الجدل, بمعنى كثرة النقاش, ظاهرة انسانية عامة, لا يختص بها شعب من الشعوب دون غيره. وهي تشمل طائفة واسعة من الاراء والقضايا المتنوعة. وبمقدار ما تكون القضية التي يدور حولها الجدل, مهمة وحيوية, بمقدار ما يكون الجدل صاخبا وربما عنيفا ايضا . وسواء كان الميدان هو السياسة او الاجتماع او الشئون العامة, فان طريقة الجدال واسلوبها تظل واحدة. لكن لم يثبت قط ان الجدل قد افضى الى نتيجة عملية, او انه ساعد المتجادلين على الوصول الى الحقيقة او الرأي القاطع بشأن صحة او خطأ هذه القضية او تلك. شخصيا اعتقد ان الجدل عبث محض لا فائدة من ورائه . سيما اذا كان يدور حول مسائل نظرية بحتة, وليس حول قضايا واقعية ملموسة يمكن التأكد منها ومن صحتها بالعودة الى الواقع. والعبثية تتجلى هنا بالذات بسبب طبيعة الانسان نفسه, التي تميل دائما الى التمسك بالرأي والمدافعة عنه بكل قوة, بصرف النظر عما اذا كان صحيحا او خاطئا, وبصرف النظر عما اذا كانت الاراء الاخرى ايضا صحيحة او خاطئة. وهذه الطبيعة يمكن ملاحظتها ببساطة, بين كل اثنين يتناقشان او يتجادلان حول امر ما فكل منهما يحشد من الأدلة العقلية والبراهين المنطقية ما يؤيد وجهة نظره, وكل منهما يسعى بشتى السبل لاقناع الآخر بصواب ما يقول. ولم يحدث او لا يحدث ان ينتهي نقاش ما باستسلام احد الشخصين, او اقتناعه بما يقوله خصمه في الجدال, الا بصورة ظاهرية فقط. لان من يهزم في النقاش لا يستسلم في العادة لهزيمته الا وقتيا, اذ هو ينتظر الفرصة من جديد ليعيد الصاع صاعين, حسب القول الشائع, ومعه يسعى لاعادة الاعتبار الى رأيه وفكرته. وهكذا لو ترك السجال بين الناس, لاستمر الى ما شاء الله. ونعود فنقول بان هذه طبيعة الانسان, اي انسان, لا نستثني منها احدا. انما الاختلاف يكون في الدرجة والمستوى, وحسب اهمية الموضوع او قربه للانسان. فهناك من الناس من يكون النقاش بالنسبة اليهم عادة اثيرة, وسبيلا الى ترقيه الاجتماعي امام الاخرين, ودعم مكانته بينهم. وحرمان شخص مثل هذا من قول رأيه يعادل لديه, الاساءة والانتقاص من قيمته وقدره في نظر الناس. وربما ادت الى اصابته باعراض عصبية,كأن يحاول ايصال رأيه بطرق اخرى, او ربما لجأ الى ذاته ينغلق عليها, يحدثها ويتحدث معها, كأنه لا يزال في جلسة النقاش. لذلك فهو لا يترك فرصة سانحة الا ويرد من خلالها على خصومه في الجدال حتى وان كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل, وحتى اذا كانت الناس تتسلل واحدا بعد الآخر ـ سأما ـ مما يجري. انه لا يدري بان اصراره على الرد والنقاش لن يغير من الامر شيء, فلا الناس سوف تزداد اقتناعا, وهو لن يجبر خصمه على التراجع. فهذا الاخير سوف يرد ايضا بحجج معاكسة وسوف يستميت في سبيل ألا يخرج مغلوبا. الامر الاخر الجدير بالملاحظة, هو ان المتناقشين يؤكدون دائما, بانهم انما يجدون في هذا السبيل, طلبا