حين تكون هناك خطة تربوية شاملة, تدعمها جهود مادية وتأييد ودعم من اولي الامر, سيكون تأثيرها قوياً يتعدى الجيل الواحد, فان استثمار حفنة من المال ليكون تأثيرا حضارياً يمتد الى اجيال ويضرب في عمق الزمن ورحابة المكان لهو الاستثمار الحقيقي . لعل هذه الثمار هي من ابرز الثمار اليانعة التي سيجنيها الميدان التربوي من جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للاداء التعليمي المتميز... التي اكدت بكل وضوح ان طبيعة العطاء عند المعلم يجب ان يقابلها نظرة وفاء من المجتمع.. لان النظرة الى تقدير المعلم ورفع مكانته المادية والمعنوية نابعة من تقدير الدور الحيوي الذي يقوم به في المجتمع, واعداد اجيال الامة لغد ناصع. وتأكيدا لهذا الاهتمام وذلك الادراك جاء انطلاق جائزة حمدان للاداء التعليمي المتميز. ومما زاد من استبشار المعلمين وأدى الى انفراج اساريرهم ما اعلن عنه سمو الشيخ حمدان في حفل تكريم المتميزين من تخصيص 5 جوائز اضافية للمعلمين قيمة كل جائزة 50 الف درهم, في السنوات المقبلة. فهذه المكرمة جاءت لتكون واسطة العقد الجميل الذي يطوق به اصحاب السمو حكام الامارات ابناؤهم المعلمين والمتعلمين ليكون ذلك دافعا لهم لبذل المزيد فلكل مجتهد نصيب. وقبل ذلك ليعلم الجميع ان المعلمين ينالون التقدير والاحترام المناسب, واشعار بمكانتهم ودورهم فوق ربى دولتنا المعطاءة, لان الرغبة في الأهمية كما يقول جون ديوي هي أعمق حافز في الطبيعة الانسانية. والذين شرحوا هذه القاعدة قالوا (ان اقسى شيء على الانسان ان يشعر بالتهميش وعدم الأهمية, لذا فمن لا يشعر الاخرين بأهميته فانه يصعب عليه ان يصل الى قلوبهم, ان اشعار الاخرين بأهميتهم يكون عن طريق التأكيد على علمهم وتفكيرهم او ارائهم او حكمتهم او ذوقهم او اي صفة من صفاتهم او سلوك من سلوكياتهم) . لذلك فان جائزة حمدان قد اتت لتحقيق كل تلك الاهداف بل اكثر من ذلك, انها جاءت لتستفز الهمم في النفوس الخامدة, وتقدح الشرارة في العزائم الخائرة, كما تكافئ اصحاب العزائم القوية وتشد من ازر الطاقات المتوثبة.. وبين هذا وذلك تبعث الروح المتقدة في الذين اكلت سنوات التعليم زهرة شبابهم, وتشحذ همم المحبطين, وترد تأويلات المثبطين الى جادة الحق والصواب.. وتمسح العرق عن جبين المتعبين.. فهناك معلمون ومعلمات يملكون حماسا غير معهود, وهناك موجهون لا يهدأ لهم بال حتى يستزيدوا من المعرفة وينشروها بين اخوانهم المعلمين وابنائهم الطلبة. وتلك ربة بيت تحرص كل الحرص على تعليم ابنائها واعدادهم ليكونوا طليعة يعتمد عليهم مجتمعهم ودولتهم. كما ان هناك كبار السن الذين تجاوزهم قطار العلم والتعلم ومع ذلك يصرون على تلقي العلم بشوق ورغبة عارمة .. ليلقوا عن كاهلهم الامية وآفاتها وهناك اكثر من ذلك. ولأجل هؤلاء وغيرهم انشئت جائزة حمدان التي احتفلت مؤخرا بكوكبة اخرى من المعلمين والمتعلمين في دورتها الثانية, حيث استطاعت هذه الجائزة ان تثير جوا من التنافس الشريف في ساحات المعلم والمعرفة, وان توجه العاملين في الميدان التربوي للبحث والاستزادة, وان تفجر الطاقات الذاتية لدى المتعلمين. ومن وحي جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز يبرز العديد من التساؤلات والاقتراحات اجملها في نقطتين الاولى: كيف السبيل لرعاية المواهب الواعدة والطاقات المتميزة من ابنائنا الطلاب وزملائنا المعلمين والمعلمات؟ فكلنا يدرك ان التميز كنز فكيف نحافظ عليه؟ والاجابة على هذا السؤال جد مهمة خاصة ونحن نرى ان الموهوبين في مدارسنا ـ للاسف الشديد ـ طاقات معطلة, لاتحظى بالرعاية والاهتمام المناسب, ولم توضع لها البرامج العملية الفعلية التي تعمل على تنمية واثراء مخزوناتهم الفكرية, بخلاف مانراه لدى الآخرين .. حيث يعملون على الاهتمام بهذه الفئة والشريحة الاجتماعية ... بل يعملون على جذب كفاءات الآخرين اليها, لذلك فان من الكلمات التي القيت في حفل تكريم العالم المصري الاصل. الامريكي الجنسية (شكرا لك انك بقيت عندنا) ولعل هذا التكريم هو الذي جعل الموهوبين والمتميزين يهاجروا الى الغرب ويحدثوا فراغا رهيبا في بلدانهم بما فيها البلاد العربية, حتى اشارت الاحصائيات الى ان 75% من كفاءات العالم العربي تتواجد في امريكا وبريطانيا وكندا, كما ذكرت بعض الاحصائيات الاخرى ان الكفاءات العربية في امريكا وحدها تصل الى 50% من الاطباء و 23% من المهندسين و 15% من الفيزيائيين. وبذلك اصبحت هذه المهارات تشكل مساحة كبيرة في آلية التقدم العلمي والتقني في الغرب. فالحفاظ على هذه الطاقات المبعثرة ورعاية تلك المواهب الواعدة ضرورة وطنية .. ولذلك اعجبني جدا ماطرحه بعض الكتاب من اهمية قيام مؤسسة تعنى بالموهوبين والمتميزين يكون لها دور بنائي يقي المجتمع مستقبلا من نزوح وهجرة عقول ابنائنا المبدعة .. وجائزة حمدان أرى انها جديرة بهذا الشأن. ثم انني التفت الى الميدان التربوي لأسأله: وماذا بعد الجائزة؟ اننا بكل صراحة نريد من الميدان التربوي ان يتحمل عدة تبعات لكي يوفي الجائزة حقها, ومن حق الجائزة بعد اليوم ان يكون هناك: ـ معلم امين على هذه المهنة مع نفسه وتلاميذه, يستزيد علما واطلاعا كل يوم ويفرغ هذا الثراء في نفوس تلاميذه ليكون لهم قدوة حسنة في طلب العلم. ـ طالب صادق مع نفسه يعرف واجباته قبل حقوقه. وأولى واجباته ان يعد نفسه ليرفع هامات الوطن فوق القرى ويعلي من شأنه بين الأمم. ـ اولياء امور يرعون ابناءهم في البيت وفي المدرسة يؤدون حق الله و الوطن, ويدركون ان ذلك امانة عظيمة. ـ ادارة مدرسية واعية ومتفهمة تخدم المعلم والطالب وولي الامر وتجمع بينهم على خير. ويحققون ما دعا اليه الغزالي رحمه الله في قوله (يستحيل ان تحرز هذه الاجيال الغفيرة من البشر سهما من نجاح في الدنيا أو فلاح في الأخرة الا اذا تغير اسلوبها في الحياة, وامحت من ربوعها آثار البطالة والفراغ) . ولكل الحاربين على العملية التربوية نذكرهم بما يزخر به تراثنا التربوي من محفزات على التميز والتفوق, و من ذلك ما ذكره الامام ابن الجوزي في (صيد الخواطر) ان من اعمل فكره الصافي دله على طلب اشرف المقامات, ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال.. فينبغي للعاقل ان ينتهي الى غاية ما يمكنه, فلو كان يتصور الآدمي صعود السموات لرأيت من اقبح النقائص رضاه بالارض, ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض, غير انه اذا لم يكن ذلك فينبغي ان يطلب الممكن والسيرة الجميلة عند الحكماء وخروج النفس الى غاية كمالها الممكن في العلم والعمل. وهذا لا يكون الا من خلال التزام شخصي في جميع الظروف, لذلك يذكر باتريك تونسيند في كتابه (كيف تحقق الجودة) ان من شروط ظهور القادة (هو ان يعرف المستخدمون ما يؤمل منهم تحقيقه, و يطمئنوا الى ان المؤسسة تعنى بهم, وان يمتلكوا المصادر التي تعينهم في اداء واجباتهم, والسلطة التي تخلولهم القيام بذلك) . ويضرب مثالا على ذلك ان الانسان الواثق من نفسه يقاوم تلك الظروف حتى يعطي النموذج المتقدم على صدق احساسه ورباطة جأشه (اهتزت البناية وتمايلت حين وقعت الهزة الارضية التي ضربت سان فرانسيسكو عام 1989, غير ان ساعي بريد مؤسسة فيدرال اكسبريس موريس جاينت استمر يفحص كل رزمة بدقة ليهبط بها, بعد ذلك عبر تسعة ادوار من السلالم وسط الحجارة المتطايرة والشظايا الى شاحنته التي كانت في الانتظار خارج البناية ولينطلق بها الى المطار ليحلق بالطائرة التي ستحمل تلك الرزم) . ذلك هو مثل رائع على الالتزام الشخصي. والميدان التربوي احوج ما يكون الى هذه النماذج المضحية. موجه خدمة اجتماعية ـ عجمان e-mail:almedaf@emirates.net.ae