مكتبة عتيقة متواضعة في إحدى حارات بونيس ايرس عاصمة الأرجنتين.. البائع العامل في المكتبة كان صبيا في نحو السادسة عشرة من عمره.. ذات يوم دخل المكتبة اثنان من الزبائن.. سيدة عجوز ترافق ابنها الشاب.. أو بالأدق تقود خطاه إلى الطريق فقد كان الشاب مكفوف البصر.. فماذا يطلب الأعمى من محل بيع الكتب؟ كم كانت دهشة العامل الصغير حين وقف الكفيف يطلب شراء كتاب غريب العنوان وهو: (قاموس لغوي انجلو سكسوني . ساعتها لم يملك الغلام البائع إلا أن يطرح السؤال على زبونه المكفوف البصر: عفوا سيدي.. هل ستقرأ هذا الكتاب الضخم؟ ساعتها أيضا بادر الزبون إلى إبرام اتفاق مع الشاب الصغير وكانت أول بنوده عبارة عن سؤال: هل تستطيع أن تزورني في منزلي وتساعدني على قراءة النصوص والكتب التي لم يعد باستطاعتي قراءتها. تاريخ القراءة كان ذلك منذ خمسين عاما.. وقد عاش الصبي وتقدمت به سنوات الكهولة يتجاوز عمره الآن السادسة والخمسين وليحكي تجربته مع القراءة للآخرين, ثم القراءة لحسابه الخاص.. التي ما لبثت أن تحولت إلى هواية شغوف, ومن ثم إلى خبرة متخصصة وليقف مليا مع أول لقاء جمع بينه منذ نصف قرن وبين زبونه الكفيف الذي لم يكن سوى خورخي لويس بورجيس.. الكاتب الأديب الأرجنتيني الذي يعد بحق واحدا من أعلام الأدباء المبدعين في القرن العشرين. اسم العامل الصبي هو البرتو مانجويل وقد بلغ به الشغف بالقراءة كما أسلفنا إلى حد التخصص في هذا الباب ومن ثم أصدر مؤخرا واحدا من أكثر الكتب رواجا ويحمل عنوانا يقول: .. تاريخ القراءة مجلة (فيجا) الأرجنتينية (واسمها في الأسبانية يشير إلى معاني الحث والتحريض) أجرت منذ أشهر قليلة حديثا حول مستقبل الكتاب مع الكاتب مانجويل حيث بدأ بحكاية تجربته قارئا للعملاق المبدع بورجيس الذي رحل عن الحياة عام 1986 وكان وقتها في السابعة والثمانين ثم عن رؤيته المستقبلية ورؤيته لأحوال الكتاب الورقي والنص التقليدي المطبوع مع فاتح هذا القرن الحادي والعشرين. تكلم عن الحرف المطبوع في عصر هيمنة الصورة الإلكترونية فعمد أولا إلى التفريق بين دور الصورة زمان في العصور الوسطى وفي عصر النهضة الأوروبية (الرينيسانس) حين كانت الصورة التي كان يرسمها أنامل الأساتذة والعباقرة الكبار.. من مايكل أنجلو إلى تيسيان ومن روفائيل دافنشي حيث كانت الصورة تبعث على التأمل وتسكن إلى طيوفها وظلالها, ومن ثم إلى معانيها الكامنة مثل الأسرار المقدسة وقد أفعمت بها الخطوط والزوايا والألوان (تأمل مثلا لوحة ابتسامة الجيوكاندا) وبين الصورة الإلكترونية التي بتنا نطالعها على الشاشات الكبيرة والصغيرة في زماننا المعاصر.. إنها عبارة عن قذيفة الكترونية قوامها ملايين, بل مليارات النقاط الضوئية يتم توجيهها وتصويبها ومن ثم إسقاطها على أريم الشاشة كي يتألف منها قوام تصويري عبارة عن ومضات خاطفة لاهثة لا تترك للتأمل مجالا.. فما بالك بصورة الإعلانات المتلفزة وهم يحسبون أمدها بملايين الدولارات.. ثم يبغون من ورائها إلى خطف انتباه المشاهد.. مجرد عملية اختطاف أو توجيه النظر في كسور من الثانية لزوم تقديم لمحات خاطفة بدورها من الرسالة الإعلانية التي لا تكاد تحوي معلومة تفيد ولا بيانات تشفي الغليل.. ثم هناك أسلوب تكرار هذا الخطف من فترة وأخرى, وبين فقرة متلفزة ومادة أخرى.. ومع هذه الومضات في إطار هذا الإلحاح بالتكرار وكأنه دق بوتيرة دؤوب على أم رأس المشاهدين.. تدخل الصورة في تلافيف المخ البشري نقاطا ضوئية وشذرات مجزأة ولا يكاد يبقى أو يصمد منها سوى اسم السلعة المعلن عنها وعبارات الترغيب والتمدح في مناقبها إلى أن يبلغ الأمر الحد الذي يتصور معه المشاهد أن حياته لا يمكن أن تكتمل ومطالبه لا سبيل إلى إشباعها سوى باقتناء السلعة موضع الإعلان, وهنا يتحول صاحبنا بفضل الصورة الالكترونية المجزأة الخاطفة اللاهثة من مشاهد تلفزيوني محترم إلى مجرد زبون متلهف وهو ما يحقق المراد من رب العباد, حيث لا تأمل ولا تدبر ولا يحزنون. بين الكتاب والحاسوب في هذا السياق, يقول البرتو منجويل: ذلك هو الاتجاه السائد حاليا في الميديا البصرية.. إنها تعمل على الاستئثار باهتمامنا ولكن دون أن تتيح لنا أي فرصة للتأمل أو التفكير. وهذا هو بالضبط ما يجعل المادة المطبوعة (الصحفية أو الكتاب) أداتنا الرئيسية لفهم أبعاد العالم من حولنا, ربما أكثر من أي وقت مضى. إن عظمة أي نص تتمثل في أن تتاح لنا من خلال سطوره ومعانيه فرصة للتأمل والتعمق والتفسير وليس أدل على ذلك من أنه مع هيمنة التلفاز على حياتنا, وبرغم هذه الهيمنة, فنحن نرى أن إنتاج الكتب يتزايد وهذا يعني عددا أكبر من القراء, ألم تر مثلا ان (بيل جيتس) أغنى أغنياء العالم وهو ساحر الحواسيب وصاحب أكبر شركاته حين أراد طرح فكرته عن مجتمع لا ورقي في المستقبل بمعنى المجتمع الذي يستغني عن الكتاب.. عندما أراد صاحبنا جيتس أن يروج لفكرته هذه لم يجد مناصا من أن ينشرها بين صفحات كتاب؟! صحيح أن هناك من يقول ان الناس سوف يستغنون عن النص المطبوع بشكله المجلد التقليدي الذي تعودنا عليه لأنهم سيجدون مندوحة عن الكتاب عندما يمارسون عادة أو فلنقل متعة القراءة على شاشة الحاسوب. لكن الكتاب بدوره جاء نتاج لتطور طبيعي وبفضل عملية إنضاج تاريخية ـ كما قد نسميها ـ وكلها كانت تهدف إلى تيسير أمر مصاحبة الكتب وتسهيل الإطلاع عليها بالنسبة لجماهير القراء ولقد بدأت هذه العملية التاريخية من ألواح الصلصال القديمة التي كان الأسلاف يخطون على أديمها حروفهم وإشاراتهم.. ثم حدثت نقلة ثورية بمقاييس تلك الحقب الزمنية البائدة حين تحول البشر من ألواح الطين المخبوز إلى لفائف البردي في مصر القديمة أول منتوجات للورق في حين ما قبل التاريخ المكتوب وبعد ثورة جوتنبرج الكبرى التي أدت إلى إنتاج الكتاب المطبوع وهو الجد الأعلى المباشر للكتب التي تتداولها أيدينا في الوقت الحالي, لم تعد القراءة مجرد إطلاع على بيانات ولا مجرد مطالعة معلومات قوامها أحرف وعبارات وسطور وصفحات.. أصبحت القراءة ـ مجرد عملية القراءة متعة في حد ذاتها. مائدة السطور الحافلة هنا يلجأ البرتو مانجويل إلى