للاستعمار وجه ثقافي.. قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا.وفي التاريخ الحديث عرف العالم العربي ثلاثة عصور استعمارية: العصر العثماني والعصر الاوروبي والعصر الامريكي الراهن. ومن حيث التأثير الثقافي ونوعيته كان افضلها العصر الاوروبي الذي تفاوتت مساحته الزمانية بين بلدان عربية واخرى, لكن فترة اكتمال تأثيره الثقافي انحصرت ما بين عقد العشرينيات وعقد الستينيات من القرن الماضي علما بأن نهايته الرسمية كانت في منتصف الخمسينيات عموما. واذا كان العصر الاوروبي في العالم العربي يصح ان يوصف بأنه عصر انفتاح ثقافي فان العصر العثماني الذي سبقه يعتبر عصر انحطاط والعصر الامريكي الذي تلاه عصر فوضى ثقافية. الانفتاح الثقافي الذي بسطه العصر الاوروبي هو الذي انجب النخب الابداعية العربية عن طريق نشر الثقافة الفرنسية او الثقافة الانجليزية في مختلف المجالات الفنية: الادب, الشعر, النقد, والكتابة الصحفية.. وبالطبع الثقافة الفنية. وبقدر ما كان عصر طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم فانه كان ايضا عصر ام كلثوم وأحمد رامي ورياض السنباطي.. وغيرهم. كانت هناك ثلاثة مرتكزات لهذا العهد الابداعي: حريات التعبير ونظام تعليم حديث على النسق الفرنسي او الانجليزي والانفتاح على التراث الثقافي الاوروبي. ومع ذلك لا يمكن القول: ان الانتاج الابداعي العربي في ذلك الحين كان تقليدا للانتاج الابداعي الفرنسي او الانجليزي. بانفتاحهم على الثقافة الاوروبية استوعب الابداعيون العرب واقتبسوا اساليب التعبير واشكال العمل الفني ثم صاغوا على اساسها ابداعاتهم الأصيلة. وهكذا فان شعر رامي كان متأثرا بالأخيلة الشعرية الفرنسية, وموسيقى السنباطي كانت نتاج تأثره بالموسيقى الكلاسيكية الاوروبية, واداء ام كلثوم لم يخل من تأثير فن الاوبرا الاوروبي. لكن هذا لم يمنع من ابتداعهم اعمالا ذات خصوصية اصيلة. وقس على ذلك تأثر طه حسين مثلا بنظريات واساليب النقد الادبي في الثقافة الفرنسية, وتأثر نجيب محفوظ بطريقة الكاتب الانجليزي شارلس دكنز في تأليف الرواية الطويلة ورسم الشخصيات. وكان للتراث الاوروبي في الأدب والموسيقى تأثير اخر على النوابغ العرب.. وهو القيمة الاخلاقية المثالية للعمل الفني بمعنى الاقبال على عملية الخلق والابتكار بروح من الجدية والمسئولية.. وبعيدا عن الارتزاق التجاري. وهذا مما يفسر لنا طول القصائد التي كانت تؤديها ام كلثوم, خاصة القصائد المصاغة باللغة العربية الفصحى كقصائد (ولد الهدى) و(المولد) و(نهج البردة) من شعر احمد شوقي و(مصر تتحدث عن نفسها) من شعر حافظ ابراهيم و(رباعيات الخيام) كما ترجمها احمد رامي الى العربية. وكذلك طول بعض القصائد التي اداها محمد عبدالوهاب مثل (كليوباترا) من شعر علي محمود طه و(الكرنك) من شعر احمد خميس. هذه القصائد الطويلة وما بذل فيها من طاقة شعرية رصينة مضافا اليها عمل تلحين مضنٍ واداء من اعمق الاعماق الوجدانية يصح ان نطلق عليها (معلقات موسيقية) . اجل ان العصر الثقافي الاوروبي في مسار التاريخ الحديث للعالم العربي يشع من بين صفحات الزمان كعصر متميز بين العصر العثماني الذي كان عصر موات وجدب وانغلاق مظلم من فرط الكبت والقهر, والعصر الامريكي الراهن الذي بدأ مع عقد السبعينيات في القرن الماضي فلم ينشر الا ثقافة سينمائية سطحية تبعها غزو موسيقي لأغاني (البوب) الرخيصة. هذه الضحالة كان لابد لها ان تنعكس على الانتاج المحلي لتجعله منها فنا ساقطا. ولو ظهرت ام كلثوم في عصرنا الراهن لربما لم تجد من يلتفت الى فنها.