للحقيقة, ولا شيء سواها. وهذا ادعاء ليس الا. الواقع ان كل شخص من هؤلاء, انما يبحث عما يدعم وجهة نظره, ويساند حججه, ومن ثم يعينه على الانتصار على الاخرين. وهو لا مانع لديه اذا كان ذلك سوف يأتي عن طريق الحقائق, او عن طريق الادعاءات والاكاذيب. المهم ان يخرج هو مزهوا بالانتصار, ويقول للناس, انظروا لقد افحمته, ودحضت آراءه, وسأفعل ذلك في كل مرة يجرؤ فيها على معارضة آرائى. أما الحقيقة المسكينة والمفترى عليها, فانها تبحث عمن يتبناها, كما كانت تفعل دائما منذ قديم الزمان, والارجح انها ستظل كذلك الى ما شاء الله. والواقع ان هذه الطريقة في النقاش انما ورثناها نحن من القدماء, خصوصا المتكلمين والمناطقة. وهؤلاء ورثوها بدورهم عن المنطق الارسطي. وقد كانوا يحلون عن طريقها جميع المشكلات التي تعترضهم. اذ يكفي ان يضعوا مقدمة ما وفروضها ليصلوا الى النتيجة, التي هي بعد ذلك القول الفصل الذي لا شك بعده. متبعين في هذا المثل الاغريقي القديم (كل انسان فان, سقراط انسان, اذن سقراط فان) . وهم يستخدمونه في جميع مناحي حياتهم, من امور المجتمع والدين وحتى صناعة الذهب كيميائيا. وقد وجدت من خلال عملي في الكتابة الصحفية, انه حين اكتب مقالا ينال اعجاب بعض الناس, فانهم يقولون انني موضوعي وانني اقف الى جانبي الحقيقة والانصاف. اما الآخرين الذي لا يعجبهم هذا المقال, فهم يعتبرونني منحازا وغير موضوعي, او انني اتحامل عليهم واتعمد الاساءة اليهم. وانا اعترف هنا بأني لست موضوعيا فيما اكتب. لكني في الوقت نفسه لست متحاملا, ولا اتعمد الاساءة. فانا مثلي مثل سائر البشر, اكتب ما اعتقد انه صحيح من وجهة نظري, واسعى كي احشد ما استطيع من الوقائع والافكار كي ادعم وجهة النظر هذه. قد اوفق في ذلك احيانا وقد لا اوفق, انما الامر برمته لا يخرج عن اطار الاجتهاد في حدود المعرفة المتوفرة والاعتقاد الناشىء. ويحدث ان يستهوي البعض هذا المقال او ذاك, لانه يتطابق مع وجهة نظره او مع رؤيته للامور, بينما لا يستهوي البعض الآخر, لآسباب مناقضة. انما في كل الاحوال, فاني اذ لا ادعي الموضوعية, فاني كذلك لا اعتقد ان هؤلاء او اولئك يمكن ان يكونوا موضوعيين. والسبب ان الموضوعية البحتة, مثلما الحقيقة البحتة, لا يمكن ان توجد لدى شخص واحد او رأي واحد. فكل انسان يرى الحقيقة من وجهة نظره, ويعتبر الموضوعية هي تلك التي تعبر عما يريده ويهواه. فان اتت عكس ذلك فهي لا ريب تزييف للحقيقة وانحياز ضد الموضوعية. وقد يعترف الناس احيانا ببعض الحقائق او يبدون شيئا من الموضوعية, لكنهم اذ يفعلون ذلك, فانما من اجل ان يخفوا حقائق اكبر ويتجنبوا موضوعية اشد. ومن ثم فانه لا يمكن ان يكون هناك انسان موضوعي بالكامل, او انسان يقول الحقيقة دائما مهما كانت, فمثل هذا الانسان ان وجد, لا يمكن ان يكون واقعيا, اي لا يمكن ان يعيش في مجتمع بشري وسط الناس. ان الحكومات او ممثليها على سبيل المثال, يعتبرون كل انتقاد موجه لهم, بأنه تشويه متعمد للحقائق, ودس وتآمر وتضليل.. الخ. بينما يعتبرون الآراء التي تمدهم او تؤيد سياساتهم, بأنها آراء موضوعية ومنصفة وجديرة بالاحترام وهكذا. وبالطبع فانهم لا يمكن ان يكونوا صادقين في الاولى او في الثانية. لكن الحكومات هنا مثلها مثل البشر تتصرف وفق ما يناسب اغراضها ومصالحها. فان جاء شيء من هذا الاخير, فهو مطلوب ومرغوب, ويستحق صاحبه الاشادة والاثابة, اما اذا جاء مخالف لها فانه عدو تنبغي معاقبته وابعاده عن المجتمع كي لا يفسد الاخرين. ومن العبث ان نطلب منها ان تتصرف خلاف ذلك. لاننا ان فعلنا فلن نكون واقعيين, انما اناس حالمين او خياليين على اقل تقدير. ولن نحصد من وراء ذلك سوى كل استهزاء وسخرية وعنت. الواقع ان هذا الامر لا يقتصر على حكومات بعينها, مثلما انه لا يقتصر على بشر معينين, وانما هو يشمل جميع الحكومات وجميع البشر, كثيرا او قليلا. ومشكلة الانسان, بل مشكلة البشرية منذ القدم, وهي كيفية التمييز بين من يقول الحق ومن يقول الباطل. بين من هو الموضوعي ومن هو غير الموضوعي. فالجميع يدعي بأنه لا يفعل سوى ما يميله عليه واجبه الاخلاقي او الديني او السياسي, في قول الحقيقة, كل الحقيقة للناس. والجميع يدعي بأنه ينشد الموضوعية والامانة حين يخاطب الناس, لانه ـ حسب ادعائه ـ يحترم عقولهم واذواقهم. لا يوجد من يقول بأنني اقول نصف الحقيقة او ربعها فقط, لانني لا استطيع ان اقولها كاملة. فان فعلت ذلك تسببت لنفسي بالمتاعب وحصدت ازدراء الناس ونفورهم مني. ولا يوجد من يقول بأن قول الحقيقة كلها للناس, ليس بالضرورة عملا حكيما. لان المطلوب ليس دائما اطلاع الناس على كل شيء. وانما اطلاعهم على ما يناسبهم ويحظى برضاهم وقبولهم وتأييدهم فحسب! فهم بدورهم لا يطلعون احد على حقائق ذواتهم كاملة, لانهم ان فعلوا ذلك, صغروا في عين انفسهم وفي اعين المحيطين بهم. او ربما ادى ذلك الى خسارتهم بعض او كل النفوذ (او السمعة او المكانة.. الخ) الذي يتمتعون به. ونلاحظ انه كلما تطورت الحياة, كلما ازداد الامر تعقيدا. لان ذلك يعني ان قدرات الانسان تتطور بدورها, وتتعدد من ثم اساليبه ووسائله في التمويه والخداع واختلاق الوقائع والمعطيات. وينسب النجاح اليوم لاي جهاز اعلامي, او للدعاية السياسية ان هو تمكن من حشد اكبر عدد من الناس خلف سياسة ما او وجهة نظر معينة. والعكس صحيح, فان الفشل نصيب اي جهاز لا يقدر على اقناع سوى عدد قليل من الاتباع. وهو ما ينطبق كذلك على الاشخاص. فالشخص الناجح في المجتمع هو الذي يجذب اكبر عدد من الناس حوله, ويكسب تأييدهم وتصفيقهم. ليس مهما كيف يفعل ذلك, وانما المهم انه يفعله. اما الشخص الذي ليس لديه اعوان, ولا يسير خلفه مناصرون, فانه يعد فاشلا من الناحية الاجتماعية وربما السياسية ايضا. * كاتب بحريني