من ظواهر هذا العصر الاستغلال السياسي للقضايا الانسانية. وأبشع منه الاستغلال التجاري. وأحدث الانباء في هذا الصدد انعقاد (برلمان عالمي للأطفال) . في العاصمة التايلاندية بانكوك انعقد (البرلمان) الاسبوع المنصرم بمشاركة 46 صبيا وصبية تتراوح اعمارهم بين 12 و15 سنة ويمثلون 36 بلدا من اجل (التوصل الى التخفيف من أعباء ملايين القصر من ضحايا الفقر والعمل الاجباري والبغاء في بلدان آسيا) . وانتهى البرلمان الى توصيات لحل المشاكل التي تواجه الاطفال الاسيويين ليبعث بها الى الحكومات والامم المتحدة ووسائل الاعلام العالمية) . والسؤال الاكبر الذي يطرح هو: من يقف وراء هذا المشروع؟ من صاحب الفكرة؟ ومن صاحب التمويل؟ ربما يتراءى لك من خلال مطالعة اخبار هذا الحدث العظيم ان الجهة التي تتبناه لا يمكن الا ان تكون احدى وكالات الامم المتحدة المتخصصة في الشئون الانسانية مثل (اليونسيف) او أية منظمة اقليمية او عالمية ذات اجندة اخلاقية. لكن الجهة صاحبة الفكرة تصورا وتنفيذا وصاحبة التمويل هي في الحقيقة مجموعة شركات غربية متعددة الجنسيات تقودها شركة يملكها رجل اعمال فنلندي يدعى (يركى ارولينا) . وفي خطابه الافتتاحي لبرلمان (الاطفال) (الذي يعقد دوريا كل اربع سنوات) قال ارولينا ان الهدف من البرلمان هو (اتاحة الفرصة للصبية الذين يأتون من اوساط محرومة في معظم الاحيان والمستبعدين من المناقشات السياسية والاقتصادية) . وهذا تدليس فاضح. فالغرض من مشروع (برلمان الاطفال العالمي) تجاري صرف. وبهذه الصفة غير المعلنة فانه ينتمي الى ظاهرة المؤتمرات والتجمعات الاقليمية والدولية التي تعقد باسم قضايا اكاديمية او انسانية لكنها في الحقيقة تنطوي على أهداف خفية تتصل بالشأن التجاري فتكون بذلك من قبيل الاعلان او الاعلان المضاد. ان الشركات الغربية التي ابتدعت فكرة برلمان الاطفال الاسيويين ليسلط الضوء على قضية تشغيل الاطفال في المصانع.. وهي ظاهرة تقليدية في بلدان اسيوية مثل تايلاند والهند والصين وهونج كونج واندونيسيا.. ظلت مشتبكة في تنافس تجاري شرس مع الشركات الاسيوية التي تنتج سلعا استهلاكية مماثلة. والمعلوم ان كفة المنافسة ترجح لصالح الشركات الاسيوية لان منتجاتها السلعية تعرض في الاسواق العالمية بأسعار ارخص. ومعلوم ايضا ان السبب الرئيسي هو انخفاض تكلفة الانتاج وانخفاض تكلفة الانتاج يرجع بدوره الى انخفاض كلفة العمالة لان الصبية يشكلون عمالة ارخص بالنظر الى تدني اجورهم. فكرة برلمان الاطفال هي اذن سلاح جديد تشهره شركات الانتاج السلعي الغربية في حربها السعرية الضارية ضد الشركات الاسيوية النظيرة فمن الواضح ان (رسالة) البرلمان هي استقطاب الحد الاقصى من الانتباه العالمي الى قضية تشغيل الاطفال في الصناعات الاسيوية بهدف تأليب الرأي العام العالمي ضدها واستنفار المنظمات الانسانية العالمية لتناول القضية من اجل ممارسة ضغوط على الحكومات الاسيوية. ان حرب التنافس السعري ليست شيئا معيباً في حد ذاته لكن لجوء الشركات الغربية الى استغلال قضية انسانية بدوافع الربح التجاري للشركات الاسيوية انما هو نوع من (الضرب تحت الحزام) . والمؤسف ان هذا الاستغلال البشع ليس الوحيد من نوعه. في كتابه (صانعو التطلعات) يكشف لنا الصحفي البريطاني ايريك كلارك ما لا يكاد يحصى من ألوان الاستغلال: مؤتمرات عالمية تعقد باسم (تنظيم الاسرة) او (الانفجار السكاني) من ترتيب شركات تصنيع منتجات منع الحمل.. وبحوث علمية يجند لها علماء مشهود لهم يتم تمويلها بواسطة شركات لسلع غذائية (لتثبت) ان عنصرا غذائيا معينا لا يمنع الاصابة بالسرطان) .. وهكذا.. ان فكرة (برلمان الاطفال) قد تكون مبتكرة لكنها قطعا ليست محترمة.