على طريقة التبرير الذي ساد قديما في الافلام العربية, وكان يعبر عنه بجملة (بتحصل في احسن العائلات) , فقد اضطر الناطق باسم مكتب رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) في معرض دفاعه عن زوجة رئيس الوزراء التي استقلت القطار دون ان تدفع ثمن التذكرة, لان يبرر سلوك السيدة بلير قائلا: (ان هذه الاشياء تحدث في أرقى العائلات ) !! وكل المشكلة في كلمتي (ارقى العائلات) هذه, لان المفترض ان ابناء ارقى العائلات تعني اشخاصا يتمتعون بقدر اكبر من التعليم والثقافة والتربية, ما يؤهلهم لان يبتعدوا عن تجاوزات كثيرة وحماقات مشينة تصدر عن اشخاص ينتمون لأوساط اجتماعية وتعليمية وثقافية اقل. لكن الذي ظهر من تصرف (شيري بلير) القاضية التي كانت في طريقها لتترأس احدى المحاكمات, عكس ذلك تماما, فقد اعتقدت السيدة (بلير) ان كونها شخصية مهمة ومن عائلة راقية يعطيها حق تجاوز القانون, تحت مبررات لم يعجز مكتب زوجها عن تأليف العديد منها, تخلصا من الحرج الذي اصاب زوجة رئيس الوزراء امام المجتمع الانجليزي الذي لايتساهل ابدا في قضية استغلال النفوذ والمراكز وتجاوز السلطات. ويبدو ان بطاقة (ارقى العائلات) مثل بطاقة (كبار الشخصيات) او (الناس المهمين) او غيرها من التعبيرات, التي تعيدنا لفترة مراكز القوى التي انتشرت في بعض الانظمة العربية والتي ترتب على استشراء نفوذها وتسلطها فساد سياسي ليس له مثيل, دفعت قطاعات كثيرة من ابناء المجتمعات العربية ثمنه باهظا من عمر البناء والحرية والديمقراطية والتنمية. ولا افهم حقيقة كيف يكتسب الانسان صلاحية اختراق القانون او تجاوز الواجب, او استباحة الخطوط الحمراء للحقوق العامة؟ ولا اعرف قانونا او نظاما او اتفاقا من اي نوع وفي اي مستوى سلطوي معين رتب لطبقة معينة حقوق التجاوز هذه, حيث من المعروف ان اي مجتمع او قانون يسعى دائما لتكريس الافضل, فالانسان وهو يسعى للتميز ولاضفاء الاهمية على ذاته العالية, استباح لنفسه حقوقا وقوانين ليتميز وليشعر الآخرين بتميزه, ووحده القانون عندما ينفذ على الجميع بعدالة يستطيع ان يعيد الامور الى نصابها, تماما مثلما اجبرت زوجة (بلير) على دفع غرامة الـ (10) جنيهات لمحطة القطار. لذلك فنحن نستطيع بهذا المنظور المعوج والضيق لمعنى الاهمية والشعور المتضخم بالذات ان نفهم سبب تقاتل الناس على المناصب العالية, وعلى السعي للوقوف في الاماكن الممنوعة, وعلى الجلوس في الصفوف الأمامية في اية دعوات يحضرها رؤساء او امراء مثلا, وعلى السعي للخلاص من مخالفات مرورية مثلا دون دفع الغرامة, وعلى الحصول على ترخيص مخالف للقانون, وعلى الحصول على لوحة ارقام سيارة تحمل ثلاثة ارقام, وعلى هاتف ارقامه متشابهة ومتسلسلة, وعلى اشياء كثيرة صغيرة جدا وليست ذات معنى لكنها تضع الكثيرين في خانة (الناس المهمين) الذين لم يحققوا اهميتهم بشكلها الصحيح فسعوا (للأهمية) من الباب الخلفي والضيق.