لقد حددنا في الحلقة الاولى مقومات الاقتصاد الوطني لدولة الامارات العربية والتي من خلالها يمكن للاقتصاد العبور الى الالفية الثالثة, ولكن حتى يتم هذا فانه يجب ان ندرك بان ذلك مرهون بفهمنا الدقيق لطبيعة المتغيرات الاقتصادية التي سوف تشهدها المرحلة المقبلة , ثم توظيف تلك المقومات وفق آليات معينة وسياسات مدروسة, بغية تذليل المعوقات التي تواجه اقتصادنا في وقتنا الحالي, ثم مواجهة التحديات التي سوف تواجه اقتصاديات العالم الثالث ومنها اقتصاد الامارات, والتي بدأت بوادرها تظهر على الساحة الاقتصادية العالمية. وحتى يتسنى لنا تجاوز تلك المعوقات والاستعداد لمرحلة التحديات, فانه يجدر بنا ان نشخص واقعنا الاقتصادي بحيث يتسم هذا التشخيص بدرجة عالية من الشفافية والامانة العلمية, ثم قراءة دقيقة وموضوعية لمتطلبات مرحلة الالفية الثالثة نصل بعد ذلك الى اقتصاد ويتصف بالعافية والقوة للدخول الى مرحلة جديدة سوف تشهد الكثير من المتغيرات الكبيرة. وهنا نحاول ان نبدأ بتشخيص مكونات الاقتصاد الوطني واوجه الخلل والضعف وطبيعة المعوقات, والسياسات الاصلاحية التي يمكن من خلالها معالجة تلك الاختلالات. هيمنة النفط يعرض الاقتصاديون الناتج المحلي الاجمالي بانه (مجموع السلع والخدمات التي ينتجها المجتمع خلال فترة زمنية معينة سنة) , ويعتبر المؤشر الحقيقي لمدى قوة او ضعف الاداء الاقتصادي وحينما نعمد الى قراءة الناتج المحلي الاجمالي للامارات العربية لنؤكد على حقيقة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني من خلال هذا المقياس, يتضح لنا ان القطاع النفطي مازال المهيمن على مختلف مكونات وقطاعات الاقتصاد الوطني في الدولة, سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة. وحتى ندلل على ذلك فاننا نشير الى ان الناتج المحلي الاجمالي مازال يؤكد على حقيقة هيمنة القطاع النفطي على الاقتصاد الوطني, ومازال اقتصاد الامارات يتصف بانه اقتصاد ريعي يعتمد على النفط في صورته الاولية حيث يتم استخراجه وتصديره كنفط خام ومازالت القطاعات الاقتصادية الاخرى غير النفطية تتأثر تأثرا حادا باية تغيرات في اسعار النفط الخام, فحينما ترتفع اسعار النفط الخام في السوق العالمية فان الناتج المحلي الاجمالي يسجل ارتفاعا وذلك عندما يتم توجيه العائدات المالية في خدمة القطاعات الانتاجية الاخرى (غير النفطية) كما حدث خلال الفترة 1974 ـ 1980 والتي شهدت ارتفاعا في اسعار النفط بسبب زيادة الطلب على النفط الخام في السوق العالمية, حيث انعكس ذلك على نمو مساهمة القطاعات الاقتصادية الاخرى في الناتج المحلي الاجمالي. وحينما سجلت اسعار النفط تراجعا حادا منذ 1982 ليصل ذروته في عام 1986, شهد الاقتصاد الوطني من خلال قطاعاته الاقتصادية ركودا واضحا بل حتى الرواتب والاجور قد تأثرت بشكل كبير !! ومما ساهم في تفاقم المشكلة آنذاك استمرار الحرب العراقية الايرانية التي انعكست وبشكل واضح على مجملات اقتصاديات الخليج وتحملت الاقتصاديات هذه عبئا كبيرا سواء في الانفاق او تراجع الصادرات النفطية !! حينها تأكد ان اقتصاد الامارات كبقية اقتصاديات الخليج يعاني من اختلالات هيكلية لم تدفع بعد الدول الخليجية الى وضع سياسة لتصحيح تلك الاختلالات !! حيث ادت تلك التطورات الى انخفاض الناتج المحلي الاجمالي في الامارات اسوة بباقي دول الخليج فيما شهدت الفترة من عام 1987 وحتى عام 1997 تطورات