بتأييد واسع النطاق في الشارع الروسي ولكن موسكو لن تعود لسياسة التسلح والحرب الباردة التي ادت بها الى السقوط لهذا فروسيا سوف تستمر في المفاوضات الخاصة بتخفيف التسلح والخاصة بالحد من التسلح, وسوف تحاول البقاء في الحلبة وتسعى لتأمين مصالحها الاقليمية كدولة رئيسية في اسيا وأوروبا دون ان تعود للممارسات المكلفة السابقة. اما شرقنا العربي فهو في طريقه في العقد الاول من القرن الواحد والعشرين للتركيز على الشئون الداخلية لدوله ومجتمعاته, فسوف تأخذ قضية التنمية الاقتصادية ومعالجة ازمات البطالة الأولوية, وسوف تكون قضية (الخلافة) من حاكم الى اخر ومن حكومة الى اخرى ومن جيل اى جيل قضية في غاية الاهمية, فكيفية التعامل معها ومدى سلميتها سوف يترك اكبر الاثر في مستقبل العديد من الدول العربية.. وستكون مسألة التعامل بين التيارات السياسية وعلى الاخص الاسلامية من حيث دورها في المجتمع وفي الحياة السياسية على الاجندة السياسية وعلى الاخص الاسلامية من حيث دورها في المجتمع وفي الحياة السياسية على الاجندة السياسية والثقافية لجميع الدول العربية. كما ان العلاقة مع العالم بين المحافظة على الهوية وبين الانفتاح سوف تشغل العرب في السنوات العشر المقبلة, اما الصراع العربي الاسرائيلي فسوف يستمر في التراجع فبفضل السلام ستتجزأ القضية العربية لقضايا, ومع التوصل لاتفاقات سلام لن يكون هناك قضايا بقدر ما سيكون هناك مسائل خلافية تعالج بالتفاوض واحيانا بعنف او صراع محدود. وسوف يكتشف مزيد من العرب ان المنطقة العربية قد تراجعت في الاهمية الاستراتيجية والعالمية نسبة لما كان عليه الحال في العقود الماضية, فباستثناء اهمية منطقة الخليج بالتحديد بسب النفط سوف تنتقل الاهمية الاستراتيجية الى تركيا والبلقان والتوازنات التي تتشكل هناك والتي تؤثر على اوروبا وتؤثر على روسيا والعالم.. لقد فقد الشرق الاوسط في العقود الماضية دوره الاستراتيجي بسبب توقف النزاع العربي الاسرائيلي وبسبب انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي وايضا بسبب الغزو العراقي للكويت وبسبب تآكل الانتاج والنمو الاقتصادي العربي نسبة للانتاج العالمي ولن تكون العودة الممكنة للأهمية الاستراتيجية في المستقبل الا من خلال الكثير من الاصلاح الذاتي والنمو الاقتصادي وفوق كل شيء محاولة بناء تكتلات اقليمية تعطي قوة تفاوضية مع عالم يقوم على تكتلات كبيرة لا تحترم الضعف والتفتت. العصر الجديد سوف يستمر في اعلائه للحديث, وللجديد وللتكنولوجيا وللعلم, وللاختراع وللمنافسة ولقيم العمل, وللصراع من اجل البقاء وللكتل الكبرى وللعولمة وللانتشار الدولي ولانتشار المعرفة, لن يكون هذا العصر بالتالي ارحم على الدول النامية من عصور سابقة, بل سوف تتعرض هذه الدول للمزيد من الضغط الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي, وسوف يتوقف الكثير من الاستقرار في هذه الدول والمجتمعات على مقدرتها في التعامل مع مصاعب الوضع الجديد وتحويلها الى فرص للانتقال الايجابي. * استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت