في إطار (العولمة) أصبح من حق أصحاب الصوت الأعلى أن يطلقوا المسميات التي يرونها دون أن ينتظروا تعريفات أو مسميات يمكن الاتفاق عليها دوليا ويمكن أن تكون لها مدلولاتها التي لا تقبل التأويل, لأن تلك التعريفات أو المسميات أصبح من السهل فرضها من جانب الطرف الأقوى عسكريا أو إعلاميا , وعلى الأطراف الأضعف أن تخضع وتقبل ولا تناقش, فدخلت تعريفات مثل (النضال) و(الكفاح المسلح) تحت إطار المحظورات لأنها لا تعني في ظل العولمة سوى (الإرهاب) , حتى أصبح النضال ضد الاحتلال الأجنبي بكل أنواعه نوعا من الإرهاب أيضا من جانب القوى التي تملك فرض تعريفاتها, بينما تحول الاحتلال الحقيقي إلى نوع من الدفاع المطلوب عن النفس, كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل, التي تحتل أرض الآخرين لتحقيق أمنها (الذاتي) , وأصبح إرهاب الغير بضربات (وقائية) , أي بتدمير الآخر لمجرد احتمالية التفكير يسمى (دفاعا عن النفس) , كما حدث ويحدث من جانب الولايات المتحدة ضد ليبيا والسودان وأفغانستان والعراق, وكل من تخول له نفسه الوقوف في وجه السياسات الأمريكية.في هذا الإطار قررت إسرائيل أن تتجاوز مجال الاحتلال والحرب لتفرض مسمياتها الخاصة المطابقة لتلك التعريفات في مجال (الأعراف الدبلوماسية) المعترف بها دوليا ولا تقبل تأويلا غير ما هو متفق عليه, وان تمارس إرهابا إعلاميا, ترى أنه من حقها كدولة في عالم بلا حدود, ضد دولة ذات سيادة مثل اسبانيا, مستخدمة في ذلك كل الوسائل التي تملكها, أو حتى التي لا تملكها, وذلك من اجل إرهاب اسبانيا لتغير مواقفها المبدئية, وأيضا إرهاب الإعلام الوطني الاسباني ليدخل المعركة إلى جانب إسرائيل وضد بلاده تحقيقا للهدف الذي ترمي إليه, وهو دفع اسبانيا للتخلي عن موقفها ضد انضمام إسرائيل إلى عضوية المجموعة الأوروبية الغربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. على الرغم من أن الموقف الاسباني مبني على أسس تدخل في صميم الأعراف الدولية التي يجري على أساسها التعامل في المنظمات الدولية, منها أن إسرائيل تقع في قارة آسيا لذلك لا يحق لها أن تنضم إلى المجموعة الأوروبية الغربية, وثانيا لأن ضم إسرائيل إلى المجموعة الأوروبية الغربية, ولو بشكل مؤقت كما يطالب أنصار إسرائيل, أو هكذا يعلنون في حربهم الإعلامية, سوف يعني شيئين أساسيين: أولهما أن هذا يحرم دولا أوروبية غربية حقيقية من فرصتها في التناوب على المقعد المخصص لها بين المقاعد العشرة غير الدائمة في مجلس الأمن, وثانيا أن وجود إسرائيل في إطار المجموعة الأوروبية الغربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة يجعل من الصعب رفض مطالب عدد من الدول الأخرى التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي بعد انهياره, أو الدول التي كانت تدور في فلكه, وهي دول أوروبية غربية بحكم الموقع الجغرافي, ومع ذلك تم رفض طلباتها حتى لا تزدحم المجموعة, وتفقد بالتالي فرصة تناوب سريع على مقعدها (غير الدائم) في مجلس الأمن. الحرب الإعلامية الصهيونية التي تهدف إلى الضغط على اسبانيا لتغير موقفها من انضمام إسرائيل إلى المجموعة الأوروبية الغربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تقم بها إسرائيل مباشرة, بل كلفت بها ـ كما هي العادة ـ بعض المنظمات الصهيونية التي تحركها من وراء الستار لتحقيق أغراضها دون الدخول في صراع مباشر حتى لا تفقد في هذا الصراع علاقاتها مع المستهدفين, وكان الدور هذه المرة على اللجنة اليهودية الأمريكية التي تقوم بالأعمال القذرة نيابة عن إسرائيل, التي يمكن للكيان الصهيوني أن يتبرأ منها إذا ما كانت النتيجة سلبية, ويستفيد منها لو كانت النتيجة إيجابية. بدأت الحملة كالعادة بدعوة ممثلي الصحافة الاسبانية لدى الأمم المتحدة للقاء ممثل للجنة اليهودية الأمريكية من اجل التعارف, ولكن جلسة التعارف تحولت إلى تأنيب يشبه التهديد, لأنه في رأي ممثل يهود أمريكا أن (وسائل الإعلام الاسبانية لم تقم بواجبها للتعريف بالموقف الاسباني من هذه القضية داخليا) , وهو ما يعتبره اليهود (أمرا خطيرا) , لأنه ـ في رأيهم ـ ينتهك (حق المواطن الاسباني في حرية الحصول على المعلومات) (؟!), دون أن يشير الممثل اليهودي بالطبع إلى أن حق نشر المعلومات خاضع لما تراه وسائل الإعلام الوطنية نفسها, دون وصاية من أحد, وأن مثل هذا الطلب يعتبر ضد حرية التعبير التي يتباكون عليها. بل ترى اللجنة اليهودية الأمريكية, من خلال تصريحات ممثلها (ديفيد هاريس) أن من حقها أن توجه اللوم إلى اسبانيا عبر وسائل إعلامها الوطنية, وان هذا الحق يخوله لها العلاقات الدبلوماسية التي تربط ما بين اسبانيا وإسرائيل, دون أن يشير ممثل اللجنة بالطبع إلى أن لكل دولة مصالحها التي تتخذ بشأنها المواقف التي ترى أنها تتفق مع تلك المصالح, ولا تخرج عن نطاق مبادئها التي تقوم على أساسها علا قاتها الخارجية. وتقدم ممثل اللجنة اليهودية الأمريكية بالطلب نفسه إلى ممثل اسبانيا لدى الأمم المتحدة, مما يعتبر خروجا على الأعراف والتقاليد الدولية, لأن من يريد أن يثير قضية تهم بلدين على المستوى الرسمي عليه أن يثير تلك القضية من خلال القنوات الدبلوماسية الشرعية, وليس من خلال الضغط الإعلامي الذي يعتبر عملا استفزازيا, وهو ما عبر عنه ممثل اسبانيا لدى الأمم المتحدة السيد (انوثونثيو أرياس) , الذي أكد أن هذا الموقف من جانب ممثل اللجنة اليهودية الأمريكية يدعو إلى الدهشة, لأنه من غير المقبول (أن يقوم أحد بتشويه موقف اسبانيا في الوقت الذي لا تزال فيه القضية المطروحة قيد البحث) , إضافة إلى الافتراء على الموقف الاسباني لأن هذا الموقف ليس موقف الحكومة الاسبانية وحدها, بل (يساندها في ذلك معظم الدول الأوروبية الغربية وإن لم تعلن هذا الموقف بوضوح) . من ناحية أخرى فان الأمم المتحدة كمنظمة دولية لا تحبذ انضمام إسرائيل إلى المجموعة الأوروبية الغربية في الجمعية العامة, طبقا لما ذكرته مصادر رسمية بالأمم المتحدة, أن هذا الانضمام سوف يفتح الباب أمام مطالبة دول أخرى بالسماح لها بالانضمام إلى مجموعات إقليمية لا تنتمي إليها جغرافيا, ويضربون مثالا على ذلك دولة لتوانيا السوفييتية السابقة التي تطالب أيضا بالانضمام إلى المجموعة الأوروبية الغربية بدلا من الانضمام إلى مجموعة أوروبا الشرقية التي كانت تنتمي إليها بحكم انتمائها لمجموعة الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق, وترى تلك المصادر أيضا أن محاولة انضمام إسرائيل إلى مجموعة أوروبا الغربية يعود بالدرجة الأولى إلى القوة السياسية التي تتمتع بها هذه المجموعة في الأمم المتحدة, لكن ضم دولة مثل إسرائيل قد يدفع معظم دول أوروبا الشرقية إلى أن تطالب بالشيء نفسه, بل سترى أنها أحق بذلك من إسرائيل التي تقع في قارة آسيا.يرى المراقبون السياسيون أيضا أن موقف اسبانيا من رفض انضمام إسرائيل إلى المجموعة الأوروبية الغربية صحيح وله مبرراته الواقعية, إضافة إلى مبرراته التي ترتبط بالمصلحة الوطنية, ويطالب هؤلاء المراقبون إسرائيل بان تبذل جهدا أكبر من اجل تسوية أوضاعها في إطار المجموعة الآسيوية, التي ترفضها بسبب سيطرة المجموعة العربية, بدلا من بحثها الانضمام إلى مجموعة لا تنتمي إليها جغرافيا, ويرى هؤلاء المراقبون أن إصرار إسرائيل على الانضمام إلى المجموعة الأوروبية الغربية يعكس بالدرجة الأولى رؤيتها المعادية للدول المحيطة بها جغرافيا, ويشكك في قدرتها على إقامة علاقات متوازنة مع جيرانها على أساس الندية والعدل. هذه ليست المرة الأولى التي تمارس فيها إسرائيل الإرهاب الإعلامي ضد اسبانيا, بل استخدمته من قبل ضد الجنرال فرانكو الذي اعتبرته معاديا للسامية بسبب علاقاته القديمة مع هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية, ولم يتوقف الإرهاب الإعلامي الإسرائيلي ضد اسبانيا في عهد فرانكو على الرغم من أن حكومته منحت كل يهودي يعلن أنه من أصول (سفاردية) جواز سفر اسباني يمكنه من دخول اسبانيا أو السفر إلى إسرائيل, ومن خلال استخدام جوازات السفر الاسبانية استطاعت إسرائيل ترحيل الآلاف من يهود أوروبا الشرقية إلى إسرائيل, ليحتلوا مزيدا من الأراضي العربية, ويقيمون المزيد من المستعمرات في الأراضي العربية المحتلة بعد ,1967 أي استفادت إسرائيل من جوازات السفر الاسبانية التي منحها لها نظام الجنرال فرانكو لتكريس احتلالها للأراضي العربية. لم يتوقف الإرهاب الإعلامي الصهيوني ضد اسبانيا بعد رحيل الجنرال فرانكو وإقامة النظام الديمقراطي, لأن إسرائيل اعتبرت أن أول رئيس وزراء ديمقراطي في اسبانيا (أدولوفو سواريث) معاديا لإسرائيل, لأنه اعترف بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني, وأعلن أن بلاده لن تعترف بإسرائيل كدولة إلا بعد قيام دولة فلسطينية ليكون الاعتراف مزدوجا وفي وقت واحد, وهذه الفكرة ظلت قائمة حتى بعد أن فاز الاشتراكيون, أصدقاء إسرائيل, بالحكم عام 1982. كان يمكن لهذا الوضع أن يستمر, لكن رغبة اسبانيا في الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة جعلها تخضع للابتزاز الإعلامي الصهيوني مجددا, حيث استطاعت إسرائيل عبر ممارسة (الإرهاب الإعلامي) أيضا, أن تفرض على حكومات دول السوق الأوروبية المشتركة أن يكون شرط انضمام اسبانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة إعلانها الاعتراف بإسرائيل كدولة, لأنه من غير المقبول أن تكون هناك دولة عضو في السوق الأوروبية ليست لها علاقة بإسرائيل, التي تتمتع بعلاقات خاصة بالدول الأعضاء في السوق. في إطار تلك الحملة الإعلامية قررت إسرائيل إهانة اسبانيا حتى بعد تنازلها عن شرط قيام دولة فلسطينية وقبولها الاعتراف بإسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية, فقد حدث أثناء إعلان اسبانيا اعترافها بإسرائيل أن استمرت حملة الإهانة الإعلامية الصهيونية ضد اسبانيا, بإعلان إسرائيل أن الاعتراف بها من جانب اسبانيا ليس حقيقيا, ولكن الواقع أن إسرائيل هي التي قبلت الاعتراف بأسبانيا, حيث زعمت إسرائيل أنها رفضت الاعتراف بنظام الجنرال فرانكو وليس العكس(!). أيضا قادت إسرائيل حملة إرهابية إعلامية ضد اسبانيا لتجبرها على المشاركة في دفع تعويضات لليهود في القضية التي أطلقوا عليها اسم (ذهب النازي) , على الرغم من عدم ثبوت أية أدلة ضد اسبانيا في هذه القضية, واللجنة التي برأت اسبانيا كانت تحت رئاسة وزير العدل الاسباني السابق اليهودي الأصل (انريكي موخيكا) , ومع ذلك لم تهدأ تلك الحملة إلا بعد أن أعلنت حكومة خوسيه ماريا أزنار اليمينية أنها ستدفع لضحايا النازي مبلغا من المال على سبيل التعويض. ربما كانت الحملة الجديدة ليس الهدف منها إجبار اسبانيا على تغيير موقفها من انضمام إسرائيل إلى المجموعة الأوروبية الغربية في الأمم المتحدة, بل ربما يكون هدفها أبعد من ذلك, لأن اليهودي عندما يفلس يبحث في دفاتره القديمة. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا