كان اكتشاف النفط واستثماره على نطاق واسع في منطقة الخليج بمثابة تحول مهم في بنية هذه المنطقة وموقعها في السياسات الاقليمية والدولية, وقد تصاعدت اهمية المنطقة بصورة خاصة منذ عقد السبعينيات والتي اكدت اهمية النفط في الاقتصاد العالمي استثمارا وتجارة واستهلاكا , الامر الذي تكرس في تجاذبات وتنازعات بين الاطراف الاقليمية والدولية, بحيث سعى كل طرف الى تقوية وتعزيز حضوره في منطقة الخليج على مدار العقود الثلاثة الاخيرة من القرن. غير ان السياسات الاقليمية والدولية ازاء منطقة الخليج لم تكن وحدها الفاعلة والنشطة في المنطقة ذلك ان في المنطقة دولا وشعوبا, اخذت تأثيراتها تتوالى وتتفاعل مع السياسات الاقليمية والدولية في ذات الوقت الذي كانت تحاول فيه ان ترسم افقا عاما لتطور منطقة الخليج وافقا لتطور الكيانات الوطنية في المنطقة. ومنذ منتصف السبعينيات الذي شهد صعودا في اسعار وانتاج النفط في الخليج, تحولت كل دولة في المنطقة الى مركز للفعل والتفاعل, بحيث بدأت في كل الدول مشروعات للتنمية والتقدم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وهي عمليات توازت مع توجهات لبناء قدرات سياسية وعسكرية لدول الخليج, وكلها اعتمدت بصورة اساسية على عائدات النفط المباشرة, او على رؤوس الاموال التي تراكمت عن عائدات سابقة, وهكذا اخذت بالظهور ثلاث قوى اقليمية في منطقة الخليج هي ايران, والمملكة العربية السعودية, والعراق وفي المرتبة الثانية توالت بقية دول المنطقة ذات المساحات الصغيرة والعدد السكاني المحدود. وقد تمخض عقد الثمانينيات عن تطورات نوعية في الخليج, اذ اتجهت اغلبية الدول العربية المطلة على الخليج لاقامة كيان اقليمي مؤلف من المملكة العربية السعودية, والكويت ودولة الامارات, وقطر والبحرين وعمان تحت اسم مجلس التعاون الخليجي والذي وفر حدودا ما من التشاور والتفاهم والتعاون المتعدد الاوجه بين هذه البلدان, فيما كانت رياح الثورة الاسلامية تعصف بايران اكبر دول الخليج, وادى انتصار الثورة فيها الى صعود المخاوف من تأثيراتها وبخاصة على العراق والذي سرعان ما انخرط ضدها في حرب استمرت ثماني سنوات دمرت الكثير من قدرات البلدين المادية والبشرية, وارهقت دول الخليج الاخرى بتداعياتها السياسية والاستراتيجية. غير ان الهزة الاكبر والاشد عنفا واثرا في الخليج جاءت مع الغزو العراقي للكويت عام 1990 ثم في الحرب الدولية ضد العراق, وفي كل الحالات, اخذ الغزو وحرب الخليج الثانية 1991 وسنوات التسعينيات التالية الكثير مما راكمته دول الخليج, لكن الاثر الاسوأ جاء على الكويت والاكبر منه اصاب العراق والذي مازال يدفع فواتير سياساته ازاء جيرانه الاقرب في الخليج, ايران, والكويت, والمملكة العربية السعودية, وهي سياسات لم تخرج العراق فقط من دائرة التأثير الفعال في الخليج وفي محيطه, بل اضعفت قدرات ايران ودورها وعززت الوجود الاجنبي ولاسيما الامريكي في منطقة الخليج. ووسط ذلك كله اخذت تظهر بدايات لتحولات ايجابية مع النصف الثاني من عقد التسعينيات ولعل الاهم في هذه التحولات اندراجها في مستويين الاول هو تغيير في طبيعة ومحتوى العلاقات الخليجية, حيث تتوالى اشارات الميل الى تغييرات في مواقف الدول الخليجة نحو العراق الذي لابد وان يخرج من لباس سياساته السابقة, وقد تجاوز الامر ذلك في التوجه الى رفع حاجز حذر دول الخليج العربية ولاسيما المملكة العربية السعودية ازاء ايران, بل ان العلاقات بين اغلبية هذه الدول وايران تتجه الى التفاهم والتعاون وان كانت قضية الجزر العربية الثلاث مازالت تمنع تطورات ايجابية وواسعة خاصة في علاقات الامارات العربية مع ايران. وامتدت التطورات الايجابية في العلاقات الخليجية, لتشمل ايضا العلاقات التي شهدت بعض توترات فيما بين دول مجلس التعاون, وابرزها خلاف قطري ـ بحريني