متباينة انعكست على اسعار النفط وبالتالي الصادرات النفطية ثم على الناتج المحلي الاجمالي ادت الى ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي باستثناء عام 1988 حيث شهد تراجعا واضحا في اسعار النفط الخام بشكل حاد بينما في السنوات الاخرى فقد شهد الناتج تحسنا مستمرا بسبب انتهاء الحرب العراقية الايرانية ثم غزو القوات العراقية للكويت في عام 1991 وقد انعكس تحسن الاسعار على النفط الخام زيادة في مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الاجمالي. اما الازمة النفطية الاخيرة والتي حدثت خلال عام 1998 واستمرت حتى الربع الاول من عام 1999 فقد تركت انعكاسات كبيرة على مجملات الاقتصاد الوطني بالرغم من المرونة التي يتسم بها الاقتصاد فقد كان لتراجع أسعار النفط بصورة حادة خلال تلك الفترة وانخفاض القيمة المضافة لقطاع النفط الخام الاثر السلبي في انخفاض الناتج المحلي الاجمالي ليسجل في عام 1998 نحو 170.0 مليار درهم وبنسبة 5.8 في المئة قياسا بعام 1997 حيث بلغ نحو 180.6 مليار درهم. الانعكاسات الاقتصادية ان التطورات المتباينة في اسعار النفط الخام تنعكس بشكل مباشر علي مختلف المتغيرات الاقتصادية في الامارات العربية المتحدة وذلك كما اشرنا, الامر الذي يعني ان هناك خللا واضحا في القاعدة الانتاجية في الاقتصاد الوطني, كما تأكد لنا بان النفط مازال يشكل اهمية كبيرة في اقتصاد الدولة, وهو الذي يقود مختلف القطاعات الاقتصادية المكونة للناتج المحلي الاجمالي, وان اي تغير في اسعاره ينعكس مباشرة على مختلف تلك القطاعات كما ان مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الاجمالي مرهونة بالتطورات التي تستجد في النفط الخام من حيث الصادرات او الاسعار, فالنفط مازال يشكل اهمية كبيرة في الصادرات السلعية للامارات وذلك في ميزانها التجاري وتتأثر الحسابات الخارجية تبعا لذلك فالنفط يشكل ثلاثة ارباع الصادرات السلعية للامارات, لعل مايؤكد ذلك هو ان تدني اسعار النفط في عام 1998 وانخفاضها بنسبة 27.3 في المئة ومع زيادة الواردات في نفس العام ادى ذلك الى انخفاض في فائض الميزان التجاري للامارات بنسبة 57.5 في المئة وهذا الانخفاض في فائض الميزان التجاري انعكس بشكل مباشر على الحساب الجاري بميزان المدفوعات الذي سجل تراجعا بنسبة 71.7 في المئة. من ناحية اخرى فان الانخفاض في صادرات النفط الخام للدولة لا ينعكس على قيمة الصادرات النفطية فحسب وانما يؤدي الى انخفاض في صادرات الدولة من الغاز المسيل وكذلك المشتقات البترولية لارتباط اسعار البترول باسعار الغاز المسيل واسعار المنتجات البترولية التي تمثل الجزء الاكبر من ناتج ذلك القطاع. ان التغيرات التي تحدث في قطاع النفط وحجم صادرات الدولة من النفط الخام لاتؤثر على الحسابات الخارجية فحسب وانما الاثر يكون كبيرا على الايرادات العامة للدولة والانفاق الحكومي ويكفي للتدليل على ذلك ان الحكومة قد قلصت نفقاتها في السنوات الاخيرة واتجهت نحو فرض رسوم على الخدمات التي تقدمها لتغطية النقص في الايرادات النفطية كما ان القطاعات الاخرى كالقطاع المصرفي وقطاع الخدمات, والتشييد تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالتغيرات التي تحدث في اسعار النفط وبالتالي الايرادات الحكومية وحجم الانفاق الحكومي. ان نظرة موضوعية الى مكونات الناتج المحلي الاجمالي حسب القطاعات الاقتصادية