منطق الكناية أو الاستعارة وبشكل طريف حين يقول: ثمة بون شاسع بون حديثك عن قراءة الكتاب بشكله الذي نعرفه مجلد بين دفتين وبينهما صفحات وسطور وبين الحديث عن الإطلاع على مادة الكتاب فوق شاشة الحاسوب. بالنسبة للكتاب أنت تستخدم لغة ومصطلحات مستعارة في مجملها من لغة التذوق ومصطلحات الاستمتاع بأطايب الشراب والطعام وكأنما الكتاب ـ النص المطبوع هو مائدة حافلة بما لذ وطاب.. نقول مثلا لقد كان الكتاب جذابا مشوقا فكان ان (التهمته التهاما) .. وتقول أيضا إن (التذوق) الفني الأدبي لابد ان يتوافر لكل من يروم الإطلاع على الأعمال الأدبية المنشورة في كتاب. في مضمار الكمبيوتر, يختلف الأمر.. فالناس لا يستخدمون حكاية التذوق أو التلذذ أو الالتهام.. بل نجد مصطلحات من قبيل (اجتياز الشبكة) أو ركوب موجتها أو قبيل مسح النص بمعنى استعراض النص وفي كل حال.. فالتاريخ يعلمنا أنه مع دخول اختراع جديد في حياة الناس, نجد من يخشى على ما سبق من مخترعات أو إنجازات قالوا مثلا إن اختراع الفوتوغرافيا سوف يضع نهاية للرسم, وقالوا إن اختراع الراديو أو التلفاز سوف يقضي على الكتاب المطبوع, وقالوا إن التلفاز معناه موت الإذاعة بل وموت السينما.. والذي حدث أن الأدوات والمخترعات الأقدم كانت تواصل تطورها كيفما تتكيف مع المستجدات والمتغيرات, فيما كانت الأدوات الأحدث تبحث لنفسها عن زاوية لم يطرقها أحد من قبل أو تستحدث أساليب لم يستخدمها أحد من قبل ومن ثم كانت تحدث عملية تعايش في التحليل الآخر في إطار نظرية في علوم الاتصال تقول في إيجاز شديد إن وسائل الإعلام وسبل الاتصال إنما يدعم بعضها بعضا ولا تعني حياة إحداها وفاة أو زوال الوسيلة الأخرى. وقد تكون الترجمة إحدى الوسائل التي يمكن أن تديم حياة الكتاب المطبوع, نقصد بالذات مصنفات ومؤلفات الإبداع الأدبي من شعر أو رواية أو مقالات النثر الفني وما في حكمها, ونقصدها على وجه الخصوص الآن إذ لا سبيل إلى تقديم ترجمات الكترونية فورية لها تظهر مباشرة مع النص الأصلي على شاشات الحاسوب وهنا قد نتفق مع مانجويل الذي نحيل إليه هذه السطور على أن الترجمة عمل أدبي قائم بذاته وإن الأديب الأسباني يذهب متماديا في رأينا إلى حد بعيد حيث يقول: إن الكتاب, أي كتاب هو بالضبط اللغة التي كتب فيها أصلا (بمعنى أن ترجمة هذا الكتاب تشكل عملا آخر مستقلا تماما عن الأصل) وليس معنى هذا أن الترجمة هي عمل أدنى أو هي جنس أدبي أقل شأنا.. بل على العكس.. قد تأتي الترجمة أفضل من الأصل. وقد تضاهيه في روعته وأصالته (في الأدب الإنجليزي أنظر مثلا إلى ترجمات تشابمان لاشعار هوميروس وأنظر أيضا في الأدب الروسي إلى ترجمات بوريس باسترناك لأعمال شكسبير وأنظر كذلك إلى ترجمات رائقة بلغت الذروة في أدبنا العربي من حيث الطلاوة والبلاغة ومنها مثلا ترجمات إبراهيم المازني لقصائد في الشعر الإنجليزي من أواخر القرن التاسع عشر أو ترجمة عبد الواحد لؤلؤة لقصيدة اليوت الشهيرة بعنوان (الأرض اليباب) أو ترجمة سامي الدروبي لرؤية (جسر على نهر درينا) للأديب اليوغسلافي الحاصل على جائزة نوبل أيفو أندريتسن.. وعلينا ألا ننسى أن منها (كليلة ودمنة) وهو بداهة واحد من التصانيف التأسيسية في الثقافة الكلاسيكية العربية هو في التحليل الأخير ترجمة عن الفارسية أنجزها باقتدار عبد الله بن المقفع الذي عاش منذ 1250 سنة). ثلاث قواعد.. وهمية وسواء كان القارىء يطالع أصولا أو ترجمات فسوف تظل القراءة ـ كعادة وسلوك ـ متعة ذهنية وسياحة تروي أشواق الروح وظمأ المعرفة لا بمعنى مجرد أو مطلق الحصول على معلومات, ولكن بمعنى أن تزيد إحاطة الإنسان بمعنى الحياة وإبعادها وبأغوار النفس البشرية ونزعاتها الكامنة وبدواتها وشطحاتها وبالعلاقة بين الإنسان والكون الفسيح المعجز الذي يعيش فيه. والقارىء الجيد, ليس بالضرورة كاتب جيد. ولكن برغم أن كثرة من الكتاب يعمدون للامتناع عن القراءة وهم عاكفون على إنتاج أو إبداع مؤلفاتهم كي لا تتسرب آثار قراءاتهم إلى ما يكتبون إلا أن أول قاعدة لإجادة الكتابة إذا ندب الإنسان نفسه لممارستها هي ببساطة مداومة القراءة, وحسب. وربما جاز لنا أن نتحفظ على استخدام لفظة قاعدة في هذا السياق بالذات, فعملية الكتابة والإبداع أعقد وأكثر تشابكا وأعمق غورا من أن تخضع لأصول التقعيد أو التقنين وربما هي أشد غواية ومراوغة من أن تكون كذلك. وقد يحضرنا في هذا المقام ما ذكره الروائي المسرحي الإنجليزي سومرست موم في كتابه المركز الجامع بعنوان (الخلاصة) حين قال في معرض السخرية (هناك قواعد ثلاث ينبغي اتباعها في سبيل الوصول إلى تجويد الكتابة ولكن لسوء الحظ لا يعرف أحد حتى الآن ما هي هذه القواعد الثلاث) ! ولأنه لا توجد قواعد جامعة مانعة للقياس أو لإصدار الأحكام أو معايرتها.. لا تكاد توجد بنفس القدر قواعد تقول لقارىء ما.. هذا الكتاب جيد فاقرأه أو هذا كتاب ركيك فأعرض عنه.. حتى الكتب التي تنضح بالعصبية العرقية والروح الشعوبية أو بدعوات العنف المقيتة لابد أن يكون لها قراء من المختصين ومن أهل النضج والمعرفة كي لا تمر مثل هذه الأعمال بغير دحض أو رد أو مدافعة أو تفنيد. وقد يخضع مجال الإنتاج الفكري لقاعدة البقاء للإصلاح كما يقول أهل البيولوجيا, أو هي قاعدة أن لا يصح ألا الصحيح كما يقول تراثنا الطيب المضيء وكم من عمل فكري شد إليه اهتمام الناس ثم ما لبث أن انطفأ سراجه بعد أن أدرك الناس أن أفكاره ولت أو تجاوز التطور فكان إن واروه سجل التاريخ, وكم من عمل أبدعه صاحبه منذ عهود بل وقرون وظل حبيس النسيان خامل الذكر إلى أن أعيد اكتشافه أو تسليط أضواء جديدة عليه فأصبح وقد صدقت عليه عبارة هذا عمل معاصر.. رغم أنه مكتوب منذ مئات السنين بمعنى مواءمته لزماننا وتلبيته جانبا مما نحتاج إليه.. وقد يصدق هذا على قصائد للمتنبي وابن الرومي وتآليف للجاحظ وأعمال للتوحيدي أبي حيان. ملحوظة مهمة هذا الجزء يأخذ في إطار داخل المقال: (بالنسبة للكتاب, أنت تستخدم لغة ومصطلحات مستعارة من لغة التذوق والاستمتاع بأطايب الطعام والشراب.. وكأنما الكتاب, النص المطبوع هو مائدة حافلة بما لذ وطاب)