بصدد الحدود, وقد اكد البلدان مؤخرا التوجه الى حل موضوع الخلاف وفقا للتحكيم, وهو نهج يمكن ان يشكل مبدأ مقبولا في معالجة الخلافات في المنطقة. والمستوى الثاني في التطورات الايجابية التي تشهدها منطقة الخليج تجسده تطورات داخلية, تتداخل فيها التطورات السياسية والاقتصادية مع التطورات الاجتماعية وتتفاعل في حالة تكاد تكون عامة تتوالى مجرياتها في معظم الدول باستثناء العراق الذي ينتظر الخروج من اطار الحصار الدولي المفروض عليه منذ عشر سنوات. ان بين اهم التطورات السياسية التي تجتاح دول الخليج تتقدم سياسة الانتفاح السياسي في ايران والتي تحاول من خلال توجهات الرئيس خاتمي وحكومته احداث تبدلات في علاقات القوى السياسية والاجتماعية داخل ايران بزيادة انفتاح السلطة على الجمهور وانفتاحها على الافكار واقامة حوار هدفه قلب قاعدة الاستئثار بالقيادة والسلطة من فريق كرسه انتصار الثورة قبل عقدين في الموقع الحاسم للسلطة في ايران. كما ان بين التحولات السياسية المهمة في الخليج, توجهات قطر الى الديمقراطية والتجربة التمثيلية وهو نزوع يتجه مباشرة الى عصرنة الدولة وتحديثها وهو جزء من منظومة, تعمل قطر لانجازها وفي واحدة من حلقاتها الاساسية تفعيل دور المرأة القطرية, وتأكيد مشاركتها في الحياة العامة هو امر سياسي بالدرجة الاولى, فانه ايضا يعكس جانبا مهما في التطور الاجتماعي الذي يجتاح دول الخليج وايران, حيث السمة العامة هي تقدم المرأة لمشاركة اوسع في الحياة العامة بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية, وباستثناء ماحدث في الكويت حيث عارض مجلس الامة توجهات الحكومة في اعطاء المرأة الكويتية حق الانتخاب والمشاركة في العملية الديمقراطية. وتشهد اغلبية دول الخليج تطورات اقتصادية نوعية, تعكس روح الانفتاح والاصلاح الاقتصادي مترافقة مع محاولات جذب الاستثمارات المختلفة, وتنشيط حركة التجارة داخل بلدان الخليج, وبين بلدان المنطقة والمناطق الاخرى والقريبة بشكل خاص ولعل النموذج الذي تقدمه دولة الامارات العربية المتحدة يعكس المستوى الامثل فيما تقدم الكويت نموذج الحد الادنى. ولاشك ان تحولات علمية وثقافية ـ اعلامية تتوالى فصولها في الخليج بدوله المختلفة, حيث تتزايد فرص التعليم وتتسع مجالاته وتتعدد, ويتوافق حضور الكليات والجامعات مع المؤسسات الثقافية مع اتساع حضور ودور المؤسسات الاعلامية المتعددة الاختصاص وبينها المرئي والمسموع والمكتوب بما في الاخير من صحف ومجلات ودوريات تجاوز عددها المئات في دول الخليج العربية وفي ايران. ولايحتاج امر التجسيدات العملية للتحولات في مجال الاتصالات الى تأكيد انه في اطار التحولات المهمة التي تحدث في بلدان الخليج, وهي تتيح اتصالا وتواصلا فيما بين دول وشعوب المنطقة, وبين المنطقة وبلدان العالم الاخرى, وهي بين عوامل سوف تكسر حدود موانع الاتصال والتواصل مع التطورات الحضارية العالمية في ميدان العلوم والثقافة والاقتصاد والتجارة. ومما لاشك فيه ان التطورات التي شهدتها منطقة الخليج في السنوات الاخيرة, ترسم ملامح الافق الذي تتطور فيه المنطقة خلال العقد المقبل, والذي تتبدى ملامحه من الناحية السياسية في زيادة التواصل والتقارب, بل والتعاون بين دول الخليج, وهي بلدان ذات بنيات متقاربة في اغلبها, وذات هموم وطموحات متماثلة يتركز همها في التنمية وتحقيق التقدم والامن. وتتجه دول المنطقة نحو آفاق جديدة في التطور الاقتصادي رغم بعض المشكلات التي تواجه دولا خليجية منها ايران والكويت والعراق, فيما تتحسن احوال وظروف دول اخرى بينها الامارات العربية وقطر وعمان, وتحاول الامارات اجتياز عقبة كبرى في تطورها الاقتصادي في محاولة للتحول الى مركز اقليمي, ويبدو ان الامر ليس ببعيد, وهو ما سوف ينعكس بصورة ايجابية على جوارها في الخليج. *كاتب سوري