تؤكد على حقيقة القاعدة الانتاجية في الاقتصاد الوطني واعتمادها على النفط كمحرك رئيسي لمساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي حيث مازالت مساهمة القطاعات الانتاجية في الناتج المحلي الاجمالي ضعيفة ومحدودة جدا حيث لم تتجاوز مساهمة قطاع الزراعة والثروة السمكية والحيوانية 5.8 ملايين درهم لعام 1998 من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي البالغ قيمته بالاسعار الخارجية نحو 170 مليون درهم وذلك مقارنة بنحو 5.5 مليون درهم في عام 1997 من قيمة الناتج البالغة 180.6 مليون درهم. فيما جاء قطاع تجارة الجملة والتجزئة وخدمات الاصلاح في المرتبة الثانية حيث بلغت قيمة مساهمته 20.5 مليونا عام 1998 مقابل 19.5 مليون درهم في 1997 ثم يأتي قطاع منتجي الخدمات الحكومية حيث بلغت قيمة مساهمته 19.7 مليون درهم في عام 1998 مقابل 18.6 مليون درهم في عام 1997 وبلغت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي 11.6 في المئة في عام 1998 ويعزى ذلك الى التوسع في الخدمات التعليمية والصحية فيما جاء قطاع العقارات في المرتبة الرابعة وبنسبة 5 في المئة. القاعدة الانتاجية من خلال تحليلنا لواقع مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الاجمالي, يتضح مدى هيمنة القطاع النفطي على القطاعات الاخرى المكونة للناتج المحلي الاجمالي, وهذا مايرد على التصريحات والتقارير بان اقتصادنا الوطني اصبحت مساهمة القطاعات غير النفطية بنسبة اكبر من القطاع النفطي, حيث ان حقيقة الامر ان القطاعات الاخرى هي في الواقع قطاعات خدمية لاتحقق التنمية الاقتصادية التي يجب ان تحققها الدولة, حيث ان القطاعات الحقيقية كالزراعة والصناعة وهما القطاعان الاهم لايساهمان الا بنسبة بسيطة في الاقتصاد الوطني فيما يساهم القطاع النفطي في جانبه التصديري المساهمة الاكبر فيما ترتبط القطاعات الاخرى الخدمية بالتطورات التي تستجد في اسعار النفط الخام, اذ تتأثر هذه القطاعات تأثرا مباشرا بتطورات الاسعار في قطاع النفط, وهذا مايجعلنا نتأكد بان هذه القطاعات لاتساهم فعليا في الاقتصاد الوطني من خلال مساهمتها في الناتج المحلي وهذه القطاعات لن تحقق الاستقرار الاقتصادي الذي يمكن ان تعتمد عليه الدولة في استمرار النمو الاقتصادي وان الركود الاقتصادي الذي اصاب الاقتصاد الوطني خلال السنتين الماضيتين حدث قبل بداية تراجع اسعار النفط بسبب تراجع القطاعات الخدمية ومساهمتها في الاقتصاد الوطني ثم جاءت ازمة النفط لتؤكد حقيقة الضعف الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني وحقيقة ارتباطه بالتطورات في اسعار النفط الخام بل لانبالغ بان التوسع غير المدروس في القطاعات الخدمية ولاسيما قطاع الخدمات والعقارات والقطاع التجاري قد ادى هذا التوسع الى وجود فائض كبير يزيد عن القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني مما انعكس ذلك على الناتج المحلي الاجمالي وحدوث ركود اقتصادي بالدولة. اهمية التنويع. في ضوء التطورات التي مر فيها الاقتصاد الوطني خلال العقدين الماضيين وذلك من خلال الناتج المحلي الاجمالي كمؤشر على الاداء الاقتصادي, وفيما اذا كان هناك توجه حقيقي لدى الوزارات والمؤسسات المعنية لتسجيل حضور في هذا القرن (الجديد) فانه حري بنا التفكير جديا والتوجه فعلياً نحو بناء قاعدة انتاجية لتنويع مصادر الدخل وذلك حماية للاقتصاد الوطني من اية اضطرابات او هزات قد تؤثر على سمعة الدولة في العالم, حيث ان الاضطرابات الشديدة التي حدثت في اسعار النفط خلال العامين الماضيين قد اثرت بشكل واضح على مقدمات النمو في الناتج المحلي الاجمالي, وعلى الاداء الاقتصادي للدولة, لابد من الاتجاه نحو الاعتماد على قطاعات تؤمن الاستقرار الاقتصادي للدولة وعدم جعل اقتصادنا الوطني مرهونا بالتطورات التي تستجد في الاسواق العالمية للنفط, او ترك قرار النفط لدى الدول المستوردة له لابد ان ندرك اهمية وجود قاعدة انتاجية في الاقتصاد الوطني تعتمد على القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي ويتم ذلك من خلال الاهتمام بالزراعة وتنمية هذا القطاع بعد اجراء سياسات اصلاحية في هيكل الانتاج الزراعي ومن خلال الحد من الاستهلاك العشوائي للمياه في الاستهلاك اليومي, ومن خلال اعتماد اساليب مختلفة لتنمية قطاع الزراعة واضافة صناعات تعتمد على الزراعة وعلى المنتجات الزراعية لاسيما في مواسم الشتاء, وعمل مسوحات شاملة على مستوى الدولة لدراسة الامكانيات الزراعية المتاحة, ثم الاهتمام بالقطاع الصناعي وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي من خلال مسوحات للبحث عن الفرص الاستثمارية في القطاع الصناعي على مستوى الدولة, ووضع سياسات كفيلة بوجود صناعات تكون قادرة على المنافسة العالمية, ولعل صناعات الاسمنت والالمنيوم والسيراميك والصناعات التحويلية الاخرى اضافة الى الصناعات البتروكيماوية قد اكدت قدرة الامارات على الاتجاه نحو الصناعة وبناء قاعدة صناعية, كما نأمل ان تكون (السعديات) قاعدة صناعية واعدة في الامارات تصب في خدمة وتعزيز القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني, ولعلنا ونحن نطالب بذلك ان يكون جزءاً من الانتاج الزراعي والصناعي المنتظر بأن يحل محل الانتاج الزراعي والصناعي الذي تستورده الدولة, كما ان الاهتمام بهذين القطاعين الاساسيين يوفر فرصة اساسية امام العناصر المواطنة كي تعمل في هذين القطاعين ثم وجود فرص استثمارية للقطاع الخاص كي يساهم في خدمة الاقتصاد الوطني ويحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة في مواجهة التطورات العالمية, والتحديات الصعبة التي سوف تواجه الاقتصادات الناشئة والصغيرة, كما هو الحال بالنسبة لاقتصادنا الوطني. ومن ناحية اخرى فان الاهتمام بالصناعات الصغيرة والمتوسطة من خلال الدعم المؤقت الذي يمكن ان تقدمه الدولة سواء من خلال الحكومة الاتحادية او الحكومات المحلية فانه سوف يشجع الاعتماد على الذات في هذا القطاع, وسوف يخلق فرصا امام الاستثمارات الصغيرة كي تسهم في خدمة الاقتصاد الوطني. وحتى تسير الدولة في الاتجاه الصحيح نحو بناء قاعدة انتاجية فانه لابد ان تكون هناك اصلاحات اقتصادية وهيكلية اساسية وهذا يتم من خلال استراتيجية تنموية يساهم فيها القطاع الخاص جنباً الى جنب مع القطاع العام وبحيث تكون هذه الاستراتيجية قد وضعت من قبل القطاعين (العام والخاص) بحيث تحدد الاولويات والآليات, ويكون هناك تخطيط طويل المدى واهتمام بتنمية الموارد البشرية المواطنة وتأهيلها. كما يرتبط ذلك بتحسين الكفاءة الادارية لدى الادارات العامة بالقضاء على الفساد الاداري والمالي, والقضاء على الروتين والبيروقراطية التي تعطل مسيرة التنمية وتوفير المعلومات اللازمة وضرورة وجود الشفافية والموضوعية. * كاتب وباحث